"عندما تنكل السلطة بشباب 20 فبراير"

 

 

لم يرفع شباب 20 فبراير بالمغرب شعارا يطالب بتغيير أو إسقاط النظام, ولا حملوا لافتات تطال رأس الدولة بالمباشر الحي أو بالتلميح حتى, ولم يتطاولوا جزافا على هذا "المقدس" الديني أو الإيديولوجي أو ذاك.

 

لم يكن هذا هدفهم ولا كان مرماهم, مذ نزلوا لأول مرة بالساحات العامة, في العشرين من فبراير من العام 2011, وإلى حين آخر تظاهرة لهم بمعظم, إذا لم نقل بجل مدن وقرى ومداشر المغرب, أي بعد ثلاثة أشهر من تاريخ ميلاد "الحركة".

 

إنهم نزلوا للشارع, بداية ذات العام, وعلى امتداد آحاده المتتالية, للتنديد بالفساد وبالمفسدين, للمطالبة باستبعاد هذا الفاسد أو ذاك, بمحاسبته أو بدون محاسبة حتى, وللتعبير عن أن الذي يجري بالبلاد اليوم ومن مدة, ويراد له أن يسود بالقادم من أيام, هو بالقطع من هلك البلاد والعباد, من قتل الضرع والزرع على حد سواء.

 

ما من شك أنه تم تسجيل بعض من التجاوز على ذات المطالب, وتعالت أصوات نشاز هنا وهناك, تطالب بتغيير النظام, لأنه باعتقادها مصدر البلاء, الحامي للفساد والمفسدين, لا بل وتقول ذات الأصوات, إنه لربما متورط معها, يحميها ويذود عنها, لأن له معها غنائم ومصالح شتى.

 

ما سوى هذه الأصوات, لم يكن ثمة حقا ما يعكر على التظاهرات طابعها السلمي, المسالم والمسؤول. ومع ذلك, فقد تعرض شباب الحركة, بآخر خروج لهم للضرب المبرح, للإهانات اللفظية, للملاحقات بالشوارع والأزقة, للتنكيل بعصي عناصر الأمن, بأرجلهم وبأيديهم, حتى بدا للعيان أن مستويات الخشونة الملاحظة لا يمكن أن تكون عفوية, ولا هي متأتية من استفزاز هذا الفصيل المتظاهر أو ذاك, هذه اللافتة المثيرة أو تلك.

 

الفعل كان إذن مقصودا ومرادا ومفكرا فيه, ولم يكن بالمطلق من فعل عناصر فردية, أو اجتهادات خاصة بهذا الرجل من رجال الأمن أو ذاك. إنه كان سلوكا ممنهجا, مفاده ثني المتظاهرين عن الاحتجاج, وإذا لم يمتثلوا, يعمد مباشرة إلى تفريقهم بالقوة, كائنة ما تكن مطالبهم, أو الطبيعة السلمية لخروجهم الواسع بالشارع.

 

ليس ثمة من مجال لإعمال الاجتهاد, بغرض فهم درجات الخشونة المبالغ فيها من لدن رجال الأمن, بوجه شباب حركة 20 فبراير, إذ العملية مرتبة والأوامر واضحة ودرجة الصفر محددة.

 

ما القصد من العملية إذن؟ القصد منها تمرير رسالة من ثلاثة عناصر:

 

°- الأول ومفاده القول بأن لا أحد فوق القانون, بالحالات العادية كما بحالات الاستثناء. وتظاهرات الحركة ليست حركة عادية, بل استثنائية, تأتت في سياق الموجات الشعبية العربية التي انفجرت ببداية هذا العام, العام 2011.

 

ومادامت الحركة أو الأطراف الداعية للتظاهر, لم تحصل على ترخيص مسبق, فإنها تعتبر برأي السلطة, خارجة عن القانون, فوجب بالتالي ردعها وزجرها ودفعها قسرا للالتزام, ثم الامتثال لما تنص عليه اللوائح والتشريعات.

 

الأساسي هنا, بنظر السلطة, هو مبدأ عمومية القانون أيا ما تكن سياقات المبادرات, أو ظروف الأفعال المترتبة عنها.

 

°- العنصر الثاني ومؤداه التأشير من لدن السلطة, على أن ما أتت من أجله حركة 20 فبراير, وما رفعته من مطالب قد استنفذ أغراضه وبلغ مراميه, إذ يقول أركان السلطة, بأن الرسالة قد وصلت لمسامع رأس الدولة, فباشر في الحين بمراجعة دستورية جذرية, من شأنها وضع المداخل الأساس لضمان الحقوق والحريات, لمحاسبة الحاكم, للحد من جيوب الفساد والإفساد, ولبناء دولة الحق والقانون.

 

بهذه الجزئية, ترى السلطة باختصار ما معناه أنه لم يعد ثمة من مبرر للنزول إلى الشارع, مادامت المطالب قد وصلت, وبوشر في معالجتها بالجدية التي عبر عنها الملك بخطاب التاسع من مارس.

 

°-  أما العنصر الثالث فيتمثل في المسوغات التقليدية التي ما فتئت السلطة ترفعها باسم الاستثناء المغربي, وقوة مناعته الذاتية بمواجهة الاضطرابات التي قد تأتي بها الرياح من الخارج, أو تنفخ فيها بعض الجهات الداخلية, المحتكمة إلى "أجندات" مناهضة لنظام الحكم بالمغرب, أو للثاوين خلفه بالوقت الحاضر.

 

الرسالة هنا واضحة ومباشرة: المغرب ليس هو مصر ولا تونس, ولا هو ليبيا أو اليمن أو سوريا أو غيرها. إنه, تقول ذات الرسالة, بلد محصن ضد أسباب الفتنة أو الصراع على السلطة, ومحصن تحديدا لأنه له من المؤسسات ما يجعله في مأمن عن المزايدات.

 

لسنا مطالبين بالقبول بهذا التبرير أو ذاك المسوغ. ولسنا مجبرين للاقتناع بهذا الطرح أو ذاك, خاطئا كان أم متضمنا لبعض من الصواب. لكننا غير مستعدين بالمرة للقبول بالعنف المبالغ فيه, الذي عمدت إليه السلطة بوجه متظاهري حركة 20 فبراير. هذا سلوك غير مقبول بالمرة, وليس مستساغا أيضا والوثيقة الدستورية الجديدة على الأبواب.

 

وإلا فإذا قبلنا به واستسغناه, فلكأنما نقبل ونستسيغ مقتل المرحوم كمال عماري, وهو الذي لم يرفع شعار قلب نظام الحكم, و لا تطاول على شخص الملك أو حاشيته.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 6 يونيو 2011