منظومة
الفساد
بالعراق
المحتل
عندما دخل
الجيش
الأمريكي
العاصمة
بغداد, صبيحة
التاسع من
أبريل من
العام 2003,
طالعتنا العديد
من تلفزيونات
العالم في
حينه
وبالمباشر الحي
في العديد
منها, بصور لعمليات
في النهب
مثيرة ولعمليات
في السرقة
بوضح النهار
غير مسبوقة,
طاولت معظم
مرافق الدولة
العراقية, برز
نفر من الناس
في خضمها وهم
يتسابقون لنهش
ما ثقل وما خف,
ولكأني بهم في
ثأر حميم مع مؤسسات
دولة آمنتهم
من جوع وآوتهم
من خوف,
ولعقود طويلة
من الزمن.
كل شيء كان
مباحا ومتاحا
وعلى مرأى من
الأمريكان وبتحفيز
منهم, هم
الذين لم يكن
يهمهم من
الغنيمة إلا
وزارة النفط
ووثائق وزارة
الدفاع,
فمنعوا
الاقتراب
منهما, تماما
كما ضمنوا
الحماية
لنهاب الآثار,
وهم يسرقون
أثمن
المكنوزات وأندرها
بمتحف بغداد,
ويهشموا
بقسوة نادرة,
ما لم
يستطيعوا
حمله أو نقله.
لم يكن
المشهد عفويا
من لدن عصابات
النهب, ولم
يكن "طبيعيا"
قياسا إلى
تهاوي
مرتكزات الدولة
يقول البعض,
ولا كان فضلا
عن كل ذلك,
حدثا عرضيا
عابرا, بقدر
ما كان مؤشرا
أوليا على فلسفة
الفوضى
الخلاقة, التي
بدأت تتخذ من
العراق
مختبرا
للتمرين, قبل
أن ينظر في
أمر تعميمها
على المنطقة
دولا وشعوبا.
وعلى هذا الأساس,
فإن ما رأيناه
صبيحة ذلك
اليوم, لم يكن
إلا الصورة
المصغرة,
الغير مؤطرة
بعد بدقة, لعمليات
سلب ونهب
واختلاس, باشر
فيها
الاحتلال
الأمريكي منذ
اليوم الأول,
وشرع لها
الأبواب, وقنن
لها المداخل
والمخارج,
واعتمدها
مسلكا ومنهجا
لبناء
"العراق الجديد".
وعلى هذا
الأساس أيضا,
عمدت حكومات
الاحتلال
المتعاقبة,
بظل مجلس
الحكم المؤقت,
كما بظل تلك
اللاحقة على
الانتخابات
وسن الدستور,
على اعتماد
أسلوب في
توزيع مغنمة
السلطة
والثروة, يبدو
بالاحتكام
إلى خشونته,
ولكأنه ثأر من
دولة قائمة,
وتصفية لتركة
ما تحقق في ظل
نظام لم يعد
قائما.
كنا ندرك من
يومه, أن
ثنائية
السلطة
والثروة
ستخضع لا
محالة للاقتسام
الطائفي, وأن
مستقبل
البلاد
ستحكمه الخلفيات
المذهبية
والعرقية
والإثنية, وأن
من يرفع
شعارات وطنية يرفعها
لمجرد ذر
الرماد في
الأعين, ليس
فقط لأن أهداف
الاحتلال لا
تتساوق مع ذات
الشعارات,
ولكن أيضا لأن
حامليها هم من
تآمر بالأصل على
الوطن, ومهد
للغزو, وتماهت
مشاريعه مع
مشاريع
الغازي
المحتل.
كنا ندرك ذلك
جيدا, لكننا
لم نكن لنتصور
أن ما يحاك
لبلاد
الرافدين حقا,
إنما جرها
خطوة خطوة نحو
منظومة في
الحكم, وتدبير
للثروة يكون
الفساد
ناظمها, وتدمير
مقومات البلد
خيطها الأساس.
والحقيقة أن
حصيلة أكثر من
أربع سنوات من
الاحتلال,
والحكم
الطائفي
المنظوم
بمرجعية
دينية موجهة,
إنما تدلل على
أن العراق
تحول فعلا إلى
وكر للفساد
والمفسدين,
ندر مثيل له
في التاريخ
المعاصر:
+ فالبلد بات
(وفقا للعديد
من التقارير
الدولية)
"الدولة الأكثر
فسادا...والثالث
بين ستين دولة
فاشلة في العالم",
لا بل تشير
منظمة
الشفافية
العالمية إلى "أن
عددا من
المسؤولين
العراقيين في
مستويات
مختلفة, يمارسون
نهبا منظما
للدولة
وثرواتها
ومرافقها,
يتكامل مع
إقدام
الاحتلال على
تبديد
مليارات الدولارات
(يقدرها البعض
بأربعين
مليار) من
الأصول
العراقية,
التي تم
الاستيلاء
عليها بعد
سقوط النظام
السابق".
وهو ما تؤكده
منظمة صندوق
السلام
الأمريكية,
التي تعترف
بأن "العراق
احتل المرتبة
الثالثة بين
دول العالم
الأكثر فشلا.
وقد احتل هذا الترتيب
من بين أسوأ
ستين دولة
فاشلة من دول
العالم, بدرجة
وضع محرج".
