محسن محمد محسن، دار الزمن، 2016، 107 ص.
هذا البحث هو قراءة في ثلاثية الدولة والمثقف والعلاقة بينهما. يركز الكاتب على المثقف الملتزم، أي ذاك "المتعلم ذو الإدراك المستقبلي والواعي لمهامه، والمستوعب المساهم في قضايا مجتمعه بشكل طوعي وحل مشاكله".
نحن نقترب هنا من التحديد الذي قدمه أنطونيو غرامشي، الذي يرى في المثقف صورة المنخرط في واقعه، صاحب المشروع الذي يسخر فكره وقلمه لتغيير المجتمع والعالم...إنه المثقف العضوي بتعبيره. المثقف مطالب برأي الكاتب، بألا ينجر خلف الواقع اليومي، لكن لا يكون طوباويا ومثاليا. إنه يريده منتج أفكار، على اعتبار أن هذه الأخيرة ليست سوى علاقتنا بالواقع وبالحقيقة. المثقف هو الوجه الآخر النير للسياسي والمشروع البديل عنه.
من ناحية أخرى، يتساءل الكاتب عن الحاجة لفتح "ملف التراث"، إذ لم يكن كله مجدا، ولا كله هزائم. بيد أن مؤرخي البلاط لا يذكرون ما كان يروج بالزنازين والأقبية..."لا يريدون ان يذكر سوى أمجاد أمير السيف وانتصاراته على رعيته وعلى أعداء موهومين".
ولأن هذا التاريخ هو تاريخ حكام المسلمين، فهو إذن "تاريخ وتراث المسلمين جميعا".
لقد أحرقت العشرات من الكتب لعلماء من شتى الفروع، لكونها لم تساير السلطة أو كانت تشكل تهديدا للسلطان. ولعل أكبر نموذج هو ابن رشد الذي أحرقت كتبه، لأن آراءه لم تعجب رجال البلاط، لا سيما عندما دخل في محاججة الغزالي في كتابه "تهافت الفلسفة"، والذي رد عليه ابن رشد بكتابه "تهافت التهافت".
الحالات كثيرة عن العلماء والمفكرين المسلمين الذين تم التنكيل بهم واتهامهم بالكفر أو بالزندقة أو بالتجديف بالدين أو بالإلحاد...الخ.
ثم إن الهروب للتراث ثم للماضي، هو هروب من الواقع والاختباء خلف أمجاد غير مؤكدة، لكن يروجها من له مصلحة في ذلك. بيد أن هذا الرجوع نلاحظه أيضا في الغرب، حيث بدأت بعض الشرائح الاجتماعية تعود لماضيها، الذي يتراءى لها مصدر قيم وأخلاق عوض واقع التحلل الذي تعيشه. ثمة دائما غيورون، لكن عندنا غيورون متزمتون.
المثقف اللامنتمي مطالب باعتماد موقف واضح، وألا يركب الموجة التوفيقية التي لا تقدم كثيرا، لأنها تريحه وتريح السلطة أيضا.
إن للتراث مؤسسة تحميه، يقول عبد الله العروي. إنها مؤسسة تدعي الدفاع عن الأصالة والتمسك بالجذور والحفاظ على الهوية.
الماضي بات بالتالي، هو مشروع النهضة.
ويقر الكاتب من جهة أخرى بأن للثقافة سلطتها، وللسلطة ثقافتها ومثقفيها. وهناك بون شاسع بينهما. ويقر أيضا أنه طيلة التاريخ الإسلامي الطويل، لم يتم احترام عقل المفكر الذي لا ينتمي إلى نهج السلطة.
بعد ذلك، يقدم الكاتب نماذج من حالات الاضطهاد، التي تعرض لها العديد من المفكرين، لا سيما في عهد بني أمية باستثناء عمر بن عبد العزيز. لقد تم التنكيل بالعديد من الفلاسفة أو بمن يشتغل بالفلسفة والمنطق، وسجنوا وأحرقت كتبهم ومكتباتهم. بالتالي، فما نعيشه اليوم ما هو إلا امتداد لسلوكيات كانت سائدة ومهيمنة طيلة التاريخ الإسلامي الطويل.
نافذة "قرأت لكم"
19 فبراير 2026