تقسيم
العراق عبر "
فدرلته"
لا
يبدو لنا،
طيلة تاريخ
العراق
الحديث على
الأقل، أن
الفيدرالية
كانت يوما
مطلبا شعبيا
جامحا أو حاجة
اجتماعية
ضاغطة أو طرحا
سياسيا قائما
يعتد به... ولا
كانت بيوم من
الأيام، من قبيل
المفكر فيه (حتى)
من عموم نخبته
أو بعض من
طوائفه وعشائره
ومذاهبه أو
مدخلا من
مداخل هذه
الجهة أو تلك
للحفاظ على
السلطة أو
العمل على
تبوئ ناصيتها.
صحيح أن
تنوع ساكنة
العراق
وتباين
أعراقه وإثنياته
ومذاهبه
(ودياناته
أيضا) تغوي
بالتميز
والتمايز، لكن
البناء على
ذلك بجهة
تكريس
الفيدرالية لم
يكن ليستهو
أحدا بالعراق
لا عامته ولا
خواص مواطنيه.
وإذا
كانت الخاصية
العرقية
الصرفة قد
أججت نعرة
الأكراد
للمطالبة بنوع
من الاستقلال
الذاتي
يديرون في
إطاره قضاياهم
المعيشية
المباشرة (في
ظل رعاية
الدولة
المركزية
وإشرافها)، فإن ذلك
لم يغر نخب
كردستان
(الفكرية أوالسياسية)
في الانفصال
عن العراق أو
التنكر
لانتمائهم
إليه أو طعنه
من الخلف أو
التآمر على
وحدته وسيادته.
وعلى
الرغم من خطوط
العرض (والطول
أيضا) التي فرضتها
الولايات
المتحدة (في
أعقاب حرب
الخليج
الثانية) على
جغرافية
العراق وحظرت
على الدولة
المركزية
بموجبها
التحليق فوق
اجواء الشمال
والجنوب
وطيلة مدة
الحصار، فإن ذلك
لم يؤشر
إطلاقا على عزم
أو نية هذه
الطائفة أو
تلك الطعن في
شرعية السلطة
المركزية أو
المزايدة على
مشروعيتها حتى
وإن كان
التآمر
المبطن عليها
قائما وواردا.
قد يسلم
المرء بأن فرض
الخطوط إياها
قسرا كان النذير
الأكبر لما
ينتظر بلاد
الرافدين (حتى
وإن كان
القادم في
حينه مضبب
المعالم)، لكنه لا
يستطيع إلا أن
يسلم وبكل
الأحوال بأن
الذي جرى، منذ
بداية
تسعينات
القرن الماضي
وحتى سقوط العراق
تحت الاحتلال
الأنجلوأمريكي، إنما
يجد خيطه
الناظم في
إطار منظومة
ثوت خلف إسقاط
نظام شرعي
(ومتابعة
رئيسه ب" تهم"
مبتورة عنوة
عن السياق الذي
تمت في ظله)
وانطلقت
ب"مسلسل
سياسي" بدا
للآمريكان
وعملائهم هين
الإدراك، سهل
المنال، بمتناول
اليد، فإذا
بالمقاومة
العراقية
تفاجئهم
وتحاصرهم من
حيث لم يدرون
وتفسد عليهم
الحسابات من
حيث لم
يتنبأون أو
يتهيأون.
والواقع
أن منطلق
المنظومة
إياها لم يبدأ
مع مسلك
المحاصصة
الطائفية
الذي اعتمد في
"اختيار"
أعضاء مجلس
الحكم
الانتقالي ولا
في الصيغة
(الطائفية
أيضا) التي
سنت لتوزيع مصادر
"غنيمة
السلطة"
(المتأتية من
دولة قوضت
أركانها
ومؤسساتها تقويضا
كاملا
ومقصودا)، بل وأيضا
من الأطياف
التي تسابقت
لصياغة " مسودة
الدستور
الجديد" في
دراية مسبقة
بخطورة هذه
الوثيقة
ومخاطر ما
يترتب عنها من
آثار وتداعيات، أو عن
نية مبيتة
(بجهل في
الغالب الأعم
للصيرورة
التاريخية
التي تفرز كذا
وثائق) لتسطير
توجه كان
مضمرا غداة
الاحتلال، لكنه
أوجد من
الروافد
الداخلية ما
يضمن له
التكريس والتجذير.