+ والبلد
أضحى (باعتراف
مكتب
المحاسبة
الحكومية
الأمريكي)
مستباحا في
نفطه كما في
غازه, لدرجة
"أن ما بين 100
إلى 300 ألف
برميل من
النفط العراقي,
كانت منذ أربع
سنوات وما
تزال, تختفي
يوميا... وبتقدير
معدل سعر
البرميل
الواحد من
النفط بخمسين
دولار, فإن
قيمة هذه
البراميل
المفقودة
تتراوح بين 5 و 15
مليون دولار
يوميا", أي ما
يناهز 5
مليارات
دولار سنويا...لا
بل إن قوات
الاحتلال
تلكأت ولا
تزال تتلكأ,
في وضع
العدادات
بالعديد من
آبار النفط,
وتغض الطرف عن
العديد من عمليات
التهريب التي
تتم بالجنوب
وبالشمال, من
لدن عصابات
متخصصة, أو من
لدن ميليشيات
الأحزاب, أو
عبر "شركات
نفطية" أنشئت
خصيصا لذات
الغرض, لدرجة
أن خبيرا في
النفط مسؤولا
بالحكومة, لم
يجد غضاضة في
الاعتراف
بأنه لا يعلم
"أين يذهب
النفط
العراقي".
+ والبلد غدا (باعتراف
أكثر من
برنامج أممي)
عرضة لشتى
أنواع الفقر
والعوز
والحرمان,
لدرجة تقول
إحدى الوثائق,
إن العراق
"تحول خلال
السنوات
الأربع الماضية
من دخول
القوات
المتعددة
الجنسيات
بقيادة
الولايات
المتحدة, إلى
دولة قاتمة
المعالم, ومجتمع
غالبيته من
الأرامل
واليتامى والمطلقات
والمعوزين,
تسود فيه
جرائم الفساد
الإداري,
والاعتداء
على الملكية
العامة
والتهريب, وارتفعت
معدلات
السرقة
والسطو
المسلح,
وعمليات
الاختطاف
والاغتصاب
والإدمان,
وفقدان الشعور
بالأمن وجنوح
الأحداث".
وتشير
بيانات
برنامج الأمم
المتحدة
الإنمائي إلى
"أن مستوى
المعيشة
منخفض في
ميدان
التعليم
بنسبة 32 بالمائة,
وفي مجال
الصحة ب 23
بالمائة,
والبنى التحتية
الضرورية
للعائلة
بنسبة 52
بالمائة,
والسكن ب 20
بالمائة,
والوضع
الاقتصادي
بنسية 55
بالمائة,
بينما بلغ
انخفاض مستوى
المعيشة
للأسر بنسبة 31
بالمائة".
وأوضحت
وزارة العمل
والشؤون
الاجتماعية
العراقية, أن
مستوى الفقر
تجاوز بمقدار
35 بالمائة عن
مستوى الفقر
قبل عام 2003, وأن
حوالي 6 مليون
عراقي يعيشون
تحت خط الفقر, 40 بالمائة
ضمنهم تدهورت
معيشتهم بشكل
حاد, مما دفع
العديد منهم
لارتياد جبال
القمامة أو
للتسول...ناهيك
عن تزايد
شرائح
الأيتام
والمشردين
والمعاقين
والأرامل
المعيلات
لأسرهن, كما
اتسعت دور
الصفيح بمستويات
قياسية.
إن منظومة
الفساد
الإداري
والمالي
(ناهيك عن شتى
أشكال الرشوة
والمحسوبية
وغياب نظام في
المراقبة
والشفافية
وتغييب دور
القضاء) إنما
هي نتاج طبيعي
لاحتلال
مباشر,
ولحكومات
طائفية
مهترئة
ومخترقة, حيث
"المحتل يسرق
والميليشيات
تسرق والحكومة
تسرق ومجلس
النواب
يسرق...بل وحتى
هيئة النزاهة
المكلفة
بالتحقيق في
قضايا الفساد
الإداري, يتم
اختراقها في
أحيان كثيرة,
أو تقف عاجزة
عن اتخاذ
إجراءات
فعالة, لدرء
الفساد بسبب
التدخلات
الحكومية, كل
هذا يبرز
التصاعد
المضطرد في النشاطات
الإجرامية
التي يتم
تمويلها في
أحايين كثيرة
من موارد
الفساد
الإداري".
والمنظومة
إياها لا
تقتصر على
النفط (حتى
وإن كان عصب
ذات
المنظومة), بل
تتعداه إلى كل
ما تطاوله يد
الاحتلال
وعملاؤه من
ذهب وحديد
ورصاص وآثار
ومكائن ثقيلة
وما
سواها...ولكأن
المراد
إدراكه حقا
إنما تخريب
البلد,
وتحويله إلى
وكر للمافيات
والعصابات من
بين ظهراني مفاصل
الدولة, كما
من لدن
المتواطئين
معهم بدول
الجوار, كما
القادمين من
بعيد لتحصيل
جزء من
الغنيمة.
والمنظومة
إياها لا
تقتصر على هذا
المسؤول أو
ذاك, بل تطاول
النسق برمته,
من الوزير (حالة
حازم الشعلان
الذي حول
لفائدته
ملايين الدولارات
قبل أن يفر
للخارج), إلى
مختلف
المستويات
بهرم الدولة
(أكثر من 70 مسؤولا
ومديرا عاما
أدرج إسمه لدى
المحققين,
لكنه توقفت
بتدخل من
الجهات
الحامية أو
عمد إلى
اغتيال القضاة
المكلفين
بالمتابعة.
وعلى هذا
الأساس, فإن
الذي خلفته
الإدارة الأمريكية
بالعراق بعد
أربع سنوات من
الاحتلال فقط
(وما ستتركه
خلفها عند
سحبها لجنودها)
إنما شبكة من
العملاء
والسراق
استباحوا دم
العراق وعرضه,
نهبوا
ممتلكاته
ومدخراته
ومصادر رزق
أبنائه...ولن
يتوانوا في
تجفيف نهر
دجلة والفرات,
إن كان لهم في
ذلك (أو
لعوائلهم
بالخارج) مكسب
مادي مباشر.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
28 ماي 2007