العولمة و "الهوة الرقمية" بين الشمال والجنوب

 

يحيى اليحياوي

 

 

1- بقدر ما لا يمكن المجازفة بالقول بأن العولمة عامل تخلف أو مسبب تأخر، فإنه وبالقدر نفسه لا يمكن المجازفة في اعتبارها خلف الهوة الرقمية التي طالت العلاقات بين الشمال والجنوب لعقدين من الزمن أو أكثر.

فهما سابقين للظاهرة أثرا وتاريخا حتى وإن كانت وإلى حد بعيد، عامل تسريع لوتيرتهما وسببا من أسباب تجدرهما.

 

والواقع أنه لو كان لنا أن نسلم جدلا ب" فرص التنمية" التي من شأن العولمة أن تحملها وتشيعها، فإنه سيكون من المتعذر التسليم بكونها براء من الهوة الرقمية التي لم تزدد، في ظلها، إلا تعمقا واتساعا.

فهي (أي العولمة) جعلت منها (أي من الهوة الرقمية) سمة من سمات العلاقات لا بين الدول المتقدمة ودول العالم الثالث فحسب، بل وكذلك فيما بين الدول المتقدمة نفسها.

 

لم يكن للهوة الرقمية هاته أن تتسع وتتعمق لولا الطفرة التكنولوجية التي واكبت ظاهرة العولمة وفسحت في المجال لمستجدات تكنولوجية (عتادا وبرامجا ومحتويات) أصبحت إحدى مرتكزات "الاقتصاد الجديد" المتشكل ومقوما جوهريا من مقوماته.

 

لا تتمثل الهوة الرقمية، التي نتحدث فيها هنا، بين دول لها من الإمكانات والموارد والمستجدات ما يمكنها من ولوج الاقتصاد الجديد بتنافسية عالية، وبين دول لا تحتكم على هذه الإمكانات أو الموارد أو المستجدات أو تحتكم على القليل منها، بل وأيضا بين دول ومجموعات أصبحت المعلومات والإعلام والاتصالات (وغيرها) بداخلها المحرك المركزي للتنمية والتطور، وبين دول وقارات لا قيمة لهذه "الموارد الجديدة" من بين ظهرانيها أو لا تتوفر على القدرة الكافية لتوطينها وتوظيفها.

 

لهذا السبب (وربما لغيره) لم يعد الحديث، بخصوص هذه "الظاهرة الجديدة"، مقتصرا فقط على ثنائية الذين " يملكون" هذه الموارد والقدرات وبين من لا " يملكها"، بل وأيضا على ثنائية "العارفين" (و"غير العارفين") بخباياها وبسبل التجديد التي تمكنها في تشكيل "مجتمع المعرفة" الناشئ.

 

2- لو كان لنا أن نستقرأ أوجه العلاقة القائمة بين العولمة والهوة الرقمية، التي تكرست في ظلها، لوقفنا إجمالا عند ثلاث نقط مركزية هي إلى التفاعل بين الظاهرتين أقرب منها إلى التضاد:

 

- النقطة الأولى وتتمثل في طبيعة الصراع الثاوية وراء العولمة كظاهرة اقتصادية في محدداتها ومرجعياتها وتبعاتها المباشرة، وفي طبيعة الحرب الاقتصادية التي تنهجها الدول وشركاتها الكبرى والمنظمات الدولية الدائرة في فلكها.

 

لم ينحصر دور العولمة في الحرب تلك أو الصراع ذاك على تكريس مركزية الدول المتقدمة حول نفسها (في إطار تكتلاتها الجهوية واقتصار تنقل عناصر الإنتاج بداخلها عل بعضها البعض) بل ساهم وإلى حد كبير في تهميش دول العالم الثالث (لحد الإقصاء) من عمليات الاستثمار والتبادل التجاري وغيرها، مكرسا بذلك ما يمكن تسميته ب "الهوة الاقتصادية" بين الشمال والجنوب.

