الجيش البريطاني يستجدي الرحيل من العراق

 

من أسابيع قليلة مضت, أبلغ كبار القادة العسكريين الميدانيين البريطانيين رئيس وزرائهم غوردن براون, ب"ضرورة سحب قوات الجيش البريطاني المنتشرة في جنوب العراق...من دون أي تأخير إضافي".

 

وأردفوا, بلهجة اليائس المنكسر: إن "الجيش البريطاني فعل كل ما في استطاعته في تلك المنطقة... وأن بريطانيا لن تسطيع تحقيق أي شيء في جنوب شرق العراق", فيما يتعلق بملفي ضبط الأمن وإشاعة الاستقرار.

 

وأوضحوا, فضلا عن ذلك, أنهم وضعوا خططا مدققة "لإعادة تمركز 5000 جندي, سيتم تجميعهم في مطار البصرة, بانتظار إعادتهم جميعا إلى ديارهم في غضون الأشهر القليلة المقبلة" عندما يؤشر لهم بذلك, وبعدما يسلموا الملف الأمني كاملا "للقوات العراقية".

 

لم تأت إلحاحية مطالبة قادة الجيش من فراغ, ولا من تقييم جزافي تكون قد أذكته نزوة هذا القائد العسكري أو ملل ذاك, بقدر ما تأتت لهم من ثلاثة معطيات كبرى, أثنتهم عن كل مكابرة, ودفعتهم دفعا بجهة استنجاد الانسحاب, لدى رئيس وزراء على كاهله تركة ثقيلة تستوجب السداد دون كبير مماطلة:

 

+ ف"الحالة سيئة للغاية" يقول العسكريون, "بعد أن تم الكشف عن رسائل وجهها جنود إلى عائلاتهم, يقولون فيها إن قصر صدام (المقام الصيفي للرئيس/الشهيد بالبصرة) الذي يتواجد فيه أكثر من 500 جندي, يتعرض لأكثر من 60 قذيفة هاون كل يوم, ما يجعل نوم الجنود في الخيم غير آمن".

 

هي حالة سيئة بكل المقاييس, سيما وهي تعبير عن واقع حال جنود مرابطين بالميدان, وليست نابعة من قادة كبار مؤمنة مداخل إقاماتهم ومخارجها. وسيئة أيضا بالقياس إلى "نسبية" هدوء الجنوب. وسيئة فضلا عن كل هذا وذاك, بالقياس إلى ما راج ويروج من مهادنة "عراقيي الجنوب" للاحتلال البريطاني, هم الذين (كما باقي العراقيين) عاشروه  وعاشرهم لعقود طويلة مضت, فاضطلع على خباياهم بدقة, بعدما جند عتاة دهاته لسبر أغوار نفسياتهم, ودرجات فعلهم وردود أفعالهم.

 

+ و"الحالة سيئة" أيضا, بالاحتكام إلى مجريات واقع حال من المتعذر حقا فك خيوطه المعقدة, فما بالك السيطرة على الفاعلين فيه, أشخاصا ذاتيين و"مؤسسات" لهم بالجنوب العراقي "حقوقا", يدعون أنها استلبت منهم استلابا بعهد البعث, ولربما منذ عشرينات القرن الماضي, حينما كان الاحتلال البريطاني جاثما على رقابهم جثما.

 

قد يسلم المرء بأن للبريطانيين بعضا من الدراية بساكنة العراق, وبجنوبه في الحالة هاته, لكنهم, وعلى الرغم من ذلك, اعترفوا جهارة بعجزهم في إدارة جهة تتقاسمها ميليشيات وعصابات, وتتقاطع بصلبها رهانات أحزاب ودول, وتتضارب بعمقها مستويات مادية ورمزية بائنة ومضمرة, تعذر على البريطانيين فهمها أو إدراكها, فما بالك تطويعها أو مسايرة فاعليها الكبار.

 

هي بالقطع معطيات معقدة, تتلاطم من بين ظهرانيها مصالح وأهواء وغرائز ومكبوتات, من العسر حقا على الجندي العادي إدراك خلفياتها, أو ضبط تحالفات مكوناتها, أو اللعب على أوتار ترسباتها لضبط أمن غائب, أو استدرار استقرار متعذر.

 

+ والحالة, فضلا عن كل ذلك, سيئة للغاية بالقياس إلى تعثر عملية سياسية, لفاعلي "الجنوب الشيعي" بها دور المركز, إذا لم يكن الدور الرائد بامتياز, منذ تسمية أعضاء مجلس الحكم, وإلى حين تشكيل وإعادة تشكيل حكومة المالكي الحالية.

 

لربما لم يكن للفاعلين إياهم من دور كبير يذكر (في حد ذاتهم أقصد), فجهتهم تحت الاحتلال شأنها في ذلك شأن ما سواها من جهات العراق, لكن أهميتهم, ومدى قدرتهم على الإزعاج, إنما تأتت من ارتباطاتهم الإقليمية, سيما مع إيران التي لها مع الأمريكان (محتلو العراق الرسميين) ثأر سياسي قديم, وتنابذ عميق بمستجدات واقع الحال...أعني بمستجدات ملف نووي ترتفع الابتزازات بشأنه أحيانا, لتخف حدتها أحايين أخرى.

