"القرن العشرون: حروب وثورات غيرت وجه العالم"

 

ياسين سويد, منشورات دار الخليج, الشارقة, 2000, 112 ص.

 

بهذا الكتاب, يقدم ياسين سويد عرضا واسعا وتحليلا ضافيا, لأهم ما شهده القرن العشرون من حروب وثورات, "تمكنت بمجرياتها ونتائجها من أن تغير الوجه الذي كان عليه العالم في القرن التاسع عشر". كما يتعرض للثورات العشر الكبرى التي شهدها القرن العشرون, وأيضا لأهم حركات التحرر الوطني, التي تمكنت من إنهاء الاحتلال والاستعمار, بالعديد من قارات ودول العالم.

 

ينقسم الكتاب إلى ثلاثة محاور أساس, أفردها الكاتب لملامسة حروب وثورات وحركات التحرر التي ميزت برأيه, قرنا كاملا من الزمن:

 

+ بالمحور الأول ("حروب في القرن العشرين"), يقف المؤلف عند إرهاصات ونتائج الحرب العالمية الأولى, حيث يؤرخ لبداياتها بالحرب الروسية- اليابانية للعام 1904-1905, التي نتجت عن تخوف اليابان من توسع روسيا المحتمل في الشرق الأقصى, فشنت عليها حربا مفاجئة, انتهت بانتصار ساحق لليابان, أعقبه توقيع معاهدة "بورتسماوث", تنازلت روسيا بموجبها لليابان, على منشوريا وجزيرة لياوتونج, ونصف جزيرة سخالين.

 

بالمقابل, ومع تهالك الأمبراطورية العثمانية, بدأت الدول الأوروبية (سيما فرنسا وإيطاليا) تراهن على دخول شمال إفريقيا بالقوة, فأعلنت إيطاليا الحرب على السلطنة, وبدأت بإنزال أسطولها بالعديد من المدن الليبية, مثل طرابلس وبنغازي وبرقة والخمس ودرنة, وفيما بعد مصراتة وزوارة وغيرها.

 

وأمام انكشاف "التهافت البنيوي والعسكري الذي كان ينتاب السلطنة العثمانية, مما شجع القوميات الأخرى الخاضعة لها لكي تثور عليها, فكانت الحرب البلقانية الأولى عام 1912-1913, بين السلطنة وكل من بلغاريا واليونان وصربيا والجبل الأسود. وهي الحرب التي انتهت بانفصال دول أوروبا الشرقية عن السلطنة, مما مهد للحرب العالمية الأولى, التي قوضت أركان السلطنة, وأعادت تركيا إلى حجمها الحقيقي".

 

لكن المؤلف يؤكد, مع ذلك, على أن البداية الفعلية للحرب العالمية الأولى كانت بتاريخ 28 يوليوز 1914, "عندما أعلنت النمسا الحرب على صربيا, وكان السبب المباشر والظاهر لها هو مقتل ولي عهد النمسا على يد طالب صربي في سراييفو بتاريخ 28 يونيو من العام نفسه".

 

لكنه كان ثمة أسباب عديدة لهذه الحرب, سيما لو استقرئت على ضوء تزايد النزعة القيصرية لألمانيا, المتعاطفة مع النمسا وإيطاليا وما تبقى من السلطنة, مقابل صربيا الناهضة من حربها ضد السلطنة, والتي بدأت تقترب من فرنسا وروسيا وتتعاطف مع بريطانيا.

 

بالتالي, فبمجرد إعلان النمسا الحرب على صربيا, أعلنت روسيا التعبئة بكل أراضيها, لتعلن ألمانيا بثالث غشت 1914 الحرب على فرنسا, ويعلن الاتحاد النمساوي/الهنغاري الحرب على روسيا بالخامس من غشت, لينقسم العالم جراء ذلك وجراء غيره, إلى دول للمركز (الاتحاد النمساوي/الهنغاري وألمانيا وبلغاريا والسلطنة العثمانية), ودول للتحالف, وتضم فرنسا وبريطانيا وبلجيكا وصربيا والجبل الأسود واليابان وإيطاليا والبرتغال ورومانيا وأمريكا واليونان.

