الأستاذ يحيى اليحياوي يتحدث ل
"اليسار الموحد" عن تحرير القطاع السمعي-البصري:
التحرير تحكم فيه قرار
سياسي ممركز وضغط اقتصادي لجهات في فلك السلطة ولا يخلو من مخاطر بالنظر لبدايته
العرجاء...
في هذا الاستجواب الذي
أجريناه معه, يتناول الأستاذ يحيى اليحياوي (باحث ومهتم بالاتصال السمعي-البصري)
بالتحليل موضوع تحرير القطاع السمعي-البصري بالمغرب والأسباب التي استدعته سياسيا
واقتصاديا ومخاطر هذا التحرير بالنظر لانطلاقته التي اعتبرها بداية عرجاء. كما
يتطرق للهيئة العليا للاتصال السمعي-البصري التي تم تشكيلها مؤخرا, ويحاول من حيث
الشكل مقارنة تشكيلتها بتشكيلة هيئة الإنصاف والمصالحة مبرزا كيف أن الضغط الحقوقي
والعمل المنجز مدنيا في ملف الانتهاكات الجسيمة لعب دورا في طبيعة تشكيلة هذه
الأخيرة فيما أن هيئة الاتصال السمعي-البصري اعتبرها أشبه بالترف. فيما يلي نص هذا
الاستجواب:
اليسار الموحد: من بين
الإشكالات التي يطرحها قرار الدولة المتعلق بتحرير القطاع السمعي-البصري في الحالة
المغربية هو هل يعكس هذا التحرير تحولا من احتكار المخزن السياسي لهذا القطاع إلى
احتكار المخزن الاقتصادي؟
يحيى اليحياوي: من ناحية
الملاحظة العادية نلاحظ على مستوى السلطة استمرارا في مركزة القرار والسرية في
اتخاذه, بحيث هناك أمورا غريبة تتكرر هي هذه اللجن التي تتشكل لتخرج بنصوص إما
تحال على الحكومة ثم على البرلمان وإما لا تحال أصلا لتصبح بمثابة ضربة فأس في
الرأس. وهذه الحالة لا نلمسها فقط في القطاع السمعي-البصري بل وفي قطاعات أخرى
(المدونة, لجنة الإنصاف والمصالحة وغيرها).
بالتالي فهناك توجه نحو
طبخ ملفات كبرى في لجان تابعة مباشرة للقصر...
لنتساءل في البداية:
لماذا تحرير القطاع السمعي-البصري وهل هناك ما يستدعيه سياسيا على الأقل؟
بالنظر إلى واقع
الإعلام العمومي وخاصة السمعي-البصري ماذا نجد؟ هناك تخلف وميوعة واستهتار
بالأذواق ومحاصرة للآراء المخالفة...وبالتالي أعتبر أن قرار التحرير هو قرار سياسي
وليس إكراه سياسي ...قرار سياسي يحاول أن يبرز أننا حقا في عهد جديد (حقوق
الإنسان, المدونة...الخ) خصوصا في الملفات التي لها علاقة بالجماهير...بمعنى أن
الهدف من هذا القرار من الناحية السياسية هو محاولة إسكات جهات وأصوات وصلت إلى حد
الاحتقان ومحاولة الإقناع بأن هناك إرادة سياسية لدى الدولة...
ويمكن أيضا أن نضيف إلى
ذلك أن هناك إكراه اقتصادي مرتبط بقرار التحرير, مدفوع من طرف أفراد وجهات لأن
السمعس-البصري مصدر ربح ومن الناحية الرمزية يمكن من التحرر نسبيا من المنظومة
الرمزية القائمة...
بالنسبة للتنافسية التي
من شأن هذا التحرير أن يخلقها والتي يتحدث عنها وزير الاتصال في كل مرة فهي آخر ما
يفكر فيه, لأنه لو كان هناك تفكير في التنافسية لكان ذلك مع طفرة الفضائيات أي منذ
خمس سنوات على الأقل...إذن هناك قرار سياسي وهناك إكراه اقتصادي ثم هناك فكرة
التنافسية التي يحاول الدفع بها...
هل سنكون أمام مخزن
إعلامي؟ نحن أصلا أمام مخزن إعلامي. فأكثر الطلبات المرتبطة بالتحرير تتعلق بإنشاء
إذاعات...بالتالي فإنه يمكن القول إن المخزن السياسي الذي يعزز المخزنة الاقتصادية
مع الاندماج الأخير (مجموعة أونا من خلال البنك التجاري المغربي تبتلع مجموعة
الوفاء) سيحاول دون شك مع قرار التحرير إنشاء قطب إعلامي يعبر عنه...
في المجال الإعلامي
هناك لوبيات تدور في فلك السلطة أو
هي جزء منها. إنها لوبيات خطيرة وخطورتها ليست في قوتها بل في طبيعتها. لنتصور
جماعة ضغط خلقت قناة تلفزية إخبارية خالصة ونتساءل عماذا سوف تنتج لنا في ظل هذه
الرداءة التي نعيشها؟ ماذا سينتج لنا أفراد أو قوى مالية تدور في فلك السلطة غير
خطاب السلطة وتوجهها؟
الأكثر من ذلك, ماذا
يمكن أن ننتظر من تحرير القطاع السمعي-البصري في الحالة المغربية في غياب دراسات
أو تقارير وفي غياب نقاش وطني واسع قبل اتخاذ القرار وفي ظل طبخ هذا الملف وصياغة
نص بشأنه وتمريره؟ إنها حالة غريبة...بالتالي فالمخزن الإعلامي تكرس وتكرس أكثر في
هيئة الاتصال السمعي-البصري, التي هي هيئة مخزنية تدور في فلك السلطة والظهير
المحدث لها واضح في هذا الباب...
