فتنة مفتعلة
بفلسطين
لم
يتملكنا
الاستغراب
كثيرا, عندما
قرأنا وسمعنا
وشاهدنا
بالمباشر
الحي, اقتتال
فصيلين
فلسطينيين
أساسيين,
استبيحت
بموجبه البيوت
والحرمات,
وتصيد الأخ
أخاه
بالأحياء
والأزقة
والشوارع,
ونصبت الكمائن,
وأضرمت
النيران في
المرافق
العمومية ومؤسسات
الأمن, ونفذت
أحكام
الإعدام دون
موجب شرع, واصطبغت
الأسطح
برايات فصيل
واحد تباهى
قادته, والدماء
لم تجف بعد,
بأن ما جرى
كان "حرب
تحرير" ثانية
للقطاع, قطاع
غزة المتناهي
الضيق,
بمساحته كما بساكنته.
ولم
تتملكنا
الدهشة قيد
أنملة, عندما
انفرط العقد
بين الفصيلين الأساس,
بعدما لم تنجح
دورات الحوار
الداخلية, ولا
الوساطات الخارجية
في رأب الصدع
بين من يدعي
شرعية
تاريخية
ثابتة,
ومن يدعي بأن
مقاومته
المسلحة ودم
شهدائه
وقادته, ناهيك
عن التفويض
الجماهيري
الواسع, يعطيه
شرعية مادية
ورمزية وشعبية,
لا تقل عن
الأولى تجدرا
ورسوخا.
والواقع
أن الذي جرى
ويجري بغزة من
أيام قلائل
مضت, إنما هو
نتاج طبيعي
لصيرورة
تاريخية,
اندغمت
بصلبها
معطيات
المحلي بحسابات
الإقليمي
والدولي, فتداعت
لها, بحكم
الأمر الواقع,
ترسبات نفسية
دفينة, لم تكن
الأحداث الأخيرة
إلا مظهرها
الخارجي
البائن:
+
فحركة فتح لم
تستسغ بالمرة
انتكاستها
بالانتخابات
التشريعية
أمام حركة
حماس, وتلكأت
تحت مسوغ دور
المعارضة
المفروض
عليها
ديموقراطيا,
في تكوين
حكومة وحدة
وطنية, بعدما
بلغ التضييق
والحصار على
حماس (وعلى
الشعب
الفلسطيني)
مستويات متقدمة,
شارفت على
الخنق من لدن
الغرب, كما من
لدن العرب,
كما من لدن
بلدان الجوار
المباشر.
لم
يكن مصدر
التنغيص على
فتح متأت من
إسقاط الشعب
الفلسطيني
لمشروعها, هي
التي لم تتصور
أنه سيأتي يوم
تقصى به من
القيادة, بل
وتأتى أيضا من
عزم حماس على
مراجعة
"محصلات"
أوسلو التي
ثوت خلفها
فتح, وبنت
عليها جزءا
كبيرا من
مسارها, ولا
تزال تراهن
عليها لبناء
دولة مستقلة,
لم نر منها
لحد الساعة لا
ملكا ولا
صولجانا.
+
وحركة فتح,
حتى بتسليمها
المبدئي
بهزيمتها
بالانتخابات,
لم تنصع
لسياسة الحكومة
المنتخبة, ولا
قبلت بالخضوع
لتوجيهاتها,
بل ناصبتها
العداء منذ
اليوم الأول,
وزايدت عليها,
وناهضت
قراراتها
(سيما بأعقاب
خلق حماس
لجهاز أمن جديد
بالداخلية), فأبقت
على الأجهزة
الأمنية
التابعة لها
خارج نطاق
الجهاز
التنفيذي,
لدرجة أضحى
معها محمد
دحلان ورشيد
أبو شباك وسمير
مشهراوي,
يحرضون على
الحكومة
جهارة,
ويشتموا
أعضاءها
لدرجة
الإهانة في
العديد من
الحالات, كما
حدث بحالة منع
موكب رئيس
الوزراء من
المرور من
أمام مقر
الأمن
الوقائي,
فاستعاض عن
ذلك بالعودة
من حيث كان آت.