 

وقد ترتب عن هذه الحروب الضروس تغيير لخارطة أوروبا السياسية, وتقاسم السلطنة العثمانية بين الدول المنتصرة, وأيضا تقاسم الانتداب على المشرق العربي, وفق اتفاقية سايكس بيكو بالعام 1916, والشروع في تنفيذ وعد بلفور لليهود, ناهيك عن الخسائر البشرية الفادحة (مليون قتيل من الأرمن لوحدهم على يد الأتراك).

 

وفي حديثه عن الحرب العالمية الثانية (كأحد أكبر الأحداث بالقرن العشرين), يحمل الكاتب من جديد, السبب فيها للحرب بين روسيا واليابان بالأول من يونيو من العام 1939, ثم بين اليابان وفنلندا, وهما الحربان اللتان مهدتا للحرب العالمية الثانية, بنظر المؤلف, بالإضافة للحرب الأهلية الإسبانية للأعوام 1936-1939, ناهيك عن الحروب الصغيرة التي نشبت بأوروبا بداية ثلاثينات القرن العشرين.

 

ويعتبر المؤلف أن ألمانيا النازية المتحالفة مع إيطاليا الفاشية, كانت مصدر توجس العديد من الدول الأوروبية, سيما فرنسا وبريطانيا, بعدما خرج هتلر على اتفاقات عصبة الأمم, ونقض معاهدة فرساي للعام 1935, وبعدما ضم إليه النمسا, وسيطر على تشيكوسلوفاكيا وأجزاء من بولونيا وليتونيا, وعقد معاهدة مع الاتحاد السوفياتي لكسب حياده فيما هو عازم القيام به.

 

وقد تمكن هتلر (بحكم تفوقه العسكري) من إدراك العديد من غاياته وضم العديد من الدول, واشتبك مع فرنسا وبريطانيا, عندما وجه جيوشه بجهة بلجيكا وهولندا فدحرهما, لتستسلم بلجيكا في 28 ماي 1940, وليدخل فرنسا التي أقام بها حكومة موالية له. بعد ذلك, وجه هتلر جيوشه بجهة يوغوسلافيا واليونان فاحتلهما وأجبر ملك اليونان للفرار إلى مصر.

 

أما الاتحاد السوفياتي, فبدأ بدوره يخشى المد النازي الجارف, على الرغم من معاهدته مع هتلر, سيما وقد سيطر هذا الأخير على رومانيا وبلغاريا والمجر ويوغوسلافيا وجزر بحر إيجه. كما أن ألمانيا نفسها, بدأت تتحوط من النفوذ الشيوعي الذي طاول بعض البلدان المجاورة, مما دفع هتلر لغزو الاتحاد السوفياتي في صيف العام 1941, ليصل إلى حدود لينينكراد, ويحاصرها لأكثر من 16 شهرا, ويشارف على العاصمة موسكو, لكنه يجابه بمقاومة شديدة دفعت بقواته للانحدار تباعا.

 

بالجهة الأخرى, شن الطيران الياباني غارة جوية مفاجئة على الأسطول الأمريكي المرابط ببيرل هاربر (على خلفية دعم الأمريكان لمنشقين عن سلطة الأمبراطور), مما دفع الولايات المتحدة لإعلان الحرب على اليابان, وبطريقة غير مباشرة على ألمانيا وإيطاليا. لقد كان في استفزاز اليابانيين للأمريكان مقتلهم, حيث فتحت عليهم أكثر من نافذة لم يستطيعوا مواجتها بالآن ذاته.

 

اشتد الضغط على الألمان من جهة الاتحاد السوفياتي, واشتد عليهم من لدن الأمريكان والبريطانيين من جهة أخرى, وتوالت اندحارا تهم بشمال إفريقيا. فكان أن دخل الأمريكان فرنسا عبر النورماندي, ودخل السوفيات برلين (في 2 ماي من العام 1945), ولم يبق إلا ضرب اليابان بقنبلتين نوويتين لتضع الحرب أوزارها مخلفة أكثر من 80 مليون قتيل, وتقسيم ألمانيا, وبروز الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي كقوتين عظميين, وإنشاء هيئة الأمم المتحدة على أنقاض عصبة الأمم, وبروز الكيان الصهيوني على خريطة العالم.

