الفجوة الإعلامية العربية

 

تتحدد الفجوة الإعلامية، في منطوقها كما في واقع حالها، في كونها الهوة أوالبون الشاسع الذي يفصل أداء إعلاميا ما عما سواه من أداء سيما أداء إعلام الدول المتقدمة الكبرى ليس فقط بجانب بيئة ذات الأداء ومناخ إفراز مدخلاته الأساس، ولكن أيضا على مستوى نوعية ذات الأداء في شكله العام وفلسفته، في جوهره كما في البنى الذهنية القائمة عليه.

 

هي إذن فروقات وتمايزات كبرى، تطاول مناخ الاشتغال العام (سياسيا وقانونيا وإداريا) وتطاول البنيان المؤسساتي (مهنيا وأخلاقيا) وتطاول فضلا عن كل ذلك، الخلفية الثاوية  وراء الأداء الإعلامي بجانب المسؤولية وبجانب الاستقلالية الذاتية.

 

وعلى هذا الأساس، فإن الفجوة الإعلامية القائمة بيننا وبين الغرب، إنما هي فجوة يمكن قياس مداها الزمني (ضمن مقاييس أخرى) باستحضار عنصرين اثنين:

 

+ فهي فجوة في الأدوات تاريخية بامتياز، إذ التراكم التقني المبكر في ميدان الإعلام والاتصال لم يواكبه إلا استيراد متأخر لذات التقنيات  لم تنجح الدول العربية في ترويجها على نطاق واسع أو موطنة مزاياها.

 

وهو أمر يسهل التحاجج بشأنه فيما يتعلق بالصحافة المكتوبة، كما بالراديو، كما بالسينما، كما بالتلفزة، كما بالإنترنيت كما بغيرها.

هي فجوة أدواتية بامتياز، تفصل زمن المصمم والمنتج بزمن المستورد والمستهلك... وهو الحال لأكثر من نصف قرن من الزمن ولا يزال.  

 

+ وهي من جهة ثانية، فجوة تصميم محتويات وإنتاج مضامين، بين جزء من العالم خبر مبكرا قيمة الإعلام وخطورته وبين جهة أخرى (المنطقة العربية) يعتبر الإعلام بمواصفاته الحديثة مستجدا استعماريا، دخيلا وعنصر بلبلة مؤكد وفي أخف الأحوال وسيلة كمالية ليس إلا لا خشية فيها.

هي إذن هوة بين من ينتج الإعلام بمنظومته واساليب عمله، وبين من يستهلكها دونما الانتباه إلى ما تجره من خلفها من رهانات ومخاطر.

 

لا ينحصر الأمر عند هذه النقطة، بل يتعداه (من لدن النخب الإعلامية الحاكمة) إلى اعتبار أن جلب ما توفر من مستجدات تقنية في ذات المضمار إنما هو حل للإشكالية برمتها، في حين أن ذات الحل لا يستقيم في غياب بعد الإنتاج الملازم له حلا وبالترحال:

 

+ فإذا كانت التقنية الرقمية قد أضحت لغة الإعلام بالغرب كما بالعديد من الدول العربية (بل إن بعض الشبكات العربية أكثر تطورا من بعض الدول المتقدمة ذات التقاليد الإعلامية المتأصلة)، فإن الجزء الثاني من المعادلة (جزء المحتويات والمضامين) يبقى بالمنطقة العربية دون ما توفره ذات التقنية وتفترضه.

 

ومعنى هذا أن معظم الدول العربية (المقتنية لآخر ما أنتجته تكنولوجيا الإعلام والاتصال) بقيت حبيسة "إنتاجات إعلامية" تمجد السلطان (رئيسا أو ملكا) أو تنبش في التراث لشرعنة نظامه أو تمرر ما تسنى لها من منتجات غربية تجاوزتها الدورة التجارية وبنت على أنقاضها.

 

ومعناه أيضا (بجانب آخر) أن إدخال شبكة الإنترنيت مثلا بمعظم الدول العربية، لم يترجم بمضامين ومحتويات على مستويات المواقع المقامة الرسمي منها كما غير الحكومي سواء بسواء.

