في الإرهاب والعولمة و" نهاية التاريخ"

يحيى اليحياوي

 

 1- لا يبدو الحديث فيما قد يكون علاقة بين الإرهاب والعولمة ونهاية التاريخ، لا يبدو لنا من قبيل إعمال الاجتهاد المجرد " لتصيد" خيط ما رابط بين ظواهر هي ظاهريا متباينة الطبيعة، مختلفة السياق، غير متناسقة العناصر والمكونات وفضلا عن ذلك غير مستقرة البنيان حتى يمكن البناء عليها والتحليل على أساسها.

 

لا يبدو لنا الأمر كذلك، إذ نجد للحديث في علاقة الإرهاب بالعولمة وبأطروحة نهاية التاريخ أكثر من مبرر ونجده مؤسسا على أكثر من مسوغ:

 

- فالظواهر الثلاث هاته، وإن لم تتزامن كليا في " توقيتها"، فهي تشتغل مجتمعة على خلفية من الفعل ورد الفعل: فالعولمة، كما أطروحة نهاية التاريخ، تحتكمان إلى نفس المنظومة الفلسفية والفكرية... في الوقت الذي يعتبر فيه الإرهاب (وإلى حد بعيد) رد فعل عن عنف ذات المنظومة وأشكال الإقصاء المتفرعة عنها.

 

- والظواهر الثلاث تلك هي إفراز طبيعي لنظام سياسي واقتصادي مأسست له أطروحة نهاية التاريخ وبنت لمرجعيته ممارسات العولمة بموازاة استنبات تدريجي من لدنهما لمختلف ضروب الترهيب والإرهاب.

 

- ثم أن الظواهر إياها التقت مجتمعة في فضاء واحد (فضاء القطب الأمريكي) انبثقت من بين ظهرانيه أطروحة "نهاية التاريخ" وتكرست بزعامته طروحات العولمة وكان " ضحية" ما ترتب عنهما جميعا أو هكذا يبدو الأمر للعديد من بيننا.

 

وعلى هذا الأساس، فاختلاف الطبيعة فيما بين الإرهاب والعولمة ونهاية التاريخ وتشابه المرجعية التي تحكم كلا منهم وتحكمهم جميعا أيضا، لا ينفي قطعا تواجد روابط فيما بينهم إن لم تكن ذات صبغة تبريرية قائمة فهي حتما ذات قوة تفسيرية من شأنها على الأقل تفكيك معطيات السياق العام.

 

2- هناك، فيما نعتقد، ثلاثة عناصر جوهرية من الوارد أنها ستحكم بقوة شكل العلاقة بين الإرهاب والعولمة وأطروحة "نهاية التاريخ" المتحدث فيها هنا:

 

+ العنصر الأول ويكمن في القول بأن ما وقع بالولايات المتحدة يوم الحادي عشر من شتنبر لا يمكن أن يستقرأ فقط في كونه استهدافا لدولة كبرى رفعت لواء العولمة الليبرالية خطابا وممارسة وشرعنت لها (بالترغيب والترهيب) لتصبح قانون الكون ونظام الدول والحكومات، ولكن أيضا في كونه رد فعل ذو دلالة كبرى على نبوءة "نهاية التاريخ" التي لا تعتبر العولمة إلا مظهرا من مظاهرها وتجل من تجلياتها.

 

ومعنى هذا أنه لو سلمنا بأن أحداث  الحادي عشر من شتنبر هي من فعل محتجين على العولمة، مناهضين لها، عاقدين العزم على تحويل اتجاهها، فإنه لن يكون من المتعذر التسليم بأن الأحداث إياها هي، في المحصلة النهائية، موجهة ضد منظومة الفكر التي رفعتها أطروحة "نهاية التاريخ" وجعلت (بمقتضاها) " شمولية الديموقراطية الليبرالية في العالم أجمع كشكل نهائي لحكم البشر" (فرانسيس فوكوياما).

 

أما إذا لم تكن الأحداث من صنع مناهضي العولمة الليبرالية، فإنها ستدخل حتما في سياق "حرب القيم" التي لا ترى أطروحة " نهاية التاريخ" من قيم أخرى سوى القيم الليبرالية الخالصة التي تدفع بسياساتها العولمة.

