في العدوان على العراق كفرجة تلفزيونية

 

يحيى اليحياوي

 

 

1- رفعت شبكة "فوكس نيوز" العملاقة في الإعلام التلفزيوني، منذ مدة، طلبا إلى وزارة الدفاع الأمريكية بجهة الترخيص لها (أو اعتمادها) لتغطية أطوار العدوان العسكري المزمع شنه على العراق تارة تحت مسوغة "إزالة أسلحة الدمار الشامل" وتارات أخرى عدة على خلفية من "ضرورة" تغيير النظام وإزاحة القائمين عليه.

 

وبصرف النظر عن طبيعة الطلب إياه و"خلفيات" الجهة الثاوية وراءه، فإن ذات الطلب يشي حتما بأمرين إثنين لم يعد التكهن بشأنهما ذا اعتبار كبير يذكر:

 

+ الأمر الأول ويتمثل في اعتقادنا بأن قرار العدوان على العراق أضحى سيناريوها محسوما سيان في ذلك أرضخ لقرارات مجلس الأمن أم لم يرضخ، وسواء في ذلك أأزيحت "أسلحة الدمار الشامل" أم لم تزح.

 

بالتالي، فلم يعد تباين المواقف (داخل الإدارة الأمريكية أساسا) قائما حول الوسائل والسبل الواجب سلكها لبلوغ ذلك، بقدر ما أضحى محصورا في الترتيبات اللوجيستية والزمنية وكذا ترتيبات السلطة بالعراق (كما بكل المنطقة ) بعد إسقاط النظام وإقامة آخر على أنقاضه.

 

+ أما الأمر الثاني الذي يشي لنا به طلب فوكس نيوز فيكمن في البعد الإعلامي الذي من الوارد أن يتزامن ليس فقط وأطوار العدوان المرتقب، بل ولربما أيضا وعمليات "ملاحقة المطلوبين" بين الأزقة وفي المنازل وداخل المخابئ.

 

وعلى هذا الأساس، فإذا كانت الولايات المتحدة واثقة من "النصر" (قياسا إلى ترسانتها العسكرية الضخمة وما توفر لديها من أسلحة فائقة الذكاء) فإنها لن تنوء عن تصوير كل ذلك في طقوس من الفرجة لن تعدم الإمكانات التكنولوجية لموسطتها بالصوت والصورة وبالنقل الحي والمباشر...ودونما حاجة تذكر لتقنيات الإخراج أو لغيرها.

 

بالتالي، فالإدارة الأمريكية لن تريدها حتما حربا على الأرض وبالمواقع فحسب، بل وأيضا حربا نفسية سيتم التنكيل في خضمها بمعنويات "العدو" وقدراته على المواجهة والصمود.

 

2- والواقع أنه لو كان لنا أن نستشف الآية القمينة وراء طلب شبكة فوكس نيوز هذا (كما غيرها دون شك من الشبكات التلفزية) لاستوقفتنا بالضرورة ثلاث حقائق كبرى تبين الفائدة المتبادلة القائمة بين وسائل الإعلام والمؤسسة العسكرية الدافعة بمنطق العدوان على العراق:

 

- الحقيقة الأولى وتخال لنا كامنة، من لدن المؤسسة العسكرية، في توظيف الآلة الإعلامية بجهة التضليل على "العدو" والتعتيم على قدرته وقابليته في الدفاع والمواجهة.

والسر في ذلك إنما يتمثل في الاعتقاد المترسخ بأن الآلة إياها هي جزء من العمليات العسكرية الميدانية لا "معطى" موازيا" أو متراسا خلفيا تابعا يبث للواقعة بعد حدوثها لا في حينها.

 

وبقدر استوظاف المؤسسة العسكرية للآلة الإعلامية في نقل مجريات الأحداث المراد تمريرها، فإن ذات الآلة ترى في امتياز التغطية الممنوح لها (في حالة فوكس نيوز كما في غيرها) "غنيمة مادية" مباشرة تستجلبها من تسويقها لحقوق البث وإعادة البث من لدن شبكات قد لا  تغنم باحتكار التواجد على "أرض" المعركة.

 

وعلى هذا الأساس، فلو سلمنا في الوقت الراهن، بحتمية الحرب (وهي حتمية بكل المقاييس فيما نعتقد)، فإنه سيكون للشبكة التي س "يرسو عليها المزاد" امتياز الحصول على عشرات الملايير كمقابل لحقوق البث المسوقة عالميا.

وهو رهان حقيقي بالنسبة لهذه الشبكة أو تلك سيما في ظروف اشتداد المنافسة وندرة المادة الإعلامية الحية وتراجع حصص السوق بالفضاءات الوطنية كما بالعالم.

 

- الحقيقة الثانية وتكمن، في ذهن القائمين على المؤسسة العسكرية خصوصا، لا في نقل حرب افتراضية تستوظف في صياغة أطوارها تقنيات الإعلام الإيهامية بقدر ما تكمن من لدنها في تغطية حرب واقعية يتعاضد في ظلها المدفع بالكاميرا بالحاسوب بالقمر الصناعي وبسواها.

 

لن تقتصر غنيمة الشبكة المعتمدة، كما في الحقيقة الأولى، على ما تتحصل عليه من حقوق للبث وإعادة البث، بل يتعداها إلى غنائم الإعلانات التي لن تقل عن حقوق البث مردودية ومكسبا.

 

بالتالي، فمن الوارد حتما أن تصل أسواق الإعلانات مستويات عليا سيكون للوكالات المختصة نصيب منها وللتلفزيونات الباثة النصيب الأوفر.