 

+ وإذا كانت معظم الدول العربية قد أنشأت من بين ظهرانيها وكالات للأنباء وطنية، فإنها تبقى في الغالبية العظمى منها سجينة ما توفره لها وكالات الأنباء الدولية من أخبار ومعلومات عالمية، وفي العديد من الحالات حول الأحداث المرتبطة بالدول نفسها.

 

+ وإذا كانت جل الدول العربية قد خلقت من بين جدرانيها فضائيات لها (وأكثر من فضائية في العديد من الحالات)، فإنها تبقى رهينة ما تروجه وسائل الإعلام الغربية المحلي منها كما الفضائي, المكتوب منه كما المصور كما المسموع سواء بسواء.

 

ليس ثمة من شك إذن، في أن الفجوة الإعلامية القائمة بين الغرب والدول العربية إنما هي فجوة حقيقية ذات أبعاد تاريخية وذات خلفيات سوسيولوجية لا يمكن بأي حال من الأحوال التجاوز عليها:

 

+ فهي فجوة قانونية وتشريعية، بين جهة من العالم تكرس وتقدس حرية التعبير والتفكير والرأي والحق في الإعلام ولوجا وشيوعا، وبين جهة من العالم (المنطقة العربية) لا تزال قوانينها وتشريعاتها تجر خلفها استبداد الرأي الواحد وسيادة الخطوط الحمر وتحتكم إلى نظرية المؤامرة في متابعة الإعلاميين والمدافعين عن الرأي الحر.

 

+ وهي فجوة سياسية (وبالمحصلة ديموقراطية)، لا تتم مقاربة الحقل الإعلامي في ظلها باعتباره رافدا من روافد البناء الديموقراطي، وتكريس دولة الحق والقانون (كما بالدول المتقدمة) بل باعتباره منافسا شرسا إذا تسنى له تكريس سلطته على أرض الواقع فستكون من اقتطاع سلطة السياسي حجما وعلى مستوى التأثير.

 

+ وهي فجوة نفسية غير جلية للوهلة الأولى، بين أداء إعلامي متحرر تحكمه قواعد وأخلاقيات المهنة والمسؤولية، وبين أداء يحتكم في التعامل معه إلى القوانين الزجرية ولوائح المنع وتشريعات الحصار والمضايقة.

 

+ وهي فجوة ذهنية (عقلية تقول الدكتورة عواطف عبد الرحمان)، بين إعلاميين تحكمهم مواثيق وخلفيات ثقافية متجذرة، وبين إعلاميين ضاقت بهم السبل لدرجة طغيان الرقابة الذاتية من بين ظهرانيهم مجاملة لهذه الجهة من السلطة أو درءا لبطشها المحتمل.

 

هي إذن بالمحصلة النهائية فجوة مركبة، يتداخل بصلبها التقني بالاقتصادي بالثقافي وبالرمزي أيضا، إذ الإعلام بالمنطقة العربية هو إلى حد بعيد جزء من سلطة رمزية (سياسية أو دينية أو طائفية أو ما سواها)...بالتالي فهي بوجه من الوجوه، تمظهر من تمظهرات الفجوة بين الحاكم والمحكوم بالمنطقة العربية.

 

ولما كانت ذات الفجوة مركبة العناص (منظومية يقول البعض) فيما بيننا وبين الغرب، فهي أيضا فجوة مركبة بداخل كل دولة عربية قد لا تختلف دولة عن أخرى إلا في الدرجة في حين أن الطبيعة واحدة:

 

+ فهي فجوة بين خطاب (كل الخطاب الرسمي العربي) يدعي الانفتاح والحرية واحترام قيم الاختلاف، وبين سلوك يحجر على حرية الفكر والتعبير، يحاصر الإعلاميين (تشريعا وبقوة الاستبداد في الغالب الأعم) ويضيق درعا بتطلعهم إلى الاستقلالية والمهنية الخالصة.

 

+ وهي فجوة بين إعلام يداهن السلطة في تصرفاتها وسلوكها (ويبرر لها ذلك فضلا عن هذا) وبين إعلام ينتقدها، يطالب بمحاسبتها، يستفزها ويتمادى في استفزازه إيمانا منه بأنه بالمحصلة قوة لا تقل عن قوة السلطة...سلطة.

