"غول
الاستيطان"
ربطت
الحركة
الصهيونية,
ومنذ
البدايات
الأولى لها,
أي منذ أن
بدأت تفكر في
استيطان
فلسطين, ربطت
بقوة بين
ثلاثية الأرض
والهجرة
والاستيطان,
حتى غدت
الثلاثية
إياها مرتكزا
استراتيجيا بنيويا,
لا يزيغ عنه
إلا من لا
يؤمن بالفكر
الصهيوني, أو يتخلف
عن جعله
المرجعية
الأساس لإقامة
دولة إسرائيل,
وتوسيع
مجالها
الجغرافي,
ليطاول ما
استطاع
مطاولته
بالإغراء
المضمر, أو
بقوة
الاستصدار
الخشن, أو
بمزيج فيما بينهما
بهذا الشكل أو
ذاك.
إن
للأرض مكانة
جوهرية في
الفكر
الصهيوني,
الثاوي خلف
السلوك
الإسرائيلي
منذ أقيمت
الدولة
بالعام 1948, وحتى
يومنا هذا,
مرورا بكل
الوزارات
المتعاقبة
على الحكم بيمينها
ويسارها, والتي
جعلت من ذات
الفكر نبراسا
لها, ومرجعية
مشتركة, لا
مزايدة حولها
إلا ببعض
التفاصيل
والترتيبات.
تقول
النبوءة
التوراثية/السياسية
المتمثلة في
"أرض
الميعاد": إن
"ما يمنحه
الله لا
يستطيع إنسان
على وجه الأرض
انتزاعه منا". وتقول
المادة
الثالثة من
دستور الوكالة
اليهودية:
"تستملك
الأراضي كملك
لليهود, وتسجل
باسم صندوق
رأس المال
القومي
اليهودي,
وتبقى مسجلة باسمه
إلى الأبد.
كما تظل هذه
الأملاك ملكا
للأمة
اليهودية, غير
قابل للانتقال".
ويقول
هرتزل, الأب
الروحي
للفكرة
الصهيونية:
"إن الحركة
الصهيونية,
منذ نشأتها
كحركة, وضعت
أمامها هدف
الاستيلاء
على الحد
الأقصى من الأرض,
كحتمية
لإقامة دولة
يهودية
كبيرة". ويقول
أوشكسين من
بعده, وهو من
غلاة ذات
الفكرة: "من
أجل تأسيس
حياة مستقلة
للطائفة
اليهودية, أو
على الأصح
تأسيس دولة
يهودية في
فلسطين, من
المحتم
بالدرجة
الأولى أن تكون
جميع أراضي
فلسطين أو
معظمها, ملكا
لشعب إسرائيل,
وبدون حق
ملكية الأرض
لا تكون
فلسطين يهودية
أبدا, مهما
يكن عدد
اليهود في
المدن
والقرى".
لقد
نجحت إسرائيل
بالبناء على هذا
التصور, وبكل
السبل
المتاحة لها,
وليهود
العالم
الأثرياء من
خلفها, في
الاستيلاء
"والسيطرة
على ما يقارب
عشرين مليون
ونصف مليون
دونم من مساحة
فلسطين بأكملها,
ومن
الاستيلاء
على مساحات
شاسعة من الأراضي
العربية,
العائدة إلى
المواطنين
الذين طردوا
من مدنهم وقراهم,
أو تركوها
بسبب الحرب أو
على إثرها".
وبقدر
نجاح ذات
الحركة في
ذلك, بقدر
نجاحها أيضا
في حشد
الملايين من
اليهود في
فلسطين, بغاية
تهويد مجالها
الجغرافي
والبشري بالكامل.
فأقامت
المئات من
المستعمرات
اليهودية فوق مئات
آلاف
الدونمات
العربية, المصادرة
في الأراضي
المحتلة,
وأسكنت بها
مئات الآلاف
من اليهود
المهاجرين أو
المهجرين.
ففرضت بذلك,
على العرب
وعلى العالم
أيضا, وقائع
عسكرية
وجغرافية
واقتصادية
وسياسية, بات من
المتعذر حقا
التجاوز
عليها, أو
المكابرة في
الالتفاف حول
حقيقتها.
الأرض,
إذن هي
العنوان
الأبرز
للقضية, ووجه
الصراع الخفي
والمعلن مع
إسرائيل هو
حول مستقبلها
ومستقبل
هويتها. أما
أداة إسرائيل في
ذلك فهو
الاستيطان,
باعتباره
العنصر
الناظم
للثلاثية,
ثلاثية
"الأرض
والهجرة
والاستيطان",
في
الاستراتيجية
الصهيونية.
ولما كان
الأمر كذلك,
فقد عمدت
إسرائيل إلى إعلان
سيادتها على
كل شبر تصادره
أو تحاصره أو
تقوم
باحتلاله, حتى
بات لها,
بنهاية حرب
العام 1967, النصف
تقريبا من
مساحة الضفة
الغربية,
بعدما لم يكن
لها منها إلا
حوالي 5.5 مليون
دونم بالعام 1948,
على شاكلة
مستوطنات
متفرقة, لكنها
عبارة عن مدن
قائمة حقا
وحقيقة, تحتوي
اليوم على كل
مرافق وبنيات
المدن
العصرية
الكبرى.
وعلى
الرغم من
اعتبار حدود الأرض
والمستوطنات
والقدس, ضمن
محاور
المفاوضات
النهائية, فإن
جل حكومات
إسرائيل
المتعاقبة لم
تلتزم بذلك,
بل استمرت في
بناء
المستوطنات
وتوسيعها,
ومصادرة
المزيد من
الأراضي
الفلسطينية لإقامة
مستوطنات
جديدة عليها,
حتى أضحت 40
بالمائة من
أراضي
المستوطنات
في الضفة الغربية
ملكية خاصة
للمستوطنين,
وأضحى معها حلم
الدولة
الفلسطينية
مجرد أمل
وسراب.
إن
الضفة
الغربية باتت
بالكاد
"دويلة
الفلسطينيين",
وإن ما تقوم
به إسرائيل,
وضمنه بناء
الجدار العازل,
إنما من شأنه
منع أي أفق
لقيام دولة
مكتملة
الامتداد, ذات
سيادة, سيما
وقد بات
للمستوطنين
من القوة
والجلد, ما
يجعلهم
يهددون
بإقامة
"دويلة
المستوطنين
اليهود
بيهودا
والسامرة",
ذات حكم ذاتي,
إن تجرأت دولة
إسرائيل
وأبرمت اتفاق
انسحاب مع
الفلسطينيين.
إن
الحديث على
خلفية من دولة
المستوطنين
ليس مبالغا
فيه, يقول
نواف الزرو في
إحدى دراساته
الحديثة, "ذلك
أن
المستوطنات
اليهودية
المنتشرة في أنحاء
الضفة
والقطاع,
عبارة عن
ترسانة مسلحة
أولا, عبارة
عن مستنبتات
أو دفينات
لتفريخ الفكر
السياسي
والإيديولوجيا
الإرهابية
ثانيا,
ودفيئات أيضا
لتشكيل
وانطلاق
التنظيمات والحركات
الإرهابية
ثالثا, فضلا
عن كونها قوة
ضغط هائلة على
قرارات
الحكومة
الإسرائيلية,
ونهجها
الاستيطاني"...على
خلفية من نمو
طبيعي للسكان
لا يتعدى 1.6 بالمائة.
لا
شيء إذن يردع
الاحتلال عن
التوسع
والاجتياح
والمصادرة والتطهير
العرقي الممنهج,
بالضفة
الغربية, وبالقدس
تحديدا, حيث
عملت
الحكومات
الإسرائيلية
المتعاقبة,
بعيدا عن
المفاوضات
واللقاءات
الإعلامية,
بالتعاون مع
منظمات
وجمعيات استيطانية
ودينية
متطرفة, على
مشروع
استصدار ما
يمكن
استصداره,
وتهويد ما
يمكن تهوديه.
وهو ما يجري
على قدم وساق
بالقدس, حيث
الأفق المرسوم
هو ضمان مدينة
مهودة بنسبة 90
بالمائة بأفق
العام 2020, مع
استمرار
الحفريات
بغرض تقويض
أساسات المسجد
الأقصى, ودفعه
للانهيار
بقوة الأمر
الواقع.
وعلى
الرغم من
الوعود
"الصارمة",
التي قدمها
مشروع الرئيس
الأمريكي
أوباما, بضرورة
الإيقاف
التام
للاستيطان,
بأفق إحياء
مسلسل
المفاوضات
بين إسرائيل
والسلطة
الفلسطينية,
فإن حكومة
نتنياهو لم
تكترث بذلك
كثيرا, واحتمت
من جديد
بمرجعيتها
الصهيونية,
المتمثلة في
استمرار قضم
الأراضي,
وتهويد
الأراضي المصادرة,
ثم إحكام
القبضة على
القدس, وبعد ذلك,
وبعده فقط,
يمكن مناقشة
فكرة دولة
فلسطينية, لكن
مقطعة الأوصال,
عبارة عن
كنطونات هنا
وهناك على ما
تبقى بالضفة,
دون سيادة أو
جيش, ولكأن
الفلسفة
القائمة إنما
إحداث
تغييرات
جوهرية على
الأرض, لمنع
قيام دولة
فلسطينية,
قادرة على
العيش
والاستمرار.
لقد
كابر الرئيس
الأمريكي
وتمنع, لكن
المطاف انتهى
به بالمحصلة,
إلى التماهي
مع طروحات
نتنياهو
وحكومته: لا
للإيقاف التام
والفوري كما
يقول أوباما,
بل توقيف مؤقت
وجزئي (مع
استثناء
البناء بداخل
القدس ومحيطها
من هذا
القرار), ومشروط,
فضلا عن ذلك, بتطبيع
العرب مع دولة
إسرائيل,
تطبيعا كاملا
ودون تردد.
المصيبة
أن العرب
استلطفوا ذات
الطرح, فبدأوا
يتماهون مع
فكرة التطبيع
مقابل
التجميد
المؤقت
والجزئي
للاستيطان,
فتحولت
المعادلة
تدريجيا من
سلام مقابل
الأرض, إلى
سلام مقابل
سلام, ثم إلى
سلام مقابل
تجميد مؤقت
وجزئي
للاستيطان.
إنهم استلطفوا
فكرة أن يدار
الصراع, عوض
أن يستنبتوا
من بين
ظهرانيهم
سبلا جديدة
لإنهائه...
وضمن هذه
السبل
الناجعة حتما,
الاصطفاف حول
مبدأ
الممانعة
والمقاومة.
يحيى
اليحياوي
الرباط,
21 شتنبر 2009