 

وبقدر ما أصبحت ظاهرة العولمة منحصرة، استثمارا وإنتاجا ومتاجرة، بين الدول الكبرى وشركاتها، فإنها ما فتئت تدفع بالهوة إياها إلى أقصى الحدود من خلال سياساتها في التحرير واللاتقنين والخوصصة التي طالت جل القطاعات الأساسية بالعديد من دول العالم الثالث.

 

ليست السياسات هاته هدفا في حد ذاتها (في تصور فاعلي العولمة على الأقل) يمكن التطلع من خلالها إلى الزيادة في الإنتاج والتأقلم ومعطيات العولمة الجديدة، بقدر ما تستهدف تأمين واجبات الدين المستحقة على الدول وسيطرة الدول الكبرى على مل تبقى من " رموز للسيادة" بدول العالم الثالث، سيان عندها إن ارتهنت هذه الدول أو لحقها الإفلاس جراء ذلك.

بالتالي، فمن شبه المؤكد أن يزداد اتساع "الهوة الاقتصادية" بين دول العالم المتقدم والمتخلف وتتقوى سبل الممانعة بينها.

 

- النقطة الثانية وتكمن في تسارع وتيرة "الهوة التكنولوجية" بين دول الشمال ودول الجنوب والتي لم تزدها ظاهرة العولمة إلا رسوخا وتكرسا.

لا يتعلق الأمر هنا بمختلف أشكال التكنولوجيا التقليدية (الصناعية منها كما الخدماتية) التي تزامنت ومرحلتي التدويل وتعدد الجنسية (ولا تزال أيضا في ظل العولمة)، بل وتتعداها إلى التكنولوجيا الحديثة التي أصبح في ظلها للاتصالات والمعلوميات والإلكترونيات الدقيقة وغيرها المركز الأقوى والوظيفة المتميزة.

 

هي إذن الهوة التي أصبحت، بداية هذا القرن، مكمن الخطر داخل الدول وفيما بينها سواء بسواء.  وهي التي من شأنها أن تحدد درجة تنافسية الشركات وقدرة الاقتصاد على خلق مختلف أصناف الثروة وسبل الشغل.

وهي التي (أعني الهوة التكنولوجية) تتربع في صلبها الهوة الرقمية والتي أصبحت تحدد مراكز الدول ومراتب الشركات وفقها.

 

لم يعد الإشكال، لمعرفة ذلك، قائما فقط بالقياس إلى ما يخصص من إمكانات للبحث العلمي (المتمحور حول الشبكات والبرامج والتطبيقات وغيرها) ولا على التسهيلات التي تمنحها السياسات العمومية لإنجاح مشاريع الشراكات القائمة، بل وأيضا بالاحتكام إلى القابلية في استقطاب الاستثمارات الخارجية والقدرة على خلق مناخ الإبداع والتجديد لديها.

 

بالتالي، فللدول المتقدمة في ذلك (عكس دول العالم الثالث) امتياز السبق: فهي لا تعتبر "الاستثمار اللامادي" كلفة إنتاج،  ولا تنظر إلى منح البحث والتطوير التي تقدمها لشركاتها مساعدات، و لا تعتبر ما تقدمه للمستثمر الأجنبي من تسهيلات تقليصا من مواردها الجبائية وهكذا.

ثم هي (عكس دول العالم الثالث) لا تحاصر النجاح أو تضيق على الناجحين، بقدر ما تشجع على اندماجهم وخلق التكامل من بين ظهرانيهم وفتح الأسواق الخارجية لهم.

 

ليس غريبا، على هذا الأساس، أن تتركز النجاحات بهذه الدول وتنتقل الرساميل (من العديد من دول العالم الثالث) بجهة هذه الدول استثمارا وإنتاجا وترويجا.

 

لن تتقلص الهوة الرقمية، جراء كل ذلك، مستقبلا (أو في ظل العولمة) بقدر ما ستزداد وتتسع، لا فقط نتيجة التباين الصارخ في البنى التحتية والمحفزات الأساسية وشساعة الأسواق، بل وكذلك نتيجة التباين الذهني الكبير الذي يعتبر بموجبه التخلف (بدول العالم الثالث) أمرا بديهيا.