 

+ وهي فجوة بين تصورين في العمل الإعلامي، ينطلق أحدها من التسليم بواقع الحال (وحسن سيرة أولي الأمر من بين ظهرانينا)، في حين يدفع الثاني بفساد ذات الواقع وفساد القائمين عليه طالما لا يوجد سبيل لمحاسبتهم في أفق تجاوز الواقع إياه.

 

هي بهذا الجانب، فجوة مركبة أيضا من المتعذر حل تداخلاتها أو تفكيك عناصر المعادلة القائمة عليها في الشكل كما في المظهر كما في الجوهر سواء بسواء.

 

لقائل يقول: إذا كان الحال كما تم توصيفه فهل يا ترى من سبيل لتجاوز ذات الفجوة، أو على الأقل التضييق من مداها وتداعياتها إذا لم يكن فيما بين بعضنا البعض كدول عربية فعلى الأقل بإزاء الغرب؟

 

هو تساؤل ليس من الطوباوية في شيء طرحه، لكن عناصر الجواب لرده متعذرة وصعبة وقد لا تخرج عن إطار الينبغيات.

فإذا كان من الوارد (من الممكن أقصد) تدارك الفجوة فيما بين الأقطار العربية (بين من يملك المال ومن يملك الخبرات والقدرات العلمية)، وداخل الدولة العربية الواحدة عبر التشريعات والقوانين الفاتحة للسبل في العمل والمبادرة دونما حصار أو تضييق، فإن معالجة ذات الفجوة مع الغرب تبقى عسيرة المنال بكل المقاييس:

 

+ فالعمل الإعلامي تراكم تاريخي، صبت في بنيانه روافد سياسية واقتصادية وجيوستراتيجية وأنشئت له بنيات اجتماعية وثقافية وذهنية من الاستحالة حقا "استيرادها" من لدن الدول العربية، حتى وإن تم لها استيراد ما يفرزه ذات التراكم على مستوى الوسائل والأعتدة والأدوات وما سواها.

 

+ والعمل الإعلامي يطاوله التقادم بسرعة، لا تستطيع الدول العربية مجاراته لا في شكل تحولاته ولا في طبيعة ذات التحولات. فانتقال الصحافة المكتوبة بالغرب بجهة توظيف شبكة الإنترنيت، إنما يدخل في إطار التحولات التي تعرفها المجتمعات الغربية وفي أساليب تعاملها مع الخبر والمعلومة في حين لا تتعامل معه المنابر الإعلامية العربية (التي لها مواقع بالشبكة) إلا من باب الحامل المحايد وفي أحسن الأحوال المساعد.

 

صحيح أن شبكة الإنترنيت بنية تقنية وأدوات برامجية، لكنه في الآن ذاته حمال منظومة قيم وثقافة وسلوك وما سواها. وهو أمر ما لم يتم إدراكه فستبقى الشبكة منفصمة عن مستخدميها.

 

+ والعمل الإعلامي، فضلا عن كل هذا وذاك، فضاء متكامل يعتمل بداخله البعد الاقتصادي بالبعد الاجتماعي بالبعد الثقافي بما سواه من أبعاد ولا يمكن بالتالي اختزاله في هذا البعد أو ذاك.

 

ولما كان الأمر كذلك، فإن طرح "المدن الإعلامية الحرة" ببعض الدول العربية مثلا، إنما طرح يختزل الإعلام في بعده الاستثماري دونما مساءلة في ذلك لما سواه من أبعاد سيما سعة فضاء الحرية والحقوق وقدرة ذات المدى على إفراز قيمة إضافية إعلامية.

 

إن الفجوة الإعلامية (المكتوب منها كما المرئي كما المسموع كما الألكتروني)، إنما هي مظهر من مظاهر فجوة التنمية التي لا تزال تفصلنا عن الغرب، وأن التساؤل في سبل تضييق مداها أو ردمه على المدى الطويل إنما مدخله التساؤل في طبيعة التنمية المرادة والنموذج الذي من الواجب استنباته ذاتيا، لا التهافت على استجلاب ما قد لا يتماشى معه على مستوى الشكل والمضمون.   

 

يحيى اليحياوي

الرباط، 18 شتنبر 2006