 

بالتالي، فإذا كان التاريخ منتهيا فيما بلغه النموذج الأمريكي في الاقتصاد والسياسة والثقافة، وإذا كان استمرار ذات النموذج هو من تعميمه ومن هيمنته على سواه من نماذج، وإذا لم يعد من قدرة على الصمود لأنظمة القيم الأخرى، فإن ما وقع يوم 11 شتنبر من "إرهاب" قد لا يمكن اعتباره إلا مقدمة للانتفاضة على النموذج إياه وعلى النظام الفلسفي الذي أقام له الصرح والبنيان.

 

+ العنصر الثاني ويتمثل في الاعتقاد (اعتقادنا الأولي على الأقل) بأن ما ترتب وما سيترتب مستقبلا عن أحداث الحادي عشر من شتنبر إنما ينبئ ببداية التكريس الحقيقي لمنظومة التصورات التي لم يفتأ منظر " نهاية التاريخ" يدفع بها لأكثر من عقد من الزمن.

 

ومعنى هذا أن "الحملة على الإرهاب" القائمة حاليا ليست هدفا في حد ذاتها القصد منها إعادة الاعتبار للنموذج الأمريكي "الجريح"، بل وسيلة لصيانة " نمط العيش الأمريكي" وجعل " قيم العولمة" أساس النظام العالمي الذي لا تتوانى الولايات المتحدة تبشر به وتعلن النية على صياغته وقيادته و"ضمان استقراره".

 

ليس غريبا من هنا إن وصفت الهجمات على نيويورك وواشنطن بأنها تستهدف الحرية والليبرالية والديموقراطية وحق الأفراد والجماعات في الفعل والتنقل.

وليس غريبا أن تعتزم الولايات المتحدة  شن حروب طويلة على خلفية "الحرية المطلقة" التي نادى بها فوكوياما بداية تسعينات القرن الماضي وجعلها فاعلو العولمة أداة لتوحيد "الفضاء الاقتصادي العالمي" يضمن لهم سبل الانتشار والهيمنة.

 

بالتالي، فلن يكون للنظام المزمع إقامته منافسا ولا " بديلا" يذكر، إذ ما سواه إنما يصنف ضمن فصيلة "الأنظمة الدوغمائية المنغلقة" والتي لن يسلم متطرفوها من شتى أصناف الترهيب والمحاصرة وغيرها.

 

+ العنصر الثالث ويتعلق بطبيعة النظرة التي تقدمها أطروحة " نهاية التاريخ" (كما ظاهرة العولمة) عن الإرهاب بمختلف أشكاله، إذ لا يعدو هذا الأخير كونه إن لم يكن ظاهرة لاعقلانية فهو على الأقل إفراز لظواهر لاعقلانية لم      " تستنبط بعد حركة العقلنة وعلمنة الأفكار، لأن الأديان والعادات التي كانت تبقي البنى مقفلة وتحترم الوتائر الطبيعية والتقويم الديني...لا تستطيع الادعاء اليوم كما يشير إلى ذلك فوكوياما...(وإن كان الأمر يتعلق بالإسلام)، بأنها تحقق أهدافها الشمولية (إذا كان لها مثل هذه الأهداف)".

 

ومعنى هذا أن ما سوى الديموقراطية الليبرالية واقتصاد السوق، هي أنظمة لاعقلانية تتساوى فيها العادات والقوانين  والسلوكات وغيرها بالدين وبالعقيدة، وتعتبر "خارجة" (في الجملة والتفصيل) عن حركة الأفكار المتسارعة.

 

قد لا تتعذر من هنا سبل استقراء ما يروج، منذ أحداث 11 شتنبر، بإزاء العرب والمسلمين بالصحافة الغربية كما على ألسنة أصحاب القرار السياسي والاقتصادي بالغرب.

وقد لا تتعذر السبل إياها لفهم ما يجري من صياغة للعالم على خلفية ما تقدمه مراكز الأبحاث الاستراتيجية بالولايات المتحدة وما يعتمل في تصور القائمين عليها.