 

من شبه المؤكد، بناء على ذلك، أن تتحول "الصناعة الإعلانية" في أدواتها وطرق تنظيمها. ومن شبه المؤكد أيضا  أن يتسع أفق الإبداع لدى القائمين عليها ، فهم سيكونوا قطعا أمام حرب مباشرة، حية وواقعية لن تنفع في نقلها أدوات الإعلان التقليديةأو طرق الإبداع المتوفرة.

 

ومعنى ذلك أن الحصول على امتياز تمرير الوصلات الإشهارية بداخلها لن يكون شبيها بتلك الممررة في الظروف العادية، ولن تعتمد فيها مقاييس هذه الأخيرة، ولن تكون فضلا عن كل هذا وذاك، متيسرة إلا للشركات الكبرى، أي للتي يقدر رقم معاملاتها بالملايير...وهو ما لم يكن متاحا فيما سبق من حروب اللهم إلا جزئيا خلال حرب الخليج الثانية.

 

3- لقائل يقول: إذا سلمنا جدلا بإمكانية ترخيص المؤسسة العسكرية لشبكة تلفزية أو أكثر بغرض النقل المباشر والحي لأطوار الحرب (سيما البرية منها)، أفلا يكون من شأن ذلك المساهمة في إفشال الخطة العسكرية أو تأجيج الرأي العام ضد ذات المؤسسة في حالة تعرض المدنيين للقتل أو استبسال العراقيين في حالة اعتمادهم حرب مواقع واستنزاف؟

 

وهو أمر وارد لا محالة تماما كما كان الشأن بالصومال حينما تم التنكيل بالجنود الأمريكان على مرأى ومسمع من وسائل الإعلام المتواجدة.

وهو أمر وارد أيضا سيما وأن العراقيين خبروا الحرب لأكثر ما من مرة ولن يسلموا باليسر الذي تبني عليه الولايات المتحدة خططها وترتيباتها.

 

إلا أنه قد يكون من الأمور المستبعدة كذلك لا على اعتبار الحذر الذي ستبديه الإدارة العسكرية حتما إزاء تغطية الشبكة "المتعهد لها" بتغطية الحرب، ولكن أيضا إلى الرقابة القبلية والبعدية التي ستمارسها ذات المؤسسة على الشبكة إياها صورة وتعليقا.

 

والعبرة في ذلك لن تتم احتكاما إلى ما وقع بالصومال بل وكذلك قياسا إلى دروس الغزو الأمريكي على أفغانستان حيث لم تمرر الآلة الإعلامية الأمريكية إلا ما بدا للآلة العسكرية أنه "جدير بالبث" (بعدما تم لها تحييد قناة الجزيرة) لنرى، نهاية المطاف، لا تنكيلا بالأفغان أفرادا وجماعات وقرى بأكملها، بل "حربا نقية" "استأصلت الإرهاب" دونما خسائر تذكر وأقامت "نظاما سياسيا" يدين بالولاء للولايات المتحدة.

 

لقائل آخر يقول: إذا كان من الوارد "انتفاضة" المواطن الأمريكي ضد عمليات التنكيل قد تطال شعبا بأكمله (كما هو وارد بالنسبة للشعب العراقي) وتتجاوز طقوس الفرجة التي كرستها في ذهنيته سينما العنف بهوليود، فلم لا يحتج على حالات (كما هو الشأن بفلسطين) تتجاوز المأساة بها الفرجة الإعلامية؟

أو لسنا هنا بإزاء نفسية يزداد تلذذها ويتقوى شعور النشوة عندها كلما تذوق الآخرون مرارة التذمر والإهانة؟

 

من دون شك، إذ المحك الحقيقي للقوة أصبح كامنا، بداية هذا القرن وإلى حد بعيد، في القدرة على إبرازتجلياتها واعتمادها كخلفية مادية لدرء خطر افتراضي أو تحصيل مغانم إضافية.

 

4- إذا لم يكن هناك من بد لاستخلاص الدروس الأولية من عزم الولايات المتحدة  عزو العراق، بارتباط و"مطلب" الفرجة المعبر عنه، فسيكون الاستخلاص  من توجههين:

 

+ التوجه الأول وهو أن الحرب لن تبقى بعد اليوم مطلبا مقتصرا فقط على الشركات التقليدية (شركات النفط بالأساس) بل وستغدو أيضا مطلبا ستقتسمه وإياها شبكات الإعلام والاتصال ووكالات الإعلان ودور العلاقات العامة والاستشارة وغيرها.

بالتالي، فستضحو الحرب (والحروب القادمة عموما) رهانا " قوميا" يجر من خلفه أكثر من قطاع ويحكم أكثر من مؤسسة.

 

وعلى هذا الأساس، فمن غير المستبعد أن يصبح "لإعلام الحرب" هذا إعلامه وخبراؤه ومهنيوه لن تزدهر أنشطتهم وتروج إلا إذا اندلعت الحروب و "تعممت".

 

+ التوجه الثاني ويتمثل في الاعتقاد، اعتقادنا الخاص على الأقل، بأن الشبكات الإعلامية بهذا المضمار لن تغدو فقط أداة طيعة بيد المؤسسة العسكرية زمن الحرب، بل ستصبح جزءا منها لا يتجزأ.

 

إذا لم يكن الأمر كذلك، فما تفسير اعتزامها المتاجرة (على خلفية من طقوس الفرجة وهوس الربح) في مستقبل شعب بلغ به التنكيل من كل ذي حذب وصوب، مستويات تتساوى لأمريكا في ظلها الإبادة بالفرجة؟

 

جريدة العلم، 30 دجنبر 2002.