اليسار الموحد: هل
تعتقدون أن هناك مخاطر محتملة يمكن أن تنجم عن تحرير القطاع السمعي-البصري
بالطريقة التي يجري بها؟
يحيى اليحياوي:أول المخاطر
العمل بصيغ اللجن أي أن المشاريع لا تطرح للتداول العام ولا يقام بشأنها حوار وطني
قبل التقرير والحسم فيها. بالتالي فإن التحرير يسير في اتجاه غامض وملتبس وغير
شفاف.
أما الخطر الثاني فهو
أن قرار التحرير يأتي في سياق لا أفهمه. يأتي في إطار خنق وتضييق لحرية الصحافة
والرأي منذ أحداث 11 شتنبر ليتكرس ذلك أكثر مع أحداث 16 ماي. وبالموازاة يقال لنا
إن الدولة بصدد تحرير القطاع السمعي-البصري وتحرير المهنة بينما لا يمكن الجمع بين
التضييق والتحرير لأنه جمع بين نقيضين...وهو ما يعني أن التحرير هو غاية في حد
ذاته لأنه غير مرتبط بتحولات سياسية وثقافية. إنه تحريربدون تصور وبدون رؤية
واضحة. ولنا أن نتساءل كيف سيكون هذا القطب السمعي-البصري (مثلا إدماج إتم والقناة
الثانية) لتتمكن الدولة من المنافسة وبأية أهداف وبأية إمكانات؟ الدولة التي تطلق
كل شيء, كيف يمكنها أن تتحدث عن قطب إعلامي كمرفق عام؟ وما هي الإنتاجات المنجزة
إن كانت هناك إنتاجات علما أن هذا الأمر يحتاج إلى الوقت الكافي؟
وفي كل الأحوال سننتظر
خروج النص الذي ستكون الممارسة هي المحك الأساسي له.
اليسار الموحد: في إطار
الحديث عن المخاطر المرتبطة بالتحرير, كيف تتصورون مصير الصحافة المكتوبة في ظل
تحرير القطاع السمعي-البصري؟
يحيى اليحياوي: أظن أن كل
صنف إعلامي سيأخذ موقعه بحسب جديته وقوته وتنافسيته. فظهور التلفزة لم يقتل
الراديو كما لم تقتل طفرة الفضائيات الصحافة المكتوبة رغم وضعيتها الرديئة
والمتردية...لنأخذ مثلا الجزائر, الصحافة المكتوبة بها لا بأس بها وليس مطروحا
بالنسبة لها أي مشكل مع غزو الصورة...
لذا فالصحافة المكتوبة
إذا كانت جدية وقوية لن تتأثر بالتحرير...لأنه كما للكتابة مكانتها, للصورة
مكانتها كذلك بالنسبة للناس...ففي فرنسا هناك فورة في المجال السمعي-البصري منذ 15
سنة ومع ذلك مازالت للصحافة المكتوبة مكانتها...
اليسار الموحد: الملاحظ
من الناحية الشكلية على الأقل أن هناك فرق كبير بين تشكيلة هيئة الاتصال
السمعي-البصري وبين تشكيلة هيئة الإنصاف والمصالحة. فالأولى ضمت عددا من العناصر
التي لا علاقة لها بالقطاع فيما الثانية ضمت كفاءات حقوقية وقانونية مشهود لها في
موضوع اشتغالها. كيف تنظر لهذه المفارقة؟
يحيى اليحياوي: السياق
هنا مختلف تماما. فالبنسبة لهيئة الإنصاف والمصالحة كان هناك ضغط المنظمات
والجمعيات الحقوقية والضحايا والعائلات بالإضافة إلى الضغوطات الدولية. ثم أن
الأمر يتعلق بملف فيه تورط للدولة.
أما الهيئة العليا
للاتصال السمعي-البصري فتم التعامل معها كترف وكأن لسان حال الدولة يقول: تريدون
هذه الهيئة فهي لكم وتحرير القطاع ها هو... لكن أنا من يتحكم في كل شيء.
إن التعامل مع الهيئة
العليا للاتصال السمعي-البصري كان دون المستوى. فهي أحدثت بظهير, ثم عين أعضاؤها
ولما جرى انتقاد تشكيلتها قيل إنه لا ينبغي أن نشخصن الإشكال. من سيسير ويشرف على القطاع ومهمة التحرير
أليسوا أشخاصا منا نعرفهم ويعرفوننا؟ من سنحاسب؟ ثم هل صدر كتاب أو دراسة عن قطاع
التلفزة ببلادنا؟ إن الأمر يتعلق بمهنة بل صناعة وحرفة لها قواعدها وليس أن يقحم
هذا أو ذاك في قطاع هو غريب عنه وينتظر بعد ذلك أن يتم تكوينه وتدريبه في فرنسا أو
في أمريكا...
الحقيقة أنه عندما تنظر
للهيئة ولطبيعتها وتشكيلتها والظهير المحدث لها ولمشروع قانون التحرير فإنك ستلاحظ
أن البداية عرجاء...
فمثلا إذا ما أنشأت
مجموعة أونا أو عثمان بنجلون قناة تلفزية وتم بث برنامج مسيء هل ستستطيع هيئة
الاتصال السمعي-البصري إيقافه؟ من المستبعد. لهذا السبب ولغيره فإنني أرفض أسلوب
التعيينات لأنه لا يتيح سبل المحاسبة...
جريدة "اليسار الموحد", اسبوعية, الدار البيضاء, 19-25 دجنبر 2003 (أجرى الحوار: محمد بلوك).