 

لكن انتهاء الحرب العالمية الثانية دشن أيضا لنشوب حروب إقليمية جديدة بالهند الصينية مثلا, حيث انفجار الحرب الفرنسية/الفيتنامية (1945-1954) وأيضا الحرب العربية/الإسرائيلية التي استتبعت قرار تقسيم فلسطين, والتي ترتب عنها تشريد شعب بأكمله, والحرب الكورية (1950-1953) التي أفرزت الكوريتين, والحرب الثلاثية على مصر عبد الناصر عندما عمد إلى تأميم قناة السويس, وبدأ ينتفض على النظام العالمي القائم, وما استتبع ذلك من نكسة العام 1967, وحرب الاستنزاف والنصر المتواضع لحرب أكتوبر 1973, ناهيك عما عمدت إليه السياسات الإسرائيلية من استهداف للبنان واحتلال جنوبه, وحروب الخليج المتتالية وما ترتب عنها من خراب الزرع والضرع.

 

+ بالمحور الثاني ("الثورات العشر الكبرى في القرن العشرين"), يقف الكاتب عند هذه الثورات على اعتبار آثارها على حاضر البشرية ومستقبلها, وليعتبر بها أن القرن العشرين اتسم "بالتمرد والعصيان والانتفاضة على سلطات الاحتلال, وأنظمة الاستبداد, وقوانين العبودية... وبالحروب التحررية الوطنية والقومية والطبقية, التي قادت إلى التحرر والانعتاق والاستقلال...وبالزعماء والقادة الشعبيين الذين أثاروا الجماهير, وحرضوها وعبأوها, وقادوها نحو الأهداف القومية والطبقية المنشودة, فأطاحت بأنظمة القياصرة والأباطرة والسلالات الملكية والمالكة":

 

°°- الثورة الروسية بأكتوبر 1917, وقد كانت الأهم والأكثر أثرا على المسرح السياسي بروسيا كما على المستويات الإقليمية والأوروبية والدولية, وأيضا على طبيعة الصراع الدولي واتجاهات السلام. وقد أفاد منها العالم برمته, سيما الوطن العربي الذي عرف عقود من السيطرة الأجنبية, والاستعمار بمختلف تلويناته.

 

وقد أسهمت في بلورة وعي عربي قومي, يتجه بجهة "التصدي للقوى والأفكار المعادية للتقدم والتحرر والوحدة العربية, وفك الارتباط مع الوعود والمشاريع البريطانية والفرنسية, وتعزيز الوعي الاستقلالي والحركة الاستقلالية العربية النامية, التي تحركت طلائعها بعد الحرب العالمية الأولى, في أكثر من قطر عربي", ناهيك عن الوعي الطبقي الذي بدأ ينتفض على البنى الاقتصادية والاجتماعية السائدة, ويولد حراكا اجتماعيا جديدا.

 

وقد دعم الاتحاد السوفياتي الأحزاب الشيوعية العربية, وحركات التحرر بالجزائر واليمن والخليج والمغرب وتونس وغيرها, وقدم المساعدات الاقتصادية والفنية والعسكرية للعديد من الدول العربية, ناهيك عن معارضته لقيام كيان قومي لليهود بفلسطين, على الرغم من تأييده فيما بعد لمشروع التقسيم, لكنه دعم حركات التحرير الفلسطينية وفي مقدمتها منظمة التحرير, لدرجة تحويله ممثلية فلسطين بموسكو إلى سفارة, عندما أعلنت الدولة الفلسطينية بالجزائر.

 

°°- الثورة الصينية التي قادها ماو يسي تونغ, "كمنظر عقائدي ومفكر ثوري وقائد ميداني", وأسس في أعقابها جمهورية الصين الشعبية بالعام 1949, وهو ما جعل تداعياتها ذات بعد عقائدي وثوري وسياسي بالمحيط وبالعالم عموما, "حيث أصبحت شعاراتها مألوفة حول الطاقة الثورية للفلاحين, ودور الأرياف في الثورة, وحرب التحرير الشعبية, والعصابات الثورية, والثورة العالمية, والثورة الثقافية, والإمبريالية نمر من ورق...وأخير العوالم الثلاثة, وبرامج التحديثات الأربع, وشعار اقتصاد السوق الاشتراكي".

