"هل يمكن استئصال المغرب من الفساد؟"
1-
الفساد آفة, سواء تمظهر على شكل رشوة أو محسوبية أو زبونية أو محاباة أو ما سواها,
مجتمعة أو حالة حالة. ولما كان كذلك, فإنه يقتل بالحتم الثروة والإنتاج, يستصدر
مبادرة الأفراد والجماعات, ويرتهن لفائدته كل سبل التنمية والتوزيع العادل للثروة.
ثم
لما كان كذلك, فهو كالطفل اللقيط, ليس له أصل, ولا للثاوين خلفه أصل أيضا. إنه كما
هؤلاء, ظاهرة شاذة وظيفتها المحببة أن تنخر جسد البشر والحجر والشجر, حتى يذبل, ثم
يفقد المناعة بالتدريج, ثم يتهاوى من عل, بعد طول مقاومة وجلد ومكابرة.
للآفة
هاته تاريخ, ولها أسباب ودواع دون شك, لكن تبعاتها ونتائجها أقوى وأضخم من أن يبحث
المرء لها عن الأسباب أو المسوغات. هذا لا يهم كثيرا. إن المهم فيما يبدو لنا
بالمغرب على الأقل, إنما التساؤل في سبل, إذا لم يكن التخلص من هذه الآفة, فعلى
الأقل الحد من مفاعيلها في الزمن والمكان.
والواقع
أن آفة الفساد بالمغرب, رشوة ومحسوبية ومحاباة وغيرها, قد تجاوزت على الحد
المعقول, حتى باتت الآفة إياها ظاهرة معممة تتحدث بركبانها الخاصة والعامة, لا بل
قل باتت قيمة في حد ذاتها, فغدا غير المفسد هو الغير صالح والغير شريف والغير
نزيه, ولكأن النزاهة أن يكون المرء فاسدا مفسدا بامتياز.
لقد
تحدثنا في هذا الجانب بأكثر من مناسبة ومقال, وقلنا بأن الفساد بالمغرب ليس حالة
عرضية, ولا هو بالمسألة الجانبية, بقدر ما أضحى منظومة متكاملة, لا يمكن لحال
البلاد والعباد أن يستوي ويقوم بدونها أو بغيابها. وقلنا تحديدا:
+
إن أصل الآفة هو من الخلط المتعمد والمقصود لروافد السلطة وروافد السوق, فيكون
المحتكم للسلطة في هذا الباب خصما وحكما بالسوق, فتضيع الثروة, ويضيع الإنتاج,
وتذهب القيمة المضافة الكمية والنوعية لمجالات لا تعيد إنتاج الثروة, بل تدفع بالريع
ليبلغ أقصى مظاهره وأشكاله.
+
وإن أصل الآفة هو من الخلط القوي بين الخاص والعام, حتى ليبدو العام خاصا والخاص
عاما, فيتعذر على المرء بالتالي إدراك معنى الضريبة, ومعنى سعر الفائدة, ومعنى
الاقتراض, ومعنى المنافسة على أساس من الاجتهاد في المبادرة, ثم المثابرة في
التراكم, كما أسس لذلك وبنى علماء الاقتصاد ومنظري السوق.
+
وإن أصل الآفة ضعف في الأخلاق, ونقص المناعة في إعمال الضمير, تجعل من الفاسد
والمفسد لا يرى في أبناء طينته إلا خزانا للثراء الذاتي, ومستودعا للجباية الشخصية
ومصدرا للاغتناء السريع الغير مكلف.
2-
هل من سبيل لاستئصال هذه الآفة بالمغرب؟
ليس
لدينا وصفة لذلك, ولا يمكننا أن ندعي امتلاكنا للحل. لكننا مع ذلك نقول التالي:
+
ليس من شك أن الدولة, وزارة في الداخلية ومخابرات وأجهزة محاسبة ورقابة, تعرف
مكامن الفساد وأوكار الثاوين خلفه, لا بل وتمتلك أرشيفات حول ما قاموا به, ولا
يزالوا يقومون به...لم إذن لا تستدرجهم الواحد تلو الآخر للعدالة, وتحيدهم من
الصورة, وتقي الأفراد والجماعات شرور ما يقومون به أو ينوون الإقدام عليهم؟
+
وليس من شك أن لوزارتي الداخلية والعدل, دع عنك مجالس الرقابة والحسابات, ملفات عن
هذا الفاسد المفسد كما عن ذاك, بالجهاز التنفيذي كما بالإدارة...لم إذن لا تعمل
فصول القانون, لمتابعة هؤلاء ومحاسبتهم, واسترجاع ما اكتنزوه من ثروات من القطاع
العام تحديدا, وقد دخلوه حفاة عراة لا يلوون على شيء؟
+
كما أنه ليس ثمة من شك في أن للقضاء ملفات عن هذا الفاسد كما عن ذاك, بتحري من
النيابة العامة كما باستقصاءاته هو نفسه. لم إذن لا يعمد الجهاز القضائي إلى
مساءلة هؤلاء, ولا إلى متابعتهم ومساءلتهم حول شرعية ومصدر ما يملكون؟
كل
هذا قائم وممكن, لكن لا يد تطاول هذا المفسد ولا تبلغ حد درء شر ذاك المفسد. لماذا؟
لأنهم
مجتمعين فاسدين ومفسدين, قطاعا عاما وقطاعا خاصا, إدارة وجهاز محاسبة, مشرعين
وقضاة...إن لهم مجتمعين مصلحة في فساد العباد وإفساد البلاد. وما
دام الأمر كذلك بالجملة أو بالتفصيل, فإن استئصال الفساد بالمغرب يبدو بعيد المنال
حقا, لا بل ويبدو لنا أن استئصال المغرب من الفساد أضحى هو الأصل, في حين أن استئصال
الفساد منه هو الاستثناء.
يحيى اليحياوي
الرباط, 11 يوليوز
2011