"جنازة رجل بالبحر"

 

 

ببداية الشهر الماضي, شهر ماي من العام 2011, طلع علينا الرئيس الأمريكي باراك أوباما, من على فضائيات بلاده, ومن على فضائيات العالم أجمع, بنبأ طازج مفاده أن قوة أمريكية خاصة من المارينز, قد نفذت عملية اغتيال ناجحة بحق زعيم تنظم القاعدة الشيخ أسامة بن لادن, بعد مطاردة وتعقب دؤوبين, منذ اختبائه بأعقاب أحداث الحادي عشر من شتنبر, وتخفيه عن الأنظار لأكثر من عشر سنوات من الزمن.

 

ليس المهم كثيرا التوقف عند حقيقة الحادث, حادث مقتل الشيخ بن لادن من عدمه, فالرجل قد يكون قتل حقا بتاريخه, وقد يكون قد قتل من ذي قبل, وقد يكون لا يزال حيا بمكان ما بقبضة الأمريكان, وقد يكون مات ميتة طبيعية بمكان ما, ولما تأكد للأمريكان ذلك, ركبوا النازلة وبنوا عليها بغرض التوظيف, والادعاء بأنهم هم من قتله, وليس المرض الذي لازمه لسنين عديدة.

 

وليس مهما أيضا أن نقف عند ما للرجل وما عليه, حيا كان أم ميتا, ولا عند تداعيات غيابه عن التنظيم الذي بناه والتزم به أتباعه, ولا عند مستقبل "المشروع" الذي كان خلفه, تنظيرا إيديولوجيا وسلوكا ماديا بأرض الواقع.

 

هذه أمور ليست مهمة بحق, في الوقت الحاضر. المهم هنا إنما التوقف عند طريقة ومضمون ما قدمته الإدارة الأمريكية والرئيس الأمريكي تحديدا, وهو يعلن الخبر منتشيا بالنصر, من على تلفزيونات العالم أجمع, ومن بين ظهراني جل مواقع ومدونات الإنترنيت.

 

والواقع أن الذي أثار دهشتنا وفضولنا في المعرفة, فيما قدم وتم الترويج له في حينه, إنما أربعة أمور جوهرية:

 

°- الأول ويكمن في الإخراج الدرامي الذي قدمت به عملية اغتيال الشيخ أسامة بن لادن, وفي زمن قياسي, لم يتعد وفق رواية الرئيس الأمريكي, الأربعين دقيقة من الزمن, كان لوقع القوة الخاصة من بين ظهرانيها الفعل/الفصل السريع والكاسح, بسيناريو مقاومة الشيخ بن لادن وحراسه, أو بسيناريو عدم إبدائهم أية مقاومة تذكر.

 

ما يضفي على العملية بعدا هوليوديا دراميا "مشوقا", ادعاء الرئيس الأمريكي بأنه تابع عملية التنفيذ بالمباشر الحي, هو وطاقمه الاستشاري والأمني, من ساعة بدء العملية, إلى حين إخباره ب"انتهاء المهمة".

 

قد يكون كل ما جرى صحيحا وموثقا, لكن إخراج العملية, بصيغة هوليودية لا تقبل التأويل, لم يهدف فقط إلى تبيان قوة الأمريكان وتصميمهم على تعقب أعدائهم حتى وإن طال بهم الأمد وتمكن منهم الصبر, بل وتهدف للتلميح إلى أنهم جهة الخير التي لا تتوانى في محاربة مصادر الشر, أيا ما تكن رمزيتها, أو قوة وجلد التحصينات التي تحتمي بها.

 

°- الأمر الثاني ويتمثل في تعمد الإدارة الأمريكية إدراج معلومات متضاربة بخصوص تفاصيل العملية برمتها, وبخصوص سلوك الضحية تحديدا, أثناء تنفيذ ذات العملية, بجهة مقاومتها القوة الخاصة, أو بجهة استسلامها لها دونما مقاومة تذكر. لا ندري هنا لحد الساعة, هل قاوم الشيخ أسامة بن لادن حتى مماته, أم تراه كان غير مسلح, فاستسلم, ثم تم إلقاء القبض عليه, ليعدم أمام أهله ورفاقه, وفق ما ورد برواية الأمريكان.