 

هي, بهذا الجانب تحديدا, حالة سيئة ليس فقط بوجود أحزاب سياسييه تدين بالولاء لإيران ضمنا وعلانية, بل وأيضا لأن لذات الأحزاب مع إيران روابط مذهبية تعطي ذات الجانب بعده المادي الخالص دعما ماليا وبالعتاد, فضلا عن كونها تسيجه ب"سياج روحي", يتجاوز على المباشر من أهداف, الواضح الجلي من غايات.

 

كلها إذن, معطيات جوهرية استحضرها القادة الميدانيون, وبنوا عليها للمطالبة باستعجال الرحيل, بعدما أضحت "الوحدات البريطانية... عمليا رهينة في العراق", ناهيك عن "التراجع الكبير في حجم التأييد الشعبي للحرب", وانعكاسات كل ذلك على معنويات الجنود, وعلى قدرة الجيش على اجتذاب متطوعين جدد إلى صفوفه.

 

هي حالة إنهاك قصوى دون شك, لم تستطع القوة الخشنة الاستمراء في التغاضي عنها, ولم تستطع القيادات السياسية البريطانية ومن كلا الحزبين التجاوز عليها, لمجاراة حليف أمريكي جر على بلادها (زمن توني بلير المرتهن) خسائر جمة في الأرواح, وامتعاضا شعبيا شديدا, ناهيك عن تدمير علاقات مع عالم عربي وإسلامي, أوضح تقرير لمجلس العموم البريطاني من مدة, أنه تذمر وناصب الإنجليز العداء والكراهية.

 

وإذا كنا على قناعة تامة بأن الحرب على العراق, والمستنقع الذي استتبعها (على الأمريكان كما على الإنجليز) إنما هو الذي سرع بذهاب توني بلير, وأسهم في تردي المكانة الشعبية لجورج بوش الإبن, فإننا على القناعة ذاتها بأن خليفته برئاسة وزراء بريطانيا إنما أضحى بمحك انسحاب يلح عليه به قادة بالميدان, و"التزام سياسي" بإزاء رئيس/حليف أضحت المكابرة منحاه, بعدما تبرمت عنه شرائح واسعة من شعبه, وخذله كبار قادته بالميدان, وانصرف عنه عتاة مستشاريه ونصاحه, ولم يعد بين يديه لصد ضغوطات الكونغرس إلا فيتو رئاسي يتيم, يشهره تارة, ويلوح بإمكانية استعماله إن اشتدت عليه الضغوط.

 

ليس ثمة من شك, أن الذي أربك حسابات البريطانيين بجنوب العراق (حصتهم من الاحتلال) إنما ميليشيات (شيعية المذهب بالأساس), متضاربة المصالح حتى وإن كانت وحدانية الولاء لإيران, وأحزاب تستوظف غنيمة الموقع الجغرافي لإدراك غايات سياسية (وضمنها الانفصال التدريجي, على خلفية من دستور فيديرالي المنحى والتوجه), وشخصيات (وبمقدمتها علي السيستاني) احتار الإنجليز بين فتاواها "القاطعة" بعدم مواجهة "المحررين", وبين دعاواها المترددة "لفك الارتباط مع الاحتلال".

 

والذي أربك حساباتهم أيضا وبالأساس, إنما مقاومة عراقية تصلب عودها, وتقوت روافدها, فشددت الخناق على البريطانيين بقواعدهم, كما بمقرات إقامتهم, كما بالشوارع والطرقات.

 

إن قادة الجيش البريطاني لا يطالبون زعماءهم السياسيين التأشير لهم بالانسحاب فحسب, بل باتوا يطالبونهم بأن يكون ذلك دونما تأخير كبير...حتى  وإن كان من شأن ذلك أن يحرجهم, ويوحي بانسحاب مهزوم, يذكر العالم بما عاشه الأمريكان بحرب الفيتنام, عندما انسحبت آخر مروحية أمريكية من  سايغون بالعام 1975, ونيران المقاومة تلاحقها.

 

إن الأمر بات لدى القادة العسكريين سيان, برحيل سلمي دونما إعطاء الانطباع بالهزيمة, أو بانسحاب ذليل تحت نيران وصواريخ المقاومة.

 

بكل الأحوال,  فالمقاومة لن تتركهم ينسحبون على طريقتهم...بل ستدفعهم للهروب على طريقتها... وأم قصر التي "استقبلتهم" أوائل مارس من العام 2003, ستكون لهم بالمرصاد وهم يسرعون الخطى لبلوغ حدود الكويت, حيث كان منطلقهم لغزو العراق واحتلاله.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 27 غشت 2007