لم تكن
مسودة " دستور
العراق
الجديد"
محكومة بنظرة
تتحدد بموجبها
حقوق
المواطنة
وواجباتها
ولا كانت الغاية
القمينة
خلفها تتغيأ
فصل السلط أو
تكريس دولة حق
وقانون
تتساوى
بموجبها
مصالح المواطنين
ومستوى ما
يقدمونه من
خدمات
وجبايات، بل كان
خيطها الناظم
قوة هذه
الطائفة (أو
العشيرة أو
المذهب) ومدى
قربها من
أهداف
الاحتلال
الآنية منها
كما
المستقبلية
سواء
بسواء...أو في
أحسن الأحوال
مدى ما لحقها
(الطائفة أو
العشيرة أو
المذهب أعني)
من ظلم وغبن
واستيلاب في
أزمان سابقة
وتحديدا زمن
حكم الرئيس
صدام حسين أو
هكذا تم الترويج
لذلك.
بالتالي، فليس من
المبالغة في
شيء القول بأن
المسودة إياها
والمرتكزة في
صلبها على
الفيدرالية
إنما حملت في
صياغتها
(واعتمدت
أيضا) على
أساس موازين
قوى قائمة
(سابقة على
الاحتلال في
حالة الأكراد)
ولاحقة عليه كما
هو حال
الشيعة:
+
فالأكراد
تغيأوا، عبر
المسودة، تكريس
واقع حال قائم
كان لهم في
ظله (لأكثر من عقد
ونصف من الزمن)
التميز
العرقي
والاستثناء
الجغرافي
المقبول
والمتوافق
عليه من مدة
مع السلطة المركزية
ببغداد (ايام
حكم الرئيس
صدام حسين أعني)
فكان لهم
بالمسودة ما
أرادوا وأكثر.
+ والشيعة
دفعوا بأن
تكون الوثيقة
إنصافا لهم
وإجبارا
للضرر الذي
طاولهم جراء
"إقصائهم" من
السلطة
والثروة
لعقود طويلة
مضت بحكم " طائفية
النظام
القائم
وارتكاز
بنيانه على
أبناء السنة"...
فكان لهم ما
أرادوا بحكم
استقوائهم
بإيران وتزكية
توجهاتهم من لدن
مراجعهم
الدينية
الكبرى.
+
والاحتلال
الأنجلوأمريكي
(ومن خلفه
سرطانات
إسرائيل) وجد
في الطرحين
معا تماهيا
وتقاطعا مع
أهدافه
وغاياته، فجعل من
المسودة
إياها أداته
الناعمة في
إدراك مراميه
دونما الحاجة
للجوء إلى
القوة الخشنة
(التقسيم
بالقوة) التي
قد تبدو عصية
المنال، مكمنا للممانعة
أو قابلة
للارتداد إن هي
لم تختمر
قبليا على
مستوى
الأذهان
والقلوب
لتغدو مقبولة
ومسوغة ولا
سبل للمزايدة
بشأنها
استقبالا.
وإذا
سلم المرء بأن
الوثيقة
إياها لم ولا
تلقى تساوق
"أهل السنة"
معها (والمشار
إليهم
بالأصبع في
عمليات
المقاومة
القائمة بوجه
الاحتلال)، فإن
تمركز هذه
الأخيرة بوسط
العراق (مع
الاستقرار
النسبي
بالشمال كما
بالجنوب) يوحي
بأن ليس ثمة
حقا من جامع
بين أولئك
وهؤلاء... فالأولى
أن تقوم
الفيدرالية
وتتمأسس
ولينظر كل
فيما يتراءى
له ويرتضيه
"لأبناء
طينته الجدد".
وهو أمر
يجد له البعض
مسوغات " موضوعية"، إذ ما
الجامع "حقا"
بين الأكراد
بالشمال
والشيعة
بالجنوب وسنة الوسط
مادام
الأولون
يدورون بفلك
الاحتلال (ويعتبرونه
محررهم
ومخلصهم
وحاميهم) في
حين لا ينظر
إليه الآخرون
(السنة أعني)
إلا في كونه احتلالا
أتى لتمزيق
البلاد
وتفتيت
أضلعها
وتصريف
مستقبلها على شكل
دويلات
مذهبية
وطائفية
ضعيفة يسهل
التعامل معها
ومع نخبها
المتعطشة
للسلطة.