 

الرواية الأمريكية تعمدت التعتيم على ذلك بالجملة والتفصيل, بل لم ترسو على خبر واحد محدد, ولكأنها تريد الترويج للإشاعة وتحتفظ لنفسها بالخبر اليقين وبالحقيقة, حتى إذا ما أرادت تأكيد روايتها للجمهور الأمريكي حصرا, صرحت بأن بعضا من أعضاء الكونغرس اضطلع على صور العملية, وتأكد له بأن الذي تم استهدافه هو بن لادن حقا وحقيقة.

 

°- أما الأمر الثالث فيرتبط باستنكاف الإدارة الأمريكية رسميا عن تقديم فيلم وصور عملية الاغتيال, واكتفت بعرض فيديو لبيت الرجل المزعوم, وقد طاله الدمار والخراب من الداخل, واشتعلت النيران به من الخارج... والدماء منتشرة هنا وهناك, فيما يشبه ساحة حرب وقتال دون منازع.

 

لم نر بكل ذلك جثة الرجل وهي مدرجة بالدماء مثلا, كما كان المفروض أن تقدمه النمطية الهوليودية. ولم نر جنود البحرية وهم محيطون بذات الجثة, بغية التقاط صور للذكرى مع رجل كان أكبر مستهدف من لدن الأمريكان ببداية القرن الحادي العشرين, بل رأينا صورا لا تعبر عن المعنى المبحوث عنه, ولا تفيد المتلقي في شيء, ولا تفي فوق كل هذا وذاك, بالغرض المنشود, غرض إثبات أن الرجل قد انتهى روحا وجسدا, حقا وحقيقة.

 

إن عدم نشر تفاصيل العملية وصور المستهدف الأول منها, لا يدعو فقط إلى التشكيك في مقتل الرجل, بل ويدعو للتساؤل عن السر في عدم ترويجها وقطع الشك باليقين, على الأقل في ذهن من لا يقتنع إلا بالحجة المادية المباشرة.

 

°- أما الأمر الرابع فيكمن في تأكيد الرئيس الأمريكي بأن الشيخ أسامة بن لادن قد قتل بإحدى ضواحي العاصمة الباكستانية, ثم نقل إلى أفغانستان على ظهر مروحية, ثم تم "تجهيزه وفقا للشريعة الإسلامية", ليدفن "في وقت لاحق في البحر".

 

لست أدري من الجهة التي قامت على تجهيزه وفقا للشريعة الإسلامية؟ ولست أدري سبب التسرع في دفنه...ودفنه في البحر فضلا عن ذلك؟ ولست أدري الآية من رميه (وليس دفنه) في البحر؟ وما الغاية والرسالة المراد تمريرها من ذلك, على الرغم من إعلان الأمريكان أنهم لا يريدون للرجل قبرا قد يصبح محجا لأنصاره وحوارييه.

 

قد لا نعلم السر في كل ذلك. لكن الذي يبدو لنا جليا بسلوك الأمريكان في هذه الواقعة, إنما الادعاء بأن لا أرضا ولا دولة قبلت بجثة الرجل...في حين أن أي مكان خفي بأدغال أفغانستان مثلا, قد يكون ذلك. ثم إن الذي يبدو لنا من ذات السلوك المشين, إنما أن الأمريكان قد ذهبت بهم الضغينة بإزاء الرجل, لحد رفضهم دفنه كباقي البشر, فرموه بالبحر اعتبارا لمن لا يعتبر.

 

ويبدو لنا فوق كل هذا وذاك, أن الأمريكان لا يعيروا كبير اعتبار للنفس البشرية, لأنهم لا يعلمون أن الله تعالى كرمها دون تمييز من لدنه بين الظالمة أو المظلومة.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 16 ماي 2011