"هجرة الكفاءات العـربية: الأسباب والنتائج"

 

عبـد الناصر أحمد عبد السـلام البدراني, الأكاديمية العربية المفتوحة في الدانمارك, كوبنهاكن, مارس 2009, 223 ص.

 

1- بمقدمة الدراسة, يقول الكاتب: " إن قوة الاقتصاد اليوم, تقاس بنوعية الموارد البشرية وكفاءتها وحسن استخدامها. ولهذا نجد أن تنمية الموارد البشرية أخذت تطفو على السطح, وتستقطب الاهتمام, لأنها ببساطة شديدة هي العدة التي يستطيع المجتمع أن يستخدمها في تصحيح مساراته التنموية, وتوجيهها التوجيه الأمثل, وإنتاج العدد اللازم من الكفاءات والعقول الخلاقة, فضلا عن معالجة المشاكل والظواهر التي تتخلل مسيرة التنمية الاقتصادية, وتقديم الحلول لها. من هنا تتأتى الأهمية التي توليها الدول المتقدمة في استقطاب العقول الكفؤة, باعتبارها عاملا قويا, يضاف إلى عوامل القوة المتعددة التي تتميز بها الدول المتقدمة".

 

إن طبيعة الأنظمة السياسية الحاكمة في معظم الدول النامية, يقول الكاتب, إنما تسهم بقوة في خلق عوامل الطرد اللازمة للكفاءات, نتيجة لى انحسار الحريات السياسية, وسوء الإدارة والتقدير, فضلا عن تبعية معظم الأنظمة السياسية في دول العالم النامي إما إلى الدولة الأحادية القطب في العالم, أو إلى دول كبيرة تقع في محيطها الاقليمي بشكل أو بأخر, فضلا عن انعدام الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي لتلك البلدان".

 

ويؤكد الباحث على أن ظاهرة هجرة الكفاءات العربية تكلف المجتمع العربي خسائر اقتصادية مضاعفة, لما يترتب على تلك الهجرات من مضاعفات جانبية, "الأمر الذي يساهم في زيادة التكاليف الاجتماعية للفرد, من أجل إحلال ما تم فقده من علماء. هذا على صعيد الهجرات الفردية المحدودة, فما بالك لو أصبحت الهجرة العلمية ظاهرة عامة".

 

إن هجرة العقول والكفاءات العلمية والفنية هي من أقدم المسائل التي واجهتها البشرية, يتابع المؤلف. وقد خلقت هذه الهجرات تفاعلا خلاقا بين الحضارات منذ القدم, حيث انتقلت بعض اختراعات الصين إلى العرب, وبعد أن قام العرب بتحسينها انتقلت بدورها إلى أوروبا وهكذا. "غير أن هجرة العلماء والفنيين من الوطن العربي إلى الدول المتقدمة, لا تقاس بهذا المقياس, حيث تؤدى تلك الهجرات إلى البطء الشديد في عمليات التطوير العلمي والتحديث الاقتصادي والاجتماعي, والتي يطلق عليها بعض الباحثين مصطلح النقل المعاكس للتكنولوجيا".

 

ففي الوقت الذي يعتبر فيه البحث العلمي أحد أدوات ومفاتيح هذا القرن, عصر العولمة وثورة المعلومات, فإن أعدادا كبيرة من المهنيين يهاجرون, بعد حصولهم على شهاداتهم العلمية العليا في أوطانهم, ومن ثم فإنهم يشكلون بصورة جزئية فائض نظام التعليم في بلدهم. وبسبب وجود الهوة بين أنظمة ومناهج التعليم والتدريب, واحتياجات سوق العمل في المجتمع المحلى, فقد أسفر عدم التوازن هذا إلى إن يسعى الأفراد للعمل خارج بلدانهم, وتدفعهم تلك الحالة إلى الهجرة.

 

2- إن البلدان العربية هي من أكثر دول العالم التي تطرد علماءها ومفكريها, من خلال عدم تغيير الأوضاع القائمة للقطاع التعليمي, "كإنشاء الجامعات, ومراكز الأبحاث, وتخصيص الأموال للبحث العلمي والفكري, وكذلك عدم تأمين العمل والحريات الضرورية, فضلا عن اضطهاد العلماء. وقد لا تكتفي بعض البلدان العربية بعدم توفير الظروف والأوضاع الضرورية للحد من الهجرة, بل إنها لا تسمح لمن يصرون على البقاء في ممارسة البحث العلمي والفكري الحر, دون تدخلات مباشرة, تصل إلى درجة تحديد وجهة البحث العلمي ومساره".

