"إفلاس
السياسة
بالمغرب"
جرت,
بالأسابيع
القليلة
الماضية
بالمغرب, انتخابات
جماعية عامة,
بغرض تجديد
مكاتب
المجالس البلدية
والقروية,
وكذا لإفراز
مجالس للمدن
الكبرى, بإطار
ما بات يطلق
عليه منذ مدة,
بنظام
العمودية
بالنسبة
للمدن الكبرى.
هي
انتخابات قرب
بامتياز,
تبارت بظلها
العشرات من
الأحزاب (ومن
المستقلين
أيضا) لكسب ود
ناخب, لم يعد
يهمه من
السياسة
الشيء الكثير,
اللهم إلا ما
يقدم حاله
مباشرة, يحل
معضلات أنية
كبرى لديه, في
الشغل
والتمدرس
والتطبيب
وبلوغ
المرافق
العمومية
الأساس, وما
سوى ذلك.
وهي
انتخابات
تحكمها الوعود
العملية
المقدمة
للناس من لدن
الهيئات
السياسية,
وتحكمها
مصداقية هذا
الحزب كما
ذاك, لكنها تحتكم
أيضا وفي جزء
كبير منها,
إلى سلطان
المال والجاه
والقرب من
السلطة, ناهيك
عن ابتزاز
الأعيان
وأصحاب
النفوذ, الذين
أدمنوا كراسي
السلطة, أو
ركبوا مطيتها
لخدمة مصالحهم
القائمة كما
القادمة.
ثم
هي, فضلا عن كل
ذلك, انتخابات
تفسح في المجال
واسعا لبلوغ
مجلس
المستشارين,
حيث سلطة التشريع,
ومنفذ
"التقرير" في
الحكومات
والسياسات
الحكومية
المعتمدة على
النطاق
الوطني, لا بل
ومفتاح
الوصول
لمؤسسة هي
بمنطوق الدستور
المغربي, إحدى
السلطات
التقريرية
الكبرى, في
حال المغرب كما
في مآله.
هي
بالتالي, ليست
موعدا عاديا
قد لا يثير
الانتباه, بل
هي محطة حمالة
لرهانات جوهرية,
إذا لم يكن
بالقراءة
السياسية
لدلالاتها, فعلى
الأقل
بالإمكانات
المادية الضخمة,
التي غالبا ما
تكون تحت تصرف
ذات المجالس, وملئ
أيديهم بكل
مناطق وجهات
البلاد. ولما
كانت كذلك,
فإنه عموما ما
تسير في ركبها
كل الأحزاب
والهيئات
السياسية و"النخب
المحلية" وما
سواها, ليس
باعتبارها
فعلا
ديموقراطيا
مسؤولا, ولكن
من باب ما
تفتحه من سبل
لبلوغ
مستويات في
السلطة إلى حد
ما متقدمة.
يضيق
المجال هنا
لتقييم حوصلة
ما أفرزته هذه
الانتخابات,
على مستوى ما
عاد لكل حزب
من مجالس
جماعية ومن
مجالس المدن
الكبرى. ويضيق
أيضا أكثر
فأكثر, إن نحن
عمدنا إلى
دراسة طبيعة
التحالفات
والغايات
القصوى منها,
ناهيك عن
الخلفيات
التي حكمت
التحالفات
إياها, في
الخفاء كما في
العلن. ومع
ذلك, فثمة على
الأقل أربع
ملاحظات كبرى,
يبدو أنه من
التجاوز حقا
عدم الانتباه
إليها
والتوقف
عندها وإن
بالاختزال
الشديد:
+
الأولى
وتتعلق بنسبة
المشاركة
التي أعلنت وزارة
الداخلية
أنها تجاوزت
الخمسين
بالمائة,
بمتوسط عام
تعدى السبعين
بالمائة ببعض
الجهات, في
حين لم يبلغ
ذات المتوسط
الثلاثين
بالمائة في
بعض المناطق,
وضمنها منطقة
الدار
البيضاء, معقل
أكبر ساكنة
حضرية, حيث لم
تصل النسبة
إياها ثلث
السكان
المسجلين, أي
ثلث الناخبين
المفترضين.
هي
نسبة معتبرة,
وإن كان لا
يعتد
بالمتوسط
كثيرا في علم
الإحصاء, بقدر
الاعتداد
بالتفاصيل
المعبرة,
لكنها لا تعبر
مع ذلك, فيما
بدا لنا طيلة
الحملة
الانتخابية
وبيوم الاقتراع
أيضا, لا تعبر
بالمرة عن
ثقافة المقاطعة
التي كرستها
الانتخابات
التشريعية للعام
2007, وبرزت لنا
ولغيرنا, جلية
واضحة
بالانتخابات
الجماعية,
للثاني عشر من
يونيو العام 2009.
إننا
لا نشك فقط في
نسبة
المشاركة
التي أعلنتها
وزارة
الداخلية,
باعتبارها
نسبة مبالغ
فيها
(اصطناعية
صرفة أقصد),
بقدر ما نؤكد
لدرجة الجزم
البديهي, بأن
شعبا يقاطع من
سنتين
فارطتين,
انتخابات
تشريعية عامة,
يغير من سلوكه
فجأة ويصبح من
المقبلين
بنهم على
صناديق
الاقتراع, في
ظل فقدانه
الثقة في الأحزاب,
وتذمره من
نخبها
والإحباط
الذي طاوله
جراء الفساد
المعمم, الذي
نخر ولا يزال
ينخر المجالس
الجماعية, القروي
منها كما
الحضري على حد
سواء.
