من أجل تلفزة مواطنة
يحيى اليحياوي
الحديث في إشكالية
التلفزة بالمغرب والحديث في البعد المواطناتي بها يثير في ذهني ثلاث ملاحظات كبرى
أعتقد أنه من الأساسي الوقوف عندها ولو بإيجاز:
- الملاحظة الأولى
تتعلق بالهوية، هوية التلفزة ذاتها: هل هي "أداة" لعكس واقع الحال
القائم أم هي " قاطرة" تجر باتجاه تبيان نواقص هذا الواقع على خلفية من
إصلاحه أو على الأقل تعرية مكامن ضعفه والخلل به.
الظاهر، فيما أتصور،
أنه منذ البدء (أي منذ استقلال المغرب) وإلى اليوم أن التلفزة لم تكن يوما هذا أو
ذاك (لا أداة عكس الواقع ولا سلطة لديها معنوية لتغييره).
والسر في ذلك أنها كانت
ولا تزال جزءا من بنية لا بنية قائمة بذاتها، أعني جزءا من جهاز لا جهازا قائما بذاته.
بالتالي فهوية التلفزة
كانت و لاتزال من هوية القائم عليها، من هوية المتسلط (من السلطة) عليها ومن هوية
المتحكم في حالها ومآلها (من هنا التساؤل في سلطتها "الرابعة" أو
قوتها...الخ).
هناك محددات ورهانات
كبرى، رمزية ومادية، ظاهرة وباطنة هي التي تحكم التلفزة وهي التي أعطت واقع الحال
الذي نعيشه في الوقت الحاضر ولربما في المستقبل أيضا.
- الملاحظة الثانية أنه
ما أسميه شخصيا ب "محنة التلفزة بالمغرب" ليس مرتبطا أساسا بظروف
موضوعية حالت (ولا تزال) دون رفع هذه المحنة، ولكن مرتبط بالأساس بالرفض المستمر
للرأي الآخر، للفكر الآخر وللتصور الآخر والذي لم تكن التلفزة إلا عاكسا جزئيا له
على المستوى المرئي.
بمعنى أن ما كنا نراه
(ولا زلنا) وما كنا نعيشه (ولا زلنا) من إقصاء للرأي الآخر على الشاشة هو إلى حد
بعيد صورة مصغرة للإقصاء والتهميش والمنع والتلاعب بالأذواق الذي نعيشه على مستوى
واقع الحال، أي على مستوى الشارع والمجتمع وغيرهما.
بالتالي، فسيادة
"الفكر الوحيد" على مستوى التلفزة هو بالأساس (ولا يزال) من سيادته على
المستويات الأخرى، مستوى سيادة الطابوهات وطغيان المحذورات وغيرها.
- الملاحظة الثالثة
وتتمثل في الصعوبة الموضوعية (والجوهرية أيضا) التي تحول دون استنبات مفهوم وقيم
"المرفق العام" بالتلفزة وبغيرها من قطاعات الإعلام والاتصال الأخرى
المنظمة على شاكلة شبكية أو وفقها.
معنى هذا؟ معناه أنه من
الصعب التدليل على أن التلفزة بالمغرب مرفق عمومي بمقاييسه ومواصفاته، ومن الصعب
أيضا التدليل على أنها تشتغل في مجال المنافسة والتنافسية والجودة وغيرها.
ومعناه أيضا أن التلفزة
لم تكن يوما تشتغل وفق مبادئ المرفق العام لأنها لا تتوفر على دفتر تحملات واضح
ولا تحتكم إلى واقع الحال في صياغة أو إعادة صياغة موادها وشبكتها البرامجية و لا
تحتكم إلى تصور أو رؤيا.
هذه الملاحظات الثلاث
هي المدخل الرئيسي، في تصوري، لمساءلة البعد المواطناتي بالتلفزة في المغرب.
وعلى هذا الأساس، فأنا
لا أتصور (في الوقت الحاضر وحتى المنظور) تلفزة مواطنة ما دامت المواطنة نفسها
تعيش نفس المحن التي تعيشها التلفزة ذاتها:
+ محنة المواطنة
بالتلفزة هي من محنة التلفزة نفسها ومن محنة الجسد الإعلامي برمته.
ليس معنى هذا أن
التلفزة هي مكمن اختراق رهانات السلطة والرمز والمال لها فحسب، ولكن معناه أيضا
غياب المواطنة كبعد حقيقي في تحديد الشبكة الإعلامية للتلفزة ولغيرها من وسائل
الإعلام الأخرى من مكتوبة ومسموعة وغيرها.
الإشكالية الإعلامية
عموما (والتلفزية بوجه خاص) لم تطرح لحد الآن على خلفية مواطنة ليس فقط على اعتبار
ارتهان السلطة لهذا الحق ولكن أيضا لأن القضية ذاتها لم تكن من "المفكر
فيه" من لدن الجسد الإعلامي بوجه عام.
هذا أمر أساسي: محنة المواطنة
بالتلفزة هي من محنتها بالجسد الإعلامي بأكمله وليست بالتالي مقصورة على جهز
إعلامي دون آخر.