ليس من
الصدفة
إطلاقا أن
يدفع
الاحتلال
الأمريكي (ومن
خلفه إسرائيل
وميليشيا
الطوائف) بالعنف
الطائفي
والمذهبي إلى
درجات قصوى، ليس فقط
من باب "خلط
الأوراق"
وتأجيج مبدا
الكل مع الكل
ضد الكل، بل وأيضا
لتبيان أن
الفيدرالية
هي "الحل" ما دامت
سبل الوحدة لم
تعد مكمن تراض
ولا عنصر عيش
مشترك بين من
كانوا من ذي
قبل "أبناء
الوطن
الواحد".
ليست
الفيدرالية
شرا في حد
ذاتها (ولا
خيرا في
المطلق أيضا)
إن ارتضاها
فرقاء الوطن
الواحد
واعتمدوها سبيلا
لتصريف
اختلافاتهم
الجغرافية أو
تمايزاتهم
العرقية أو
تبايناتهم اللغوية
والهوياتية
أو ما سوى ذلك.
هي هنا أداة
تدبير للاختلاف
وضمان للحد
الأدنى في
القبول
بالعيش
المشترك في ظل
دستور عادل
ودولة مركزية
تتخذ من "الأطراف
المستقة
ذاتيا" عنصرا
للتنمية
وتقوية لمقومات
الأقاليم
والجهات.
لكن
الأمر لا يبدو
لنا كذلك
احتكاما إلى
ما يحاك ضد
العراق:
+
فالأكراد
يرون في
الفيدرالية
الخطوة الأولى
لإقامة
الدولة
الكردية التي
لطالما لمحوا إليها
أو نادوا
بضرورتها أو
عمدوا إلى
استنبات الظروف
لإعلانها.
لا يكمن
المظهر الآني
والبارز في
ذلك اليوم في
رفعهم لراية
"كردستان
العراق" عوض
راية العراق
ومطالبتهم
بمدن يدعون
(عن صواب أو عن
باطل) أنها
كردية الهوية
والعمل على " تنقيتها
من العناصر
العرقية
الدخيلة"، بل
ويدفعون بجهة
تقوية
ميليشيا
البشمركة التي تتراءى
لهم النواة
الأساس للجيش
الكردي
الحامي للحظة الانفصال
ومبدأ الاستقلال...
وهم، بكل
الأحوال، باتوا
قاب قوسين أو
أدنى من
استكمال
عناصر الدولة.
+
والشيعة (على
لسان
سياسييهم
ومرجعياتهم
الكبرى) لا
يخفون
مطالبتهم
بتعميم مبدأ
الفيدرالية
ليطاول إقليم
الجنوب على
الأقل (في
اعتبارهم
تحديدا) أن
مبدأ
الفيدرالية
لا يتجزأ وأن
تعميمه على كل
القطر هو
"التوجه
الصحيح"
مادام
"الدستور" لا
يمانع في ذلك
ونتائج
اي استفتاء (يقولون)
بهذا الشأن
ستنحو نفس
المنحى
بالتأكيد.
في حالة
الأكراد، كما في
حالة الشيعة، يبدو
الأمر كما لو
أن مماهاتهم
(المعلن منها
كما المضمر)
مع مشاريع
الاحتلال هي
من باب " رد
الجميل
للمحرر والمخلص
من الطغيان".
+ والسنة
لا يمانعون في
المطلق في ذلك، لكن مع الإلحاح
في الحفاظ على مركزية
الدولة
ببغداد وبقاء
عناصر
القرارات
الاستراتيجية
الكبرى
(والسيادية أيضا)
بين يديها لا
تحويلها إلى
أقاليم قد لا تتساوق
مشاريعها
المستقبلية
مع وحدة الوطن
أوسلامة
حدوده
التاريخية.
+ أما
الاحتلال
(وإسرائيل)
فيقتصر على
الدفع
بالاحتقان
الطائفي
والمذهبي (والسياسي
أيضا) ليستعجل
عملاءه على
اعتماد الفيدرالية
(اختمارا
بالأذهان
وعلى أرض
الواقع) وليتسنى
له بالتالي
المرور إلى الخطوة
التالية من
مشروعه: خطوة
تقسيم العراق
العظيم إلى
ثلاث دويلات
قزمية يسهل
التعامل معها
وتوجيهها عن
بعد...
حينها
سيدرك
الاحتلال
وإسرائيل
عمليا أسمى
مراميهما، وحينها
أيضا سيعلم
دعاة التقسيم
"العراقيين"
حجم الخسارة
التي ستترتب
عن ذلك
وسيعلمون
الثمن الباهظ
الذي دفعه
العراق جراء
عمالتهم
للمحتل وتماهيهم
مع مشاريعه.
يحيى
اليحياوي
الرباط، 19 يونيو 2006