إن
القصد هنا
إنما السؤال
الجوهري
التالي: كيف
نفسر سلوك
ناخب قاطع
بأحجام ضخمة,
وباعتراف الداخلية,
انتخابات
العام 2007, يقبل
بحرارة على انتخابات
العام 2009, لم ير
من تجاربها
السابقة إلا
الحسرة
والمرارة,
والنهب
الممنهج
للمال العام؟
+
أما الملاحظة
الثانية, فتكمن
في "الانتصار
الواسع" الذي
حققه حزب "الأصالة
والمعاصرة",
والنسبة
المرتفعة
التي تحصل
عليها
بالمجموع
العام كما
بالمدن الكبرى,
حيث نجاحه في
قلب "نظام
حكم" أكثر من
مجلس بلدي
قروي وحضري,
ناهيك عن
إزاحته لأكثر
من عمدة
بالمدن
الرئيسية
الكبرى.
إن
اكتساح هذا الحزب,
ولم يتجاوز
عمره
البيولوجي
بضعة أشهر, إن
اكتساحه
لمعظم
المقاعد
والمجالس, لا
يعبر فقط عن
ترهل الأحزاب
التقليدية,
ذات الشمال
وذات اليمين
معا, وتقوض
مصداقيتها,
بقدر ما يعبر عن
سعة نفوذ حزب,
ركب ناصية
قربه من القصر
ولربما اندغامه
من بين أضلعه,
ل"يلهف" معظم
الأصوات,
وينصب على رأس
"المنتصرين",
الذي لا
مستقبل يذكر
لمن تمنع في
الاقتراب منه,
أو التنسيق
معه, للحصول
على بعض من
فتات قد لا
يغني وقد لا
يسمن.
هي
بالقطع مذبحة
للأحزاب,
واستهانة
بالكتلة الناخبة
ون شك, وإلا
فكيف لحزب
وليد أن يدرك
المرتبة
الأولى, ولم
يتسن لهياكله
المؤسساتية
أن تقوم أو
تستقيم, فما بالك
لبرنامجه
السياسي أن
يروج ويفهم؟
+
الملاحظة
الثالثة
وتتمثل في
الانتشار
الواسع للمال
السياسي
الحرام,
الموظف لشراء
ذمم المواطنين
كما
المنتخبين
سواء بسواء,
والذي لم
تواجهه
الداخلية إلا بحياد
سلبي, لم يوسع فقط من
مجاله, بل جعل
الكل من بين
ظهرانيه مع
الكل ضد الكل.
لم
تكتف وزارة
الداخلية,
بهذه الجزئية,
بضبط المجال
عبر تقطيع
انتخابي على
المقاس, وإعداد
لقوائم
الناخبين
متحكم فيه,
ونظام في اللائحة
غير منصف
دائما, بل
عمدت, وقد
وضعت الانتخابات
أوزارها, عمدت
إلى الدفع بتحالفات
شاذة في تكوين
المجالس, لتجعل
المشهد العام,
عبارة عن
فسيفساء
قابلة للتحكم,
منصاعة, خاضعة
للتوجيهات من
بعد.
إن
التلميح هنا
لا يطاول فقط
الإفساد
المادي الذي
كان الناخبون
مادته ومكمنه,
بل ويطاول
أيضا وبالقدر
نفسه,
المنتخبين
الذين باعوا
ذممهم جهارا
نهارا للذي
يدفع أكثر,
ولكأن المجال
السياسي المحلي
بات سوقا
للسمسرة
الانتخابية,
أعني مزادا
علنيا, لا
ترسو محصلته
إلا على من
ملك الجاه أو
النفوذ أو
المال, أو
جمعهم جميعا,
ووظفهم لبلوغ
مآربه.
ليس
ثمة من أثر
للأخلاق يذكر
هنا, وليس ثمة
من ذكر لمبدأ
الالتزام
الحزبي, أو
الانضباط
لفلسفة الحزب
أو توجهاته.
الكل بات
واضعا نصب
عينيه, بلوغ
أقصى ما يمكن
من مجالس, حتى
وإن استدعى
الأمر التنسيق
والتحالف مع
النقيض الصرف,
أعني مع
الغريم
السياسي
الخالص.
+
أما الملاحظة
الرابعة
فمفادها
تكرار القول,
بأن ما أقدم
عليه حزب علي
الهمة, وما هو
عازم القيام
به بأفق
انتخابات
العام 2012, لا
يؤشر فقط عن
عودة الأحزاب
الإدارية
التي خلنا
تجربتها
انقضت
وتراجعت, بل
ويؤشر أيضا
على أن زمن
الإفساد
السياسي بات
الخيط الناظم
لكل العملية,
في جوهرها كما
في شكلها, كما
في الآليات
المتبعة
لإدراكها,
المحيلة عليها
في القلب
والقالب.
إن
من يدعي أن
التاريخ لا
يعيد نفسه
واهم حتى النخاع,
لا بل ومنافق
كذاب. إن
التاريخ
بمغرب القرن
الحادي
والعشرين,
سينسج وإلى حد
بعيد, على
طينة وبمنوال
ما نسج بالعهود
السابقة,
حينما كانت
الإرادات
تزور, والذمم
تشترى, والنخب
تستقطب
وترتهن, والكل
دائر في فلك
منظومة فاشلة
وفاسدة,
وشرايينها
متصلبة, عصية
على التغيير.
خيبة
الله على
الفعل
والفاعل, إلى
يوم الدين.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
22 يونيو 2009