 

وقد كانت تأثيرات الثورة الصينية هامة بالنسبة للعالم العربي على المستوى العقائدي (أحزابا, وتفسيرات للتاريخ, وصراع طبقي وما سوى ذلك), وسياسي (من خلال التركيز على التعايش السلمي, والحياد الإيجابي, ومبادئ التحرير والسيادة) ونضالي بالتأثير في النويات الثورية الأولى لحركة التحرر العربية, ومعاضدة منظمة التحرير الفلسطينية منذ نشأت, وتجهيز فصائلها المختلفة بالعتاد والتدريب والسلاح.

 

وعلى الرغم من اعتراف الصين بإسرائيل, فإنها لا تزال تؤيد المواقف العربية والفلسطينية بالمحافل الدولية, وتعترف بحق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة.

 

°°- الثورة الهندية, التي اعتمدت أسلوبا مختلفا واستراتيجية مغايرة, قياسا إلى الثورتين السابقتين, أي أنها سلكت سبيل "اللاعنف والعصيان المدني والمقاطعة, أي الوسائل السلمية لتحقيق هدف التحرر الوطني والاستقلال". وهو ما أدركته بفضل زعيمها الروحي غاندي, ثم جواهر لال نهرو الذي استكمل الاستقلال بعد اغتيال غاندي.

 

وقد ارتبطت الهند بعلاقات عميقة مع العرب والمسلمين, حيث لعب الأخيرون دورا أساسيا لتعميق الوحدة الإسلامية, وشاركوا في الثورة الفلسطينية, وكانت علاقاتهم وطيدة مع المفتي الحاج الحسيني.

 

وقد عمدت هند نهرو ومصر عبد الناصر على تأسيس حركة عدم الانحياز, كما أيدت الهند الثورة الفلسطينية, واعترفت مبكرا بمنظمة التحرير ودعمتها بالمحافل الدولية, وفتحت لها سفارة بدلهي.

 

°°- الثورة الفيتنامية, سيما جانب المقاومة ضد الفرنسيين الذي ميزها وبرعت فيه بأكثر من مستوى, وذلك من خلال "الاعتماد على القوة السياسية والمعنوية للشعب الفيتنامي, والاستثمار الأمثل للقوة الشعبية وللموارد الطبيعية, واللجوء إلى تكتيكات نضالية ملائمة (انتفاضات في المدن وحرب عصابات في الأرياف وغيرها).

 

وقد كان للدعم الصيني بعد انتصار الثورة هناك, دورا رياديا في معاضدة المقاومة الفيتنامية مقابل الدعم الأمريكي للفرنسيين, لتستطيع استراتيجية الحرب الفيتنامية "من إلحاق الهزيمة الكبرى بالفرنسيين في معركة ديان بيان فو بماي 1954. وهو النهج ذاته الذي سلكته المقاومة الفيتنامية مع الأمريكان, بدعم من الصين أيضا والاتحاد السوفياتي.

 

وقد كان للثورة الفيتنامية تداعيات كبيرة على المستوى الدولي والعربي, إن على مستوى الصراع غرب/شرق أو بالنسبة للعالم الثالث, الذي شكلت له فيتنام "نموذجا لنضال الشعوب المكافحة, ورديفا لاستقلال الدول, وإضافة نوعية للخط التقدمي في حركة عدم الانحياز".

 

كما أفادت الثورة الفيتنامية القضية العربية, سيما القضية الفلسطينية "حيث أعطت فيتنام مصداقية لشعار الكفاح المسلح, ولنظرية حرب الشعب, ولتكتيك حرب العصابات" وما سوى ذلك...لدرجة أن "العديد من العمليات العسكرية الفلسطينية, والقواعد الفدائية, وأسماء المقاتلين الحركية, قد استحضرت من الساحة الفيتنامية".