 

- النقطة الثالثة، في " تفاعلية" العلاقة بين العولمة والهوة الرقمية، وتتعلق أساسا بما يسمى منذ مدة بظاهرة "هجرة الأدمغة".

ليست الهجرة إياها نتاجا خالصا لصيرورة العولمة و لا كانت رافدا مركزيا من روافدها، بل هي تجلي من تجلياتها وإفراز طبيعي لحركيتها.

 

فالعولمة انفتاح للأسواق (أو هكذا يقال) وحرية (أو هكذا يزعم) لتنقل السلع والخدمات والرساميل وباقي عناصر الإنتاج  داخل الدولة الواحدة وفيما بين الدول.

بالتالي فالتضييق الذي يطال، في ظلها، حركية العمل وتنقل اليد العاملة بحرية لا يستهدف الكفاءات والخبرات بقدر ما يقتصر على محاصرة القوى العاملة التي لم يعد لها من دور يذكر في ظل الاقتصاد الجديد المرتكز على التجديد والإبداع والعمل الشبكي.

 

لهذا السبب (ولغيره) فهجرة الأدمغة (التي تتنافس الدول الكبرى لاستقطابها أو للحيلولة دون مغادرتها لها) ليست مطلوبة في حد ذاتها، بل مرغوب فيها كأفكار وكرساميل وكمشاريع استثمارية بأمريكا كما بكندا كما بألمانيا كما بالعديد من الدول المتقدمة سواها.

 

لا ينحصر أمر الهجرة هذا (بالنسبة لدول العالم الثالث) فقط في التضييع الواضح لأفراد ومجموعات صرفت لسنين طويلة على تكوينها، بل وأيضا في الاستنزاف المستمر لقدرات إبداعية وتجديدية لم توفر لها لا بنى الاشتغال ولا سبل الابتكار ولا أوجدت لها بلدانها المناخ المناسب.

 

إذا كان صحيحا أن العديد من دول العالم الثالث (كالهند مثلا أو باكستان أو مصر أو غيرها) قد أصبحت لها بالعديد من الدول المتقدمة "لوبيات تكنولوجية" تستطيع (أقصد هذه الدول) بموجبها استجلاب الخبرات واستقطاب الاستثمارات، فإنه ليس من الصحة في شيء الادعاء بكونها (أي اللوبيات) قد نجحت في تقليص الهوة الرقمية أو التكنولوجية بينها وبين البلدان التي تشتغل فيها.

أو لم تفشل فرنسا ذاتها (وهي ذات بنى تكنولوجية وللبحث العلمي متطورة) في ثني كفاءاتها ومقاولاتها ورساميلها للانتقال إلى الولايات المتحدة حيث المحفزات أكثر وفرص الاشتغال أوفر وإمكانات النجاح أضمن؟

 

في المقابل، لو سلمنا بأن مناخ الحرية بالعالم الثالث هو من الضيق ما يجعل العديد من الكفاءات تهاجر بحثا عن فضاءات أكثر حرية، فما القول في فرنسا وهي " بلد الحريات" بامتياز؟

أو ليس المقياس إياه (مقياس الحرية) ضروريا وإن كان غير كاف، ضرورة وكفاية البنى المؤسساتية المنفتحة (من تربية وتعليم وتكوين وغيرها) و ضيق مسالك التعثر ؟

 

هو، حقيقة الأمر، كل هذه العناصر مجتمعة ...منصهرة في منظومة سياسات تتغيأ التفاعل مع العولمة والفعل فيها على أكثر من واجهة.

 

3- نحن إذن، بالمحصلة النهائية، بإزاء هوة من ثلاثة روافد مركزية تصب مجتمعة في "هوة التنمية" القائمة لزمن طويل بين دول الشمال ودول الجنوب، والتي لا تتعدى بداخلها "الدول الحديثة التصنيع" كونها إفرازا عرضيا لحركية المال ودورة رأس المال (حتى في استثناء دول جد متطورة كسنغفورة  وهونغ كونغ وغيرها).