لم
ينحصر الأمر
عند مناهضة
الحكومة
الجديدة
خطابا وسلوكا
يوميا من لدن
أعضاء من حركة
فتح, بل تعداه
لمستوى
استجلاب هذه
الأخيرة للسلاح
عبر المعابر,
وتكديسه
بمخازن لها
دونما "ترخيص"
من الحكومة,
أو قدرة من
لدنها على الاستفسار
عن الغاية من
ذلك...ولكأننا
حقا بإزاء
سباق محموم في
التسلح, دونما
تحديد للرهان
من وراء
السباق إياه.
+
وحركة فتح
راوغت بأقصى
ما أوتيت من
قوة ودهاء,
للحؤول دون إعادة
بناء منظمة
التحرير, ليس
فقط للإبقاء
على منطق الابتزاز
بعناصر قضت أو
شاخت, أو
أعياها المرض,
أو طاولت
أداءها تعرية
الزمن, بل
وأيضا
للحيلولة دون ضمان
تمثيلية
واسعة لكل
عناصر المشهد
السياسي, سيما
وأن المنظمة
إياها لا تزال
ترفع شعار "الممثل
الشرعي
والوحيد للشعب
الفلسطيني".
لا
تأتي
المراوغة هنا
(والتلكأ
الصارخ أيضا)
لذاتها, بقدر
ما تأتي من
تخوف فتح من
احتمال
اجتياح حماس
لمؤسسات
المنظمة إياها,
وتوجيه
بوصلتها
بالتالي بحكم
الأمر الواقع,
وحرمان قادة
فتح وبمقدمتهم
محمود عباس,
من متكأ شكلي
يسوغ عبره ومن
خلاله, قراراته,
كما كان الشأن
بحالة إقالة
حكومة إسماعيل
هنية, وتشكيل
حكومة طوارئ
من أناس لا
انتماء سياسيا
لهم, لكنهم
بفلك منظومة فتح
يدورون.
لو
سلم المرء بكل
ما ورد من
وقائع, فسيسلم
حتما بأن فتح
إنما كانت
(ولا تزال)
تدفع
بالاحتقان
إلى مداه
الأقصى,
سبيلها
الأنجع في ذلك
التحامل على
حكومة ضيقت
بسلوكها
الخناق على
الشعب
الفلسطيني,
وبقيت (أو
هكذا يقال) متشبتة
بخطها في
المقاومة
المسلحة, حتى
وقد باتت
بموقع يفترض
التعامل
ببراغماتية
ومرونة
سياسية,
تستوجبهما
ظروف
الاحتلال,
ومقاطعة
المحيط
الخارجي.
لم
تكن حكومة
إسماعيل هنية
بغافلة عن كل
ذلك, ولا عما
يجري من
حولها, وإلا
لما كان لها
أن تقبل
بتقاسم
الوزارات مع
فتح في أعقاب
اتفاق مكة.
ولم تكن عديمة
الإدراك لما
يحاك لها
داخليا, أو
بالتنسيق
المباشر مع
إسرائيل
والأمريكان
ومصر والأردن
وما سواهم,
وإلا لما صبرت
على استفزاز
قوات فتح
وعناصر
الأجهزة
الأمنية,
وذهابهم في
العديد من الأحايين
لدرجة اغتيال
قادة سياسيين
بارزين من
حماس, أو
مقاومين من
كتائب الشهيد
عز الدين
القسام.