+ الأمر الثاني أن محنة
المواطنة بالتلفزة في المغرب هي من محنة الديموقراطية داخل هذا "الجهاز"
ومن محنتها خارجه. بمعنى أنه لا قيمة ولا مصداقية لعمل تلفزي (وإعلامي بوجه عام)
إذا كان يستقي مادته وشكل مادته مما يسمى بالفكر الواحد والعقلية الواحدة التي
يدفع بها القائمون على الشأن السياسي والتلفزي ببلادنا.
وبمعنى أن التلفزة لم
تساهم لا في تكريس قيم المواطنة ولا في تكريس مبادئ الديموقراطية التي يعتقد أن
مسارها قد انطلق مع حكومة التناوب أو حكومة التوافق.
هذه النقطة أساسية في
تصوري لأمرين: أولا لأن لا مواطنة بدون ديموقراطية حقيقية، وثانيا لأن لا ديموقراطية
بدون الاعتراف بالحق في الاختلاف. وهو ما عملت التلفزة في المغرب على إخفائه
وتجاهله.
+ الأمر الثالث أن محنة
المواطنة بالتلفزة في المغرب هي كذلك ودون شك من محنة الثقافي داخل هذه التلفزة
ومن غياب ثقافة المواطنة لدى القائمين عليها.
صحيح أن الثقافي ببلادنا،
عموما، في غبن كبير جراء تزايد " قيم" الارتزاق والارتشاء الفكري
والربحية و"الوصولية"، لكنه في غبن أكبر داخل التلفزة جراء سيادة
"الثقافة المخزنية" التي ليس لديها أدنى معرفة بما هي المواطنة وثقافة
المواطنة.
هذا بعد مركزي في
تصوري.
ثم هناك بعد آخر يدلل
على إقصاء التلفزة لجوهر المواطنة وقيمها: وهو البعد اللغوي.
البعد اللغوي الذي أقصد
هنا، بارتباط وإشكالية المواطنة، لا يحيل فقط إلى اللغة كأداة تواصل ووسيلة اتصال،
ولكن أيضا كرمز من رموز الهوية والحق في التميز الذي لا مواطنة حقيقية بدونه: أن
ندفع بالفرنكوفونية في إغفال اللهجات المحلية هو استصدار للحق في الاختلاف،
واستصدار للحق في التميز واستصدار للحق في العيش كمواطن.
+ البعد الرابع أن محنة
المواطنة بالتلفزة بالمغرب هو من محنتها داخل المشروع المجتمعي الذي لم ينشأ ولم
يتسن لنا بعد أن نرى معالمه وتوجهاته.
ماذا أعني باختصار
شديد؟
أعني أنه لا يمكن
الحديث عن تلفزة مواطنة إذا لم تكن قيم المواطنة ذاتها قلب المشروع المجتمعي الذي
لم تتبين مكوناته ولم تظهر منذ ما يزيد عن أربعين سنة.
هذه الإشكالات الكبرى،
هذه المحن هي التي حالت وتحول وستحول دون شك دون إقامة تلفزة مواطنة كما لربما
نشاهده في فضاءات أخرى غير فضائنا.
ما هي أطروحة هذه
المداخلة نهاية المطاف؟
أطروحتها أن التلفزة لا
تخلق المواطنة على اعتبار أن هذه الأخيرة منظومة قيم وأسلوب علاقات وتعامل تتعلم
بادئ الأمر خارج التلفزة، لكن هذه الأخيرة تعمل (ويجب أن تعمل) على تبنيها
والترويج لها إنتاجا ونشرا وأخبارا وثقافة.
بالتالي، فبقدر ما للتلفزة على المواطنة من واجبات، بقدر ما لها عليها أيضا من حقوق، حقوق أن تتكرس
ذات المواطنة أولا على لأرض الواقع قبل أن تترجمها التلفزة أو توسع فضاءها إن لم
يكن كواقع حال فعلى الأقل كمطلب تساهم في بلورته وتحقيقه.
معنى هذا أن التلفزة لا يمكن أن تخدم المواطنة
إلا إذا اتخذت من قيمها وأبعادها مصدرا من مصادر تحديد وتصميم شبكتها البرامجية،
إذ لا مواطنة، نهاية المطاف، دون تملك حقيقي لوسائل ووسائط الإعلام كما يقول إيغناسيو راموني.
ومعناه كذلك أن لا مواطنة
إذا لم يضمن الوصول الديموقراطي لوسائل الإعلام (والتلفزة بالأساس) ليس فقط لأنها
تحيل إلى مبدأ الاستعمال ولكن كذلك لأنها تحيل إلى درجة انغلاق أو انفتاح الفضاء
العام.
باختصار:
- لا مواطنة دون تملك
وسائل الإعلام
- لا تلفزة مواطنة دون
تكريس المواطنة على أرض الواقع (السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي)
- ولا تلفزة مواطنة دون
قيام المواطن على تقرير وتصميم المادة التلفزية أو المساهمة فيها أو مراقبتها أو
الاحتكام إلى شعوره في تحديدها.
مداخلة بندوة "الوسائط السمعية- البصرية والمواطنة"، منتدى المواطنة، الدار البيضاء، 23 مارس 2000.