 

ما السبيل إذن للتقليص من شساعة الهوة الرقمية التي لن تزداد مع مرور الوقت إلا اتساعا؟ هل من سبيل لردمها أو على الأقل لتخفيض وتيرة سرعتها؟

 

ليس الأمر في حكم الوارد على المنظورين القريب والمتوسط:

 

+ ف "السياسات التكنولوجية"، بمختلف دول العالم الثالث، استسهلت "النقل التكنولوجي" أيما استسهال.  فلم تعد، بالتالي، تقتصر على استيراد الأعتدة والتجهيزات بل تعدتها إلى اقتناء البرامج والتطبيقات ونظم الشبكات وغيرها (والتي كان من المفروض أن تتكفل بتصميمها وتطويرها الكفاءات المهاجرة).

 

لا يدخل في نطاق "السياسات" هاته انتقال فروع بعض الشركات الكبرى (العاملة في الاتصالات أو في المعلوميات أو في البرامج والتطبيقات) إلى دول العالم الثالث، بقدر ما يدخل في إطار إعادة تموقع هذه الشركات (المتعددة الجنسيات) لمواجهة بعضها البعض من خلال عملها على التقليص من التكاليف والاقتراب مما تراه أسواقا مستقبلية صاعدة.

 

+ ودول العالم الثالث لا تعمل بجهة توطين هذه التكنولوجيا في النسيج الاقتصادي والصناعي أو توظيفها لإعادة هيكلة بناها المؤسساتية والإدارية، بقدر ما ترى فيها تقنيات مصاحبة ستكون عامل زعزعة للاستقرار إذا تعمم استخدامها.

إذا لم يكن الأمر كذلك، فما السبيل للحيلولة دون احتكار الدولة للمعلومات حتى بتوفر البنى التحتية التي من شأنها المساعدة على ذلك كالقنوات التلفزية أو الشبكات الإلكترونية (شبكة الإنترنيت مثلا) أو غيرها.

والسب في ذلك لا يكمن في غياب المعلومات الكافية بالعديد من مواقع الحكومات (باللأنترنيت) أو الإدارات أو الجامعات أو غيرها بل وفي عدم توظيفها للشبكات كوسيلة لتنقل المعلومات والمعارف.

 

+ ودول العالم الثالث لا تعير كبير اعتبار للبحث العلمي و لا للبنى المؤسساتية التي من شأنها إن لم نقل التقليص من الهوة الرقمية فعلى الأقل التخفيف من حدة هجرة الكفاءات المتزايدة.

فالجامعات و"مراكز البحوث" مثلا لا تتوفر على البنى المعلوماتية والاتصالاتية التي قد تساعد على "العمل الشبكي" بين الخبراء، ولا تضم مختبرات للبحث العلمي من شأنها استقطاب الكفاءات أو الحيلولة دون هجرتها، ولا تقدم المحفزات الضرورية التي قد تساعد على ضمان الحد الأدنى للباحث والخبير.

 

4- بالمقابل، فالدول المتقدمة لا تتوانى في التمركز حول ذاتها بحثا وتطويرا وتصميما وتصنيعا ومتاجرة، و لا تتوانى في تقديم المنح والتسهيلات في استقطاب الكفاءات والخبرات من دول الجنوب دونما "اعتبارات أخلاقية" تذكر، ولا تتوانى فضلا عن ذلك، في توظيف عناصر التبادل التكنولوجي لفائدتها ولفائدة شركاتها الكبرى والمتوسطة.

 

لن تتقلص إذن وتيرة اتساع "الهوة الرقمية" بين الشمال والجنوب في ظل مسلسل العولمة، فهو (أي المسلسل) وإن كان في نزوعه يدفع بجهة انفتاح الاقتصادات وتحرير سبل تنقل السلع والخدمات والرساميل والخبرات، فإنه لا يكترث بما ينجم عن ذلك في الممارسة بالنسبة للعديد من دول العالم وفي مقدمتها دول العالم الثالث.

 

جريدة العلم، 14 يوليوز 2002