كانت
الحكومة,
وحركة حماس من
خلفها, تدرك
أيما يكن
الإدراك بأن
الذي يرتب لها
هو بالتأكيد من
صنيع الأغراب,
بتنسيق
استراتيجي
كامل مع ذوي القربى,
سيما قادة
الصف الأول لفتح,
أدانتهم
اعترافات
مخبرين من
إسرائيل,
ووسطاء من
أمريكا,
و"تسريبات"
من مداولات مع
أطراف عربية,
أبانت بالجلي
الواضح
التوجه
الأكيد بجهة
إزاحة حكومة
هنية, "للخلاص
من وجع رأس"
طال أمده,
دونما بروز
نقطة أمل
بنهاية النفق,
من منطلق رفع
الحصار المشدد,
أو من باب
"تحريك"
مسلسل سلام
بين السلطة
وإسرائيل, لم
يبق منه إلا
لقاءات
المجاملة
والعلاقات
العامة.
وعلى
هذا الأساس,
فأنا مستعد
للقول بأن ما
سمي ب
"انقلاب"
حماس على
"المؤسسات
الشرعية",
إنما كان من
باب الضربة
الاستباقية
من لدنها,
بعدما تأكد
لها بالملموس
القاطع أنها
باتت قاب
قوسين أو أدنى
من الاستهداف,
وحكومتها
آيلة للعزل لا
محالة. ومستعد
للقول أيضا
بأن حركة
حماس, عبر
جناحها
العسكري, لم
تستهدف
الحركة, حركة
فتح (أو هكذا
زعم بعض
قادتها), بقدر
استهدافها "لعناصرها
الانقلابية
الفاسدة",
التي تآمرت
على الحكومة,
ونسقت جهارة
مع المحتل,
كما مع
الأمريكان
سواء بسواء.
ومستعد
للقول, فضلا
عن كل هذا
وذاك, إن قرار
تعيين حكومة
طوارئ هو قرار
سابق على
"سقوط غزة" وليس
لاحقا عليه,
إذ كل
المؤشرات
(سيما الاقتتال
السابق على
السقوط إياه)
كانت تشي بأن
حكومة طوارئ
بالضفة الغربية,
باتت "أمرا
ملحا" لرفع
الحصار
و"تطبيع العلاقات
مع المنتظم
الدولي", سيما
أمريكا
وإسرائيل... بل
قل باتت أمرا
مطلوبا من لدن
أكثر من جهة, ومصمم
على الدفع به
من لدن أكثر
من دولة.
والدليل
على ذلك, أنه
بمجرد إعلان
الحكومة
إياها بالضفة
الغربية, رفع
الحصار
القائم, وبدأ
الترتيب
لاستلام ما
صادرته
إسرائيل من
ضرائب,
وتكاثرت
العطايا
والهدايا,
وانتقلت إلى
رام الله
سفارات
وتمثيليات
دبلوماسية,
وتسابق
العالم, كل
العالم, إلى
التنديد
ب"انقلاب
حماس على
الشرعية",
و"خروج
حكومتها عن
القانون",
ولكأنها خرجت
حقا عن
"الشرعية
الشعبية"
التي منحها
إياها الشعب الفلسطيني,
دون تزوير أو
تحريف
للإرادة.
والدليل
الإضافي على
ذلك, إعلان
أكثر من عنصر
من فتح كما من السلطة
(وتحديدا من
لدن محمود
عباس) ومن
اليوم الأول,
بأن "لا حوار
مع القتلة
والإرهابيين",
ولا لجنة
تحقيق في الذي
جرى, ولكأني
به يحرض
إسرائيل على استباحة
أعضاء وقادة
حماس, حتى وإن
تطلب ذلك دك
غزة, وإفناءها
عن آخرها
مقابل ذلك (أو
مقابل رد
الجميل
للحماة, أصحاب
الفضل), أو
بأخف
السيناريوهات
التحريض على محاصرتها
(وهي المحاصرة
أصلا) حتى
يختنق البشر
والشجر,
ويعودوا لبيت
الطاعة
منتكسين,
مستسلمين,
راكعين.