 

3- وعلى هذا الأساس، فلن تزد حرب القوة الكبرى في العالم، على الدول والشعوب والثقافات، إلا قوة واستقواء ليس فقط في الزمن المنظور بل وأيضا على المدى الطويل:

 

°°- إذ لن تثنيها أحداث الحادي عشر من شتنبر عن عزمها توسيع فضاء العولمة بما يضمن لها السيطرة والهيمنة وصيانة النموذج الأمريكي في الإنتاج والاستهلاك والعيش.

°°- ولن تحول خصوصيات الثقافات وتباين السلوكات دون توجهها الحثيث بجهة فرض نمط تمثلها للاقتصاد والسياسة والمجتمع وغيرها.

°°- ولن تتوان في توظيف "حربها على الإرهاب" لضرب أي نموذج "لاعقلاني" قد يكون من شأنه التطلع لتهديد "القيم العقلانية" التي تمثل صلب الديموقراطية الليبرالية وأداتها الإجرائية.

 

لسائل يتساءل: أو لسنا بالإرهاب بإزاء حالة لأفراد وجماعات ومنظومات قيم وتمثلات لم يعد لها من السبل شيء يذكر تقيم به تميزها وتدفع عبرها بخصوصياتها؟

أو ليست العولمة، وأطروحة "نهاية التاريخ" من قبلها، نظم في حد ذاتها منغلقة، دوغمائية ولاعقلانية ليس فقط في استصدارها لحقوق الدول والشعوب والثقافات في التميز، بل وأيضا في فرضها، دونما مسوغات تاريخية، لتمثل واحد موحد على الأفراد والجماعات؟

 

قد تبدو العمليات الانتحارية (كالتي جرت بالولايات المتحدة في شتنبر الماضي) أمرا لاعقلانيا و " فعلا شنيعا"، لكنها مبنية على أكثر من مسوغ بالنسبة لمنفذيها على الأقل، إذ لم يعد لهم من طرق بديلة لمواجهة عنف العولمة خطابا كما في الممارسة، ولم تعد لديهم القابلية للانصياع للحرب السيميائية التي لا يفتأ الخطاب الأمريكي أساسا يشنها.

 

من هنا ف"الإرهاب" الممارس يوميا على الأفراد والجماعات (من لدن العولمة الليبرالية) كما الحرب شبه المعلنة على العديد من الدول العربية والإسلامية لا يستقرآن فقط بالقياس إلى الاستفراد المستمر للولايات المتحدة في تقرير مصير حاضر الكون ومستقبله، بل وأيضا بالاحتكام إلى تمثل للكون يجعل من القيم اليهودية/المسيحية قيما عقلانية خالصة مقابل قيم عربية/إسلامية "غير عقلانية" أو" لا تستحضر عالم الأفكار الحداثية" في السلوكات المترتبة عنها.

 

بالتالي، فلو سلمنا بهذا الاعتقاد فإن الحرب القائمة حاليا كما القادمة، لن تطال دولا محددة ولا شعوبا معينة بقدر ما ستطال " فضاء حضاريا" لم تعد المجاملات كافية لتعيينه " كفضاء إرهاب".

 

4- هل "الحملة على الإرهاب"هي إذن إيذان لا رجعة فيه بانتصار العولمة (وفي صلبها الديموقراطية الليبرالية) وإشارة مؤكدة " لنهاية التاريخ" كما بشر بذلك فوكوياما منذ ما يزيد عن عقد من الزمن؟

 

قد يهون التحاجج بهذا الحدث أو ذاك لصياغة الجواب إيجابا أو نفيا، لكنه يبقى، في كلا الحالتين، رهينا بمدى قدرة ظاهرة العولمة على تجاوز نقائصها وتناقضاتها، ومرتبطا بمدى قدرة أطروحة "نهاية التاريخ" على اختراق مختلف منظومات القيم وصهرها في نموذج الديموقراطية الليبرالية القائم.

 

لكن الثابت، بصرف النظر عن كل هذا، أن القدرة تلك لا تقاس فقط بالاحتكام إلى القوة في إشاعتها وتكريسها، ولكن أيضا بالقابلية( قابلية الآخر) على القبول بها و"انصرافه عن منظومته" لصالحها.

 

الرباط، 24 دجنبر 2001