مدركات
الفساد
بالمغرب
من
أشهر قلائل
مضت, أصدرت
منظمة
الشفافية
الدولية
تقريرا عن مؤشر
"مدركات
الفساد للعام 2008",
ضمنته تقييما
لحوصلة المؤشر
خلال العام 2007,
ووضعت على
أرضيته
ترتيبا جديدا
لدول العالم,
بالبناء على
ما تحصلت عليه
من بيانات
ومعطيات, من
لدن الحكومات
مباشرة, أو من
لدن
ممثلياتها
بعين المكان,
أو عن طريق
المنظمات
المدنية, أو
بوسائلها
الخاصة في
العديد من
الحالات.
هو
مؤشر مركب,
يقيس مدركات
الفساد في
القطاع العام
بالعديد من
دول العالم,
بالاعتماد
على الدراسات
الاستقصائية
المتخصصة,
والمسوحات الميدانية,
الواسعة
القاعدة,
والمبنية على
خلفيات نظرية
محكمة, فيصنف
الدول إياها,
مقامات
ومراتب, بين
"النظيف جدا"
(الذي يحصل
على عشر نقط, أو
ما يناهزها على
سلم المؤشر),
وبين "الفاسد
جدا", الذي
يحصل على صفر
نقطة على ذات
السلم, أو على
نقط لا تبلغ
الخمس نقط.
الكل فاسد بالطبيعة,
بمنطوق المؤشر,
لكن الاختلاف
يطاول الحجم
والدرجة.
تحتل
الدنمارك
ونيوزلندا
والسويد
وسنغافورة
وفنلندا
وسويسرا, أعلى
الدرجات,
بأكثر من تسع
نقاط للواحدة,
تليها
إيسلندا
وهولندا
وأستراليا
وكندا والنمسا
وهونغ كونغ,
بأكثر من ثمان
نقاط, ثم
ألمانيا
والنرويج
والمملكة
المتحدة
وأمريكا
واليابان,
بأكثر من سبع
نقاط, ثم
فرنسا
والشيلي
وإسبانيا
وقطر
والبرتغال
وإسرائيل,
بأكثر من خمس
نقاط,...وهكذا
دواليك بأكثر
من خمسين دولة
وإقليم
بالعالم. أما
ما تبقى من
الدول المائة والثمانين,
التي طاولها
المؤشر, فقد احتلت
ما دون الخمس
نقاط, بدءا من
جنوب إفريقيا
(4.9 نقطة), ووصولا
إلى العراق
المحتل
ومينمار
والصومال, حيث
لا يتعدى
المؤشر, في كل
الحالات,
النقطة
الواحدة أو ما
دونها.
هو
ترتيب لا يدعي
الدقة
المطلقة, أو
الترتيب
المتناهي
الموضوعية
للدول, لكنه يرصد
التوجهات
الكبرى,
ومستوى "نظافة"
هذه الدولة أو
فساد تلك,
خلال فترة من
الزمن منتظمة,
يتتبعها
المؤشر مكونا
بمكون, وعنصرا
بعنصر. ولما
كان كذلك,
فإنه إنما يتغيأ
بالمحصلة,
قياس وتتبع
مستوى 'الفساد
العالمي",
الذي يترتب عن
ممارسات
هجينة, غير
قانونية وغير
مشروعة, لم
تفلح
التشريعات
واللوائح والقوانين
في ردعها, أو
الحد من
مفعولها, أو
الحيلولة دون
أن تتفاقم
بالزمن
والمكان.
ليس
المقام قائما
هنا للتساؤل
في بنية هذا
المؤشر, ولا
في نجاعة وتمثيلية
العناصر
المكونة له,
أو التساؤل في
خلفية المنظمة
الثاوية خلفه,
ومدى
استقلاليتها
عن هذه الجهة السياسية
أو المدنية, أو
تلك. إن الغرض
هنا إنما
التوقف عند
الترتيب
المتدني, الذي
آل للمغرب ضمن
المائة
وثمانين دولة,
المختلفة
البنية والبنيان,
والتي يبدو,
بمقارنة
المغرب معها,
ولكأن هذا
الأخير دولة,
إذا لم تكن
"نظيفة"
نظافة السويد,
فإنها أقل
نظافة من أكثر
من دولة, وأكثر
فسادا من أكثر
من إقليم.
والقصد
هنا تحديدا,
إنما القول
بأن مرتبة
المغرب
المتدنية
(بمقياس هذا
المؤشر, كما
بتقاطع
مؤشرات دولية
أخرى) إنما
تدلل بالجملة
كما بالتفصيل,
على أن القطاع
العام به إنما
بات وكرا
للفساد بكل
المقاييس,
سواء تعلق
الأمر
بالفساد
"الصغير", ذي
الأثر
المحدود
نسبيا, أم
تجاوزه
وتعداه إلى
حالات الفساد
الكبرى, التي
تطاول هذا
المرفق أو ذاك,
والتي يترتب
عنها
اختلالات
كبرى في بنية
الاقتصاد كما
في بنيانه.
وإذا
كان المؤشر قد
حصر اهتمامه
بالقطاع العام,
فإن هذا يدل
بحالة المغرب,
كما بالحالات
العديدة الشبيهة
له, بأن الفساد
قد طاول كل مرافقه
العمومية,
بدءا من
الوزارات
والإدارات
العمومية
المركزية,
لحين أبسط
المرافق
المنتشرة
بالقرى
والمداشر,
مرورا
بالمصالح
الاقتصادية
والاجتماعية
الوسيطة, التي
للمواطن بها,
فردا أو جماعة
أو مؤسسة,
مصالح آنية
مباشرة بها,
تجعله وجها
لوجه مع
الفساد,
ولكأنه قدره
المحتم حقا,
أو مستوى
خلاصه من
الحال والمآل.