 

°°- الثورة المصرية, التي قام بها الضباط الأحرار ضد "النظام الملكي الفاسد, وضد الاضطهاد والاستغلال والعبودية المزدوجة, التي يتعرض لها المصريون على يد البريطانيين والإقطاعيين على حد سواء". وقد أبانت حرب فلسطين مستوى التواطؤ الذي كان الملك يثوي خلفه, فأجج الشعور بالإهانة لدى هؤلاء الضباط.

 

عن التغيير الذي أحدثته ثورة 23 يوليوز, يقول الكاتب: طالت الثورة "النظام السياسي (من ملكي إلى جمهوري) والنظام الاقتصادي (من رأسمالي إلى موجه) والنظام الاجتماعي (من إقطاعي إلى اشتراكي), كما طالت الشعارات والمبادئ واللغة السياسية, والخطاب الإعلامي والعلاقات السياسية والدبلوماسية".

 

لقد ترتب حقا عن هذه الثورة السياسية, ثورة اقتصادية (شعار التنمية والكفاية عن طريق الإصلاح الزراعي, وتطوير الصناعات الخفيفة, وإقامة الصناعات الثقيلة...) واجتماعية (عبر تحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين, ونشر التعليم المجاني, وتوفير الرعاية الصحية...) وثقافية (عبر توسيع مجال نشر الصحف والمجلات, وانتشار المسارح ومراكز الثقافة)... كل ذلك تجاوز مستواه القطري, وطاول الأحزاب العربية وخطط الأنظمة أيضا.

 

لذا, يقول المؤلف, " إن التأثير المصري على المنطقة العربية طال كافة المجالات الحياتية من العقيدة والإيديولوجيا, إلى الخطاب السياسي والممارسة السياسية, إلى برامج الأحزاب وخطط الحكومات, إلى العادات والتقاليد والذوق العام".

 

°°- الثورة الجزائرية, وهي عكس الحالة المصرية, باعتبارها "الحدث العنفي الأكبر, الذي حرك ضمير ومشاعر الأمة المنكوبة بفلسطين, وربط جناحها الإفريقي المغاربي بجناحها الأسيوي الشرقي". إذ عرفت الجزائر سيما بالفترة ما بين 1954 و1962 مقاومة عنفية كبيرة, قابلها إرهاب دموي فرنسي, تجاوز الحدود في القسوة والفظاعة.

 

إن تجربة الجزائر هي نموذج لإمكانية حل الصراع مع المستعمر بالعنف, على اعتبار أن الاستعمار بالجزائر كان استعمارا استيطانيا يختلف عن أنظمة الانتدابات الأخرى, بالتالي لم يكن النضال ممكنا بالوسائل السلمية المتاحة, على الرغم من أن الاستقلال جاء عن طريق المفاوضات, لكن المدعومة بالثورة المسلحة.

 

إلى جانب ذلك, تشبثت الجزائر في حربها مع فرنسا بعروبتها كشعار, وأيضا كممارسة فعلية عمدت بالدم والتضحيات. وبمجرد حصولها على الاستقلال, عمدت الجزائر إلى مساندة الكفاح الفدائي الفلسطيني, عبر تسهيل اللقاءات مع حركات التحرر والثورات العالمية, ناهيك عن المساعدة التدريبية والتسليحية والمالية, والدعم السياسي والدبلوماسي في المحافل الإقليمية والدولية.

 

°°- الثورة الكوبية, التي ناهضت نظام باتيستا "الفاسد الموالي للأمريكان", والتي أقامت بالعام 1959, نظاما ثوريا اشتراكيا مواليا للاتحاد السوفياتي, في خضم الصراع بين المعسكرين بالحرب الباردة.

 

وتأتي أهمية ثورة كاسترو ورفاقه من مكانها أولا, حيث قامت بمنطقة بين الأمريكتين حيث للولايات المتحدة بالمنطقة (وبأمريكا اللاتينية قربها) شركات ومؤسسات واحتكارات وقواعد عسكرية, وتدعم بها نظما وحكومات موالية لها. هي أتت من داخل "الحديقة الخلفية التي اعتقدها الأمريكان خالية من العصاة والمتمردين على إرادتها", لدرجة دفع الرئيس كنيدي بالعام 1962, إلى إمكانية اللجوء للصدام النووي, لتحجيم النفوذ السوفياتي الذي بات هناك مميزا.