قد
لا يستوجب ذلك
من فتح, كما من
السلطة, كما
من حماتها
الأغراب, غزو
غزة بالقوة
الخشنة, لاسترجاع
مقرات "دولة"
أهينت
"شرعيتها"
ومرغت
رمزيتها بالتراب,
بقدر ما سيتم
الاعتماد في
ذلك, سيما من
لدن من أفسدت
عليهم حماس
حساباتهم, على
القوة
الناعمة, لتبيان
مدى المصلحة
العملية في
الالتحاق
بمشروع فتح
والسلطة (أي
الهروب من غزة
بناحية الضفة
الغربية), عوض التشبث
بحركة لم تجلب
لمحكوميها
إلا التفقير
والبطالة
والفاقة
وانسداد
الآفاق.
وعلى
هذا الأساس,
فلو كان ثمة
من أثر
لمؤامرة ما
على
الفلسطينيين,
فحركة فتح والسلطة
جزء لا يتجزأ
منها, بل
ولربما تمت
بتواطؤ كبير
من لدنهما,
وبتنسيق كامل
مع أطرافهما
بالداخل كما
بالخارج: هو
فخ مؤامرة خارجي
التصور, عمد
إلى تنفيذه
بأدوات محلية.
بالتالي,
فإن ما أقدمت
عليه حماس
وجناحها العسكري,
إنما كان
الغرض منه رد
المؤامرة وقد
بلغت أعلى
مراتبها, وإلا
فلو كانت تريد
السيطرة على
القطاع, لكانت
قد أقدمت على
ذلك من مدة,
وهي التي تملك
لبلوغ ذلك
العدة
والعتاد
والرجال أيضا.
هي
لم تلجأ لذات
السلوك, ليس
فقط لأنها
صاحبة تفويض
شعبي يمنحها
الركيزة
المادية والأخلاقية
لتنفيذ
برنامجها,
ويعطي
لغرمائها
الحق في
المعارضة أو
الارتكان
للصمت, بل وأيضا
لأنها كانت
تعتقد أنه لن
يكون
بالإمكان المزايدة
أو التآمر على
الديموقراطية
من لدن أبناء
الطينة, فما
بالك من لدن
غرب بارك
الانتخابات,
ونوه بسلامة
أطوارها
ونتائجها.
ولما
كانت الوقائع
بالأرض قد
أثبتت عكس ذلك
شكلا
وبالمضمون,
فإنه لم يبق لحركة
حماس, وقد بات
القطاع تحت
سلطتها, إلا
أحد من أمرين:
°°-
إما المناورة
لتجاوز وضعية
حصار, قائمة
من لدن
إسرائيل, كما
من لدن
الولايات
المتحدة, كما
من لدن السلطة
بالضفة
الغربية. وهو
ما يبدو لنا
متعذرا لدرجة
الاستحالة
بالحال, كما
بالزمن
المنظور.
°°-
وإما مصارحة
الشعب
الفلسطيني بحالة
الإفلاس بحكم انسداد
الأفق,
والعودة إلى
صفوف
الجماهير للمقاومة.
وهو ما يبدو
لنا أصوبا,
طالما لا يزال
الاحتلال
كابسا على
الأنفاس.
بمعنى
أنه طالما لم
تقوى حماس على
الالتفاف على
الحصار بهذا
الشكل أو ذاك,
فالأفضل لها
أن تنأى
بنفسها عن
السياسة,
وتلتزم خط
المقاومة حتى
يحكم الله في
أمر كان
معلوما.
أما
القول بضرورة معاودة
استشارة
الشعب
الفلسطيني,
فهو قول
متجاوز. إذ ما
الفائدة في
ذلك إذا لم
يقبل بنتائج
الديموقراطية,
ويسلم بها,
وينصاع
لقرارات
الفائزين
بثقة الشعب من
بين
ظهرانيها؟
يحيى
اليحياوي
الرباط,
25 يونيو 2007