معنى
هذا, بلغة
رجال السياسة
والقانون, أن
الفساد قد
طاول ونخر
السلطات
الكبرى
القائمة وبمستوياتها
المختلفة,
التنفيذي
منها كما التشريعي
كما القضائي,
وبات بالتالي,
محركا لكل الأجهزة
والدواليب,
المشرعة كما
المنفذة, كما
التي من شأنها
الفصل في
تظلمات
وشكاوى الأفراد
والجماعات.
ومعناه
أيضا, أنه
عندما يصبح
الفساد
مستشريا بالأفقي
والعمودي, لا تتحرك
الدولة إلا بحركته,
وتجنح للسكون
والرتابة
عندما لا يتحرك,
فمعنى ذلك
جهارة, أنه
بات منظومة
حكامة
بامتياز,
بالقياس
إليها تتحدد
السياسات
العمومية, وعلى
أساسها يتم
تحديد قواعد
توزيع الثروة
والسلطة
بالمركز, كما
بالأطراف, كما
بالمستويات الوسيطة.
إن
الفساد
بالمغرب, من
هذه الزاوية,
لم يعد معطى
محصورا أو
فعلا منفردا,
إنه أضحى, من
منظور مؤشر
منظمة الشفافية,
حالة عامة,
تحكم
المنظومة
برمتها, وتتحكم
في شكلها, كما
في جوهرها,
كما في طبيعة
الفاعلين من
بين ظهرانيها.
إنها باتت
مستقلة, ليس
فقط عن مستوى
الإنتاج
والتراكم, بل
ومستقلة أيضا
عن متاريس
القانون و
نواميس الأخلاق,
وما تعارف
عليه الناس من
تصرف وسلوك,
فضلا عن كل
ذلك.
قد
يقول قائل: لم
"التحامل"
على المغرب,
ومؤشر الفساد
المعتمد هنا
لم يستثن دولة
أو إقليما إلا
وأشار إليه
بالأصبع, بل
ثمة, يقول ذات
القائل, دولا
متقدمة, ليس
سجلها بهذه
الزاوية نظيفا
بالمرة, بل به
إذا لم يكن
الفساد
"بجلاله",
فجزء منه قائم
بالتأكيد
والقطع؟
هو
قول لا يخلو
تماما من
صواب, لكن
الفساد بهذه
الدول
(النظيفة
تماما, أو
النظيفة
نسبيا) لا
يكون القاعدة,
بقدر ما يؤسس
للاستثناء. ثم
هو ليس
بحالتها
بالظاهرة, بل
ضمن الحالات
الهامشية,
التي لا ترهن
حاضر
المنظومة أو
ترتهن مستقبلها.
ثم ثمة بالدول
المتقدمة
متاريس
ومحاذير ولجن
مراقبة
ورقابة,
ومستوى قضائيا
مستقلا,
يتساوى بظله
الكل, وقد يزج
بغياهب
السجون مسؤولين
كبارا (قبل
الصغار
وبعدهم), إن هم
تطاولوا على
المال العام,
أو ابتزوا المواطنين
على خلفية من
لاتوازن
السلط, أو
خانوا
الأمانة
عندما يكونوا
بإحدى مستويات
السلطة
المتقدمة.
بالجهة
المقابلة,
بالمغرب أقصد,
كما بمن صنفهم
التقرير
بالمؤخرة,
يبدو أن لا
رادع للفساد,
ولا كابح
لمكوناته
الكبرى, رشوة
كانت, أم
زبونية, أم
ابتزازا, أم
"تبذيرا
قانونيا"
للمال العام,
أم ما سوى ذلك.
إن الفساد,
بهذه الحالة, أضحى
معطى بنيويا,
يحكم نمط
التراكم
الاقتصادي,
ويحدد مجال السلوك
السياسي,
ويحصر
مستويات
التنمية, ويوجه
آليات
المنافسة كما
يرضى ويرتضي.
الفساد,
بهذه الجزئية,
ليس عنصرا
شاذا, أو مكونا
دخيلا على
المنظومة,
يستوجب
المقاومة والمناهضة,
بل بات عنصر
القلب من
الجهاز, لا بل
عصب ذات
الجهاز,
والرئتان
التي يتنفس
بفضلهما. ولما
كان الأمر
كذلك, فإنه
بات بحصانة من
كل متابعة, أو
إشارة
بالأصبع وإن
بالتلميح, بل
بات "مشرعنا", غير
ممقوت اجتماعيا,
حتى غدا
بالنفوس
والعقول شأنا
عاديا, لا بل
سوقا لعرض
الخدمات
بمقابل عيني
أو مادي, يؤدى
مباشرة أو بعد
حين.
لنقل
صراحة,
بالبناء على مؤشر
منظمة
الشفافية
الدولية: عندما
يتحول الفساد
إلى نمط تراكم
وإنتاج, ويغدو
أداة حكامة
و"نجاعة",
فإنه يضحو
بالمحصلة,
فارزا لنظام
الحكم, معيدا
لإنتاجه,
محددا
لطبيعته
وتوجهه ومدى
قدرته على
الاستمرار...أزعم
بهذه الحالة,
أننا بالمغرب
قد أدركنا هذا
المستوى,
بالشكل
البائن كما
بالمضمون
المضمر.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
27 أكتوبر 2008