" الغرب
المنسي"
الحديث
هنا لا يخص المغرب العام, بصيغته الدالة أو في مجازه المضمر, والذي نسيته السياسات
العمومية, لا بل واشتغلت على النقيض من مصالحه لأكثر من نصف قرن من الزمن. ولا
يروم الكلام هنا ذاك المغرب المقصى أبناؤه من فضائل الثروة والسلطة والحق في
الكلمة.
إنه
(أعني الحديث) يروم التطرق لجزء جغرافي من المغرب, يمتد تحديدا من مدينة القنيطرة
بتخوم العاصمة الرباط, وإلى حدود محافظتي تاونات وفاس وسهول سايس المترامية
الأطراف.
هي
منطقة غنية بفلاحتها, التقليدية كما العصرية على حد سواء, وغنية بمنتجاتها الغذائية,
خضراوات وفواكه وأعناب ولحوم, وغنية بثرواتها المائية وبطبيعة تربتها الجيدة,
وغنية فضلا عن كل هذا وذاك, بيدها العاملة, المكدة والمكابرة بملكيتها الخاصة
الصغيرة, كما بالضيعات الكبرى التي يملكها هذا الإقطاعي كما ذاك, بلغة أهل البلد.
ولهذا
السبب, فقد كانت المنطقة منذ بداية القرن الماضي, وجهة المعمرين الفرنسيين, شيدوا
بها الضيعات الشاسعة, ومدوا بها لفائدتهم قنوات ومسالك في الري والكهرباء والطرق
والهاتف, واستصدروا لصالحهم ما توفر من يد عاملة, حولوا مكتنزيها بالتدريج إلى
عبيد يعملون دون مقابل مجدي, وإن عملوا بمقابل, فلتغطية ما يضمن إعادة إنتاجهم كيد
عاملة بتعبير كارل ماركس.
ولهذا
السبب أيضا, تحول الغرب ( بظل الحماية) من منطقة جغرافية جافة إلى حالة اجتماعية
وتاريخية نموذجية, أستطيع الجزم بأن ذات المعمر نجح في تحويل مجالها إلى
"عمران" حقيقي, وأراضيها وسهولها إلى فضاء إنتاج بامتياز, ونقطة تصدير,
ثم مصدر "رزق" للعديد من العمال والفلاحين.
لم
يختلف الأمر كثيرا بالمنطقة عندما حل "الاستقلال", فحول جزءا من أراضي
المعمرين لفائدة الدولة, في حين تكالب على الأغلبية الباقية وجهاء وأعيان وقواد
حماية ومنتمين لهذا "الحزب المجاهد" أو ذاك, حتى باتت المنطقة برمتها,
بعد خمسين عام من "الاستقلال", وبعد تجربة في المغربة خبيثة وعنصرية,
عبارة عن إقطاعيات هنا وهناك, وضيعات شاسعة هنا وهناك, لا بل و"مملكات
فلاحية" هنا وهناك... داخل المملكة الشريفة.
قد
يحزن المرء على حال ما كانت عليه المنطقة أيام المعمر. لكنه يحزن أكثر عندما يلاحظ
كيف تحولت ضيعاته العصرية, على أيدي " المعمر المغربي", إلى مجالات
فضائية جزء منها مستغل بطرق عشوائية, وجزء آخر موجه للتصدير, لكن بإنتاجية
متواضعة, فيما الجزء الأكثر عرضة للإهمال وسوء التدبير.
وبناء
عليه, فإنه ليس من المبالغ فيه حقا القول بأن واقع حال منطقة الغرب اليوم, إنما هو
نتاج سلوك هؤلاء "المعمرين" الجدد, الذين تحايلوا على الملك العام
المشترك, فحولوه إلى إقطاعيات بدائية, تقوم عليها كائنات لا علاقة لها بصنعة
الفلاحة, ولا بتقنيات التدبير والتسيير المتعارف عليها.
ولعل
الأنكى من ذلك كله, أن هؤلاء هم من فسح له في المجال واسعا ليصل إلى سدة البرلمان,
بجهله أو أميته أو بهما معا, لكن بفضل ما توفر له من ريع هين وشبكات زبونية
سرطانية ومال حرام.
إن
هؤلاء كما أولئك, هم الذين اغتصبوا منطقة الغرب, وأهانوا كبار قومها, وحولوا
مجالها الجغرافي إلى أراض بور, ومقالعها الغنية إلى وكر من الأشباح والحفر والمغارات,
وضيقوا على الفلاح الصغير حتى ربطوا مصيره بمصيرهم, فأضحى عاملا عاديا لا يلوي على
شيء يذكر.
إنهم
حولوا المنطقة إلى منطقة لهم وحدهم, فمارسوا الحصار على أهلها وذويها, وحرموهم من
البنية التحتية الأساس, ومن المستشفيات والمدارس, ومن الجامعات ومراكز التكوين,
ومن شبكات الماء والكهرباء وقس على ذلك.
إنهم
ثووا خلف كل ذلك, حتى إذا وصل الملك محمد السادس إلى سدة الحكم, بقوا على سيرتهم
الأولى, وكرسوا منطقة الغرب كمنطقة منسية, لا بل قل مهمشة, تعيش على تهميشها الممل.
إذا
لم يكن الأمر كذلك, فليقدم لنا تفسير عن ترك المنطقة وجها لوجه مع الطبيعة, بفصول
الجفاف, كما بظروف الفيضانات, التي أخذت بجريرتها من مدة الأخضر واليابس, ولم
يتحرك لتفقد المنطقة لا وزير أول ولا أعضاء حكومة, ولا نوابا في البرلمان, والمفروض
أن يكونوا بجانب الضحايا إذا لم يكن آناء الليل, فعلى الأقل ببعض من أطراف النهار؟
وإذا
لم يكن الأمر كذلك, فليؤتونا بتفسير أو بتبرير عن السر وراء عدم دعوة الملك لزيارة
المنطقة ولو لمرة واحدة, هو الذي لم يتردد في زيارة كل مناطق وجهات البلاد, ولكأني
بهم يحاصرونه كما يحاصرون أهل المنطقة؟
يحيى اليحياوي
الرباط, 10 أكتوبر
2011