 

وقد فتحت الثورة الكوبية (ورمزيها الأسطوريين كاسترو وجيفارا) الباب واسعا لقيام نظم يسارية, وطنية, وذات توجهات استقلالية, تعززت بحركة عدم الانحياز كما من على منبر منظمة الأمم المتحدة وما سواها.

 

وكان للثورة الكوبية دور هام في دعم القضية الفلسطينية, حيث أقامت لها منذ البدء ممثلية ثم سفارة بكامل الحصانة والامتيازات, وقدمت مساعدات مهمة لمنظمة التحرير, وللفصائل الفلسطينية الأخرى, سيما الجبهتان الشعبية والديموقراطية.

 

°°- الثورة الفلسطينية, وهي الثورة العربية الثالثة (بعد المصرية والجزائرية) التي عرفها القرن العشرون, وكانت ولا تزال المحرك الأساس للصراع العربي/الصهيوني, والمفجر الأقوى للتناقضات والصراعات والتمردات التي شهدها المجتمع العربي والشارع العربي.

وعلى الرغم من خصوصيتها الواضحة, فقد كانت القضية الفلسطينية قضية عربية وإسلامية بامتياز طوال الربع الثاني من القرن الماضي, سواء بالدعم, أو المساندة, أو إدراج القضية كأولوية في الصراع منذ العام 1948 وإلى اليوم.

 

كما أن الكفاح المسلح وحرب الشعب التي مارسها الفدائيون, قد استقطبت تأييدا بشريا ومعنويا وماديا واسعا في الشارع العربي, ولدى المواطن العربي سيما بحرب 1967, وما استتبعها.

 

°°- ثورة جنوب إفريقيا, وقد عبرت عن مدى وحجم "الاضطهاد والاستعمار والاستغلال" الذي فجر الوعي الوطني, والذي تم التعبير عنه بانطلاق حركات مناهضة التفرقة العنصرية. هي الثورة الأطول والأعقد والأغنى, ابتدأت بانتفاضة, وانتهت بالتسوية السلمية والحل الدبلوماسي المحيلة على الاستقرار.

 

فجنوب إفريقيا عرفت استعمارا استيطانيا "يعتمد التمييز العنصري استراتيجية دائمة", بلغ الأفارقة في خضمها ضغطا عاليا من الذل والعبودية والقهر, إلى أن جاء المؤتمر الوطني الإفريقي بزعامة نيلسون مانديلا, الذي اشر لحرب المقاومة الإفريقية, "حيث استخدمت كافة الوسائل المتاحة لمقاومة النظام من البندقية إلى السكين, ومن المظاهرات إلى الأحزاب, ومن الانتفاضة إلى العصيان".

 

وبعد اعتقاله وتحويل الإعدام إلى مؤبد بحقه بالعام 1963, عمل مانديلا على الاستمرار في دوره من وراء القضبان, وتحول إلى رمز نضالي على مستوى الأمة, والقادة والعالم, "لأنه لم يضعف أمام جلاديه, ولم ينهر, ولم يتراجع عن مبادئه وشعاراته الثورية, ولم يتخاذل في موقفه النضالي والسياسي" لأكثر من 27 سنة.

 

وأمام المقاومة الإفريقية المتزايدة, والصمود الإفريقي الإقليمي, وضغط الرأي العام العالمي, تم إطلاق سراح مانديلا (بالعام 1990) ليتم تدريجيا وسلميا تفكيك نظام التمييز العنصري, "وقيام نظام ديموقراطي حر, أصبحت فيه الأغلبية السوداء سيدة نفسها وقرارها, وأصبح حزب المؤتمر هو الحزب الحاكم, ومانديلا رئيسا للبلاد, قبل أن يخلفه تابومبيكي عام 1999".

 

°°- الثورة الإيرانية, وتعتبر منعطفا هاما في تاريخ الشعب الإيراