حروب الإعلام "الوقائية"

يحيى اليحياوي

 

منذ مدة ليست بعيدة، تبنت الولايات المتحدة الأمريكية تصورا جديدا في منظومتها العسكرية (وفي خطابها السياسي أيضا) يرتكز في منطوقه وفي الجوهر، على تمثل للحرب " وقائي"... بعدما لم تعد سبل الردع، المعتمدة من لدنها إلى حين عهد قريب، نافعة في "اتقاء الشر القادم من الخارج" أو أثبتت لها الوقائع عدم فاعليتها ونجاعتها.

 

والواقع أنه مذ ضربت الولايات المتحدة في عقر دارها في الحادي عشر من شتنبر وما ترتب عن ذلك من ضرب لأفغانستان (بغرض تدمير منظمة القاعدة ونظام طالبان الذي كان يأويها ويضمن لها الحماية)، منذ ذاك التاريخ لم تعد الولايات المتحدة مرهونة بسياسات الردع (أو الاحتواء) التي لطالما نهجتها، بل طورت على أنقاضها أطروحة "الحرب الوقائية" التي على أساسها (كما قيل وراج) شن العدوان على العراق في العشرين من مارس 2003.

 

والمقصود بالحرب الوقائية، في ذهن واضعيها على الأقل، إنما تلك الحرب (المتعددة الأشكال والأنواع والأطياف) التي " من المفروض" شنها على دولة أو نظام أو مجموعة أو ما سواها بهدف إزاحة ما يعتبرونه تهديدا لأمن بلادهم القومي حتى قبل أن يأخذ هذا التهديد شكلا أو يكتسي مضمونا أو يتم له أن يتجسد على أرض الواقع.

 

يقول وزير الدفاع الأمريكي الحالي في 31 يناير 2002 أمام الضباط المتمرنين بجامعة الدفاع الوطني بواشنطن: " يجب أن نتحرك الآن كي تكون لنا قدرة  الردع فيما بعد على أكثر من مسرح عمليات...يجب أن نكون قادرين على تحقيق الانتصار على عدوين في الآن معا مع إمكانية شن هجوم مضاد كبير، في خضم ذلك، يمكننا من السيطرة على عاصمة العدو وإقامة نظام جديد بديل عنه".

 

هي " درء" لخطر محتمل قادم، مواجهة " لعدو" مؤكد القدوم وفضلا عن كل ذلك، أداة لردعه بالقوة ما دام واقع الحال (أو هكذا يقال) قد أثبت تعذر ذلك أواستحالة بلوغه بالسبل الدبلوماسية والسياسية المعتادة.

 

من هنا، فالاستراتيجية الوقائية في تصور المؤسسة العسكرية/السياسية الأمريكية، لا تنحصر في توظيف الأداة الدبلوماسية والقانونية لإزاحة "أسلحة دمار شامل" مشتبه في تواجدها بهذه الدولة أو تلك أو ل" تجفيف منابع الإرهاب" بمحاصرة القائمين عليها (فكرا أو ممارسة) أو لتجميد شبكات التمويل المتوفرة لديهم أو ما سوى ذلك، بل وتذهب لحد استخدام الآلة الحربية المباشرة لبلوغ ذات الهدف وتحييد المشار إليهم بالأصبع دولا كانوا أو مجموعات.

وعلى هذا الأساس، ف"الحرب الوقائية" التي شنت على العراق يوم العشرين من مارس لم تبدأ حقيقة في هذا التاريخ، بل ابتدأت عدوانا بكل المقاييس، منذ قرار الحصار نهاية 1990 وقرارات التفتيش التي جالت الأمم المتحدة بموجبها العراق ولم يثبت لدى مفتشيها أثرا لأسلحة دمار شامل من نوع ما ولا قدرة أو قابلية للنظام القائم بالعراق على تهديد أمن أمريكا أو المس برفاهية مواطنيها أو تهديد تواجد ما لها بهذا المكان أو ذاك.

 

وبقدر ما لا نعتقد، بالجملة والتفصيل، بصدقية ذات الأطروحة (على الأقل بالنسبة للعراق)، كونها الواجهة التبريرية التي على خلفيتها شن العدوان وضرب العراق نظاما ودولة، شعبا وعمرانا وتراثا، فإننا لا نعتقد قطعا ببراء المؤسسة الإعلامية (الأنجلوأمريكية أساسا) من ذات الخلفية أو اعتبارها متخلفة عن تبني ذات المنظومة أو توظيف خطابها لخدمتها.

 

بالتالي، فالعدوان الذي شنه التحالف الأنجلوأمريكي على العراق يوم العشرين من مارس لم ينحصر البعد "الوقائي" فيه في الجانب العسكري (أو الحربي)، بل تعداه شكلا ومضمونا ليطال المجال الإعلامي بكل روافده.

ومعنى هذا أن المؤسسة الإعلامية الأنجلوأمريكية، قبل العدوان بكثير كما خلاله وبعده، لم تكن متبنية للإيديولوجية الوقائية قلبا وقالبا فحسب، بل كانت رافدا من روافدها الكبرى إذا لم تكن رافدها المركزي بامتياز:

 

+ فالمؤسسة الإعلامية الأنجلوأمريكية (ممثلة أساسا في كتبة الصحف والمجلات وفي الشبكات التلفزيونية الأستروأمريكية) لم تتبن ذات الإيديولوجية لدرجة الاندغام فيها فحسب، بل ذهبت لحد المطالبة باستعجال تنفيذها على اعتبار أن الاحتمال يوحي بها  والاحتمال أقوى من الواقع كما يقول إيمانويل فالرشتاين في سياق مغاير. بالتالي، وجبت مباغثة "العدو" المحتمل و" ضربه في المرقد" قبلما يتحرك أو يكون له "السبق" في اعتماد ذات الأسلوب.

 

ليس من المبالغة في شيء إذن القول بأن ما دفعت به الشبكات التلفزية (قبيل العدوان على العراق كما خلاله) إنما هو "حرب وقائية إعلامية" تكفلت ذات الشبكات بتنفيذها مذ اصطفت في خطابها وراء خطاب المؤسسة العسكرية ليتبنيا معا نفس المسلك ويدفعا بنفس المنظومة السيميائية.

 

اصطفاف ذات المؤسسة وراء المستوى السياسي/العسكري الأمريكي (حول شعار "الحرب الوقائية") إنما هو بالمحصلة اصطفاف حول الهدف وحول التصور وحول الأداة، وهو ما تراءى جليا طيلة أيام العدوان على العراق حيث لم تنقل لنا وسائل الإعلام الأنجلوأمريكية إلا "الضربات الوقائية" (الموجهة " بدقة متناهية ودونما مس بالمدنيين") في حين تغافلت عن فظاعة ذات الضربات (والضربات الأخرى) وكذا الكوارث التي خلفتها في البشر والعمران والآثار.

وعلى هذا الأساس، فلو تسنى يوما لهذه الأطروحة أن توضع على محك المحاكمة فستجر المؤسسة السياسية/العسكرية حتما وتجر بجريرتها مؤسسات الإعلام هاته.

 

+ ثم أن المؤسسة الإعلامية (بداية مراحل العدوان على العراق) لم " تستنكر" فقط عرض بعض القنوات الفضائية العربية لبعض من القتلى والأسرى الأنجلوأمريكيين، بل نددت بذات "السلوك" تماما كما نددت به المؤسسة السياسية/العسكرية سواء بسواء.

 

والسر في ذلك لا يكمن، فيما نتصور، في تخوفهما معا من ارتداد تلك الصور على الخطط العسكرية (والإعلامية) الموضوعة، ولكن أيضا خشية أن يحول احتمال الترويج لصور أخرى دون استمرار العملية العسكرية نتيجة ما قد يترتب عن ذلك من "اهتزاز للرأي العام الأنجلوأمريكي أو العالمي".

 

لو سلم المرء جدلا بعدم جواز عرض ذات الصور (بموجب معاهدة جنيف أو غيرها)، فإنه لن يستطيع التسليم بالآية من عرض الآلة الإعلامية الأنجلوأمريكية لأسرى عراقيين (حتى من المدنيين) ينكل بهم ويداس على كرامتهم بالأقدام.

 

هو استفهام موضوعي ذاك الذي يتساءل في خلفية عرض الأسرى العراقيين أمام كاميرات التلفزيونات في حين " يستنكر" عرض أسرى من الجانب الآخر: إذ لو كان لذات "الحرب الوقائية" أن تنحصر في منطوقها على الأقل، لانحصرت عند اعتبار موجب الوقاية من هذه الجهة كما من تلك.

 

+ لا تقف "الحرب الوقائية" عند هذا المستوى أو ينحصر مفعولها عند هذا الحد، بل تتعداه لدرجة ضرب مؤسسات إعلامية (تلفزات فضائية أعني في حالة العدوان على العراق) أو محاصرة أخرى أو العمد إلى استهداف هذه الوكالة الإخبارية أو تلك، هذا الصحفي أو ذاك.

 

ليست من الأهمية بمكان ردة فعل المؤسسة السياسية/العسكرية بهذا السلوك، ولا المطلوب تبريره من لدنها (فهذا أمر دونه ودون ذلك المدى البعيد)، لكن المهم (والداعي حقا للتعجب) هو "الطرح" الذي دفعت به المؤسسة الإعلامية لتبرير ما وقع " لرفاق لها في المهنة".

 

فهي لم تعتبرهم فقط " ضحايا قصف خطأ" ولا " ضحايا استهدفتهم الآلة الحربية دون موجب حق"، بل اعتبرتهم "حلفاء للنظام القائم، يدافعون عنه، يتحصنون بهياكله القائمة ولا يتوانوا في تمكين أركانه من الظهور".

 

لا يمكن أن ينتابنا أدنى شك في أن "الحروب الوقائية" التي اعتمدتها الولايات المتحدة رسميا منذ الحادي عشر من شتنبر 2001 وكرستها على أرض الواقع بالعراق منذ العشرين من مارس 2003، هي أيضا وبكل المقاييس حروب إعلامية في المقام الأول:

 

+ فهي (أعني هذه الأخيرة) لم تستنفر في منظومتها السيميائية خطاب ذات المؤسسة (الأولى أقصد) ولم تكتف بالبناء لها والتأسيس، بل وروجت لها ونظرت... لدرجة يغدو الأمران معا ولكأنهما أمر واحد من المتعذر على المرء وضع تمييز بينهما في الطبيعة أو في تراتبية الوظيفة.

 

+ وهي (أي المنظومة الإعلامية) لم تنفر من ارتهان دواليبها وفلسفتها من لدن المؤسسة السياسية/العسكرية في شكلها كما في الجوهر، ولا تعتبرذلك تنقيصا من قيمتها أو مصداقيتها، بل تعتبر تبني أطروحة "الحرب الوقائية" دفاعا من لدنها عن " قيم" سامية لا تستطيع الدول الأخرى (أو المجموعات أو الشعوب) تفهمها ولا الانخراط فيها...

بالتالي، وجبت محاصرتها إعلاميا وتوظيف الآلة العسكرية (بعد ذلك أو بموازاته) لتحييدها و"اتقاء الشرور التي قد تترتب عن سلوكها".

 

لم تعد المؤسسة الإعلامية، جراء ذات الاعتقاد، مصدر سلطة من شأنها العمل على لجم "سلطة" السلاح والحرب (أيا ما تكن المسوغات لذلك)، بل أضحت مكونا من مكوناتها، عنصرا من عناصرها وأداة القرار التي على خلفيتها يتم كل هذا وذاك.

 

قد لا يحزن المرء إطلاقا (أو يحزن قليلا) على النظام الذي كان قائما بالعراق أشيع ضده أكثر ما قيلت الحقائق بشأنه، وقد لا نتحامل كثيرا على طبيعة تغطية العدوان  (على اعتبار ما ساد من حصار ومحاصرة)...لكن الذي يدفع للحزن حقا (وللحسرة والأسى أيضا) كون المؤسسة التي لطالما دفعت بمبدأ السلطة الرابعة لم تعد فقط مرتهنة للذي يرفض لها ذات التطلع بل وناطقة باسمه دونما تحفظ  كبير.

 

بالتالي، " فالحروب الوقائية" السائدة (كما القادمة حتما) لن يعود لها فيما يبدو من رادع يذكر ولا من مدين يذكر أيضا: ستكون "حروبا وقائية" لا هدف لها ولا محيط، ستختلط لديها الدبابة بالشاشة، الصحفي بالجندي، الهارب بالمستسلم...ستكون حرب إبادة جماعية لن تختلط بموجبها الآلة الحربية بالآلة الإعلامية...بل ستختلط لديها دون شك الأهداف المتحركة بالنقط الثابتة في هدف واحد وموحد.