 

يقول ديفين برينر, الأستاذ في دراسات الأعمال في جامعة ماكجيل الكندية:  "في ظل اقتصاد العولمة, سيذهب البشر والأموال إلى حيث يمكنهم أن يكونوا مفيدين ومستفيدين. ففي كل عام, يغادر ما يقدر عددهم بنحو 1.8 مليون من المتعلمين ذوي المهارات والخبرات في العالم الإسلامي, إلى الغرب. وإذا افترضنا أن تعليم أحد هؤلاء المهاجرين يكلف في المتوسط عشرة آلاف دولار, فإن ذلك يعنى تحويل 18 مليار دولار من الأقطار الإسلامية إلى الولايات المتحدة وأوربا كل عام. وإذا تراكم هذا المبلغ نظريا على مدى عدة سنوات, فسيصبح مفهوما أكثر لماذا تزداد الأقطار الغنية غنى والفقيرة فقرا".

 

فقي تقرير للجامعة العربية حول مخاطر هجرة العقول العربية إلى الدول الغربية, أظهر أن الدول العربية تتكبد خسائر مادية تربو عن 200 بليون دولار أمريكي سنويا, وأن عدد العلماء والأطباء والمهندسين من ذوي الكفاءات والمهارات العلمية المتخصصة, قدر بما لا يقل عن 450 ألف كادر يعملون خارج حدود بلدانهم العربية, وأن 75% من الكفاءات العربية تتجه الى ثلاث دول رئيسية, هي الولايات المتحدة الامريكية, بريطانيا وكندا.

 

إن معظم الدول العربية تتضمن عوامل طاردة للكفاءات, أي "مجموعة من الأسباب والمعوقات التي تعيق عملية التطور الفكري والعلمي لدى العلماء والمفكرين, مما يحفزهم ويدفعهم إلى اتخاذ قرار الهجرة, أو النزوح إلى المكان الذي يؤمن لهؤلاء القدر الكافي من عوامل الاستقرار, مدعوما بمحفزات الإبداع. وقد تتكون تلك المعوقات والأسباب نتيجة إلى عوامل متعددة, منها ما هو سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو تقني أو تربوي".

 

بالمقابل, تتوفر الدول المتقدمة على العديد من عوامل الاستقطاب, والتي تعمل بالتزامن مع عوامل الطرد, من أجل تثبيت قرار الهجرة لدى الكفاءات العلمية, الذي يمكن أن يتخذ تحت تأثير عوامل الطرد. ولعل أهمها توافر الاستقرار السياسي والتقدم الحضاري, الكفيل بتوفير الأجواء الملائمة لتطور الكفاءات العلمية, توفر إمكانيات البحث العلمي بلا حدود, مع وجود آليات التنظيم الدقيقة في العمل, انفتاح المجتمعات المتقدمة على العلم والعلماء... الخ.

 

ومما يلفت النظر في البلدان العربية عموما, يلاحظ الكاتب, أنه مع ازدياد معدلات هجرة العقول العربية إلى الغرب, يزداد معها اعتماد غالبية البلدان العربية على الكفاءات الغربية, في ميادين شتى بتكلفة اقتصادية مرتفعة, ومبالغ فيها في كثير من الأحيان. وبعبارة أخرى, "فإن البلدان الطاردة للكفاءات والعقول, تتحمل بسبب تلك الهجرات خسارة مزدوجة, تتمثل في ضياع ما أنفقته من أموال وجهود في تعليم وإعداد تلك الكفاءات المهاجرة, ومواجهة نقص الكفاءات وسوء استغلالها, والإفادة منها عن طريق الاستعانة بالكفاءات الغربية بتكلفة كبيرة". بالتالي, فإن المكاسب التي تجنيها الدول المتقدمة, من جراء هجرة العقول إليها, هي نفسها وبصورة معكوسة, تمثل الخسائر التي تمنى بها الدول الأقل تقدما, نتيجة هجرة العقول إليها.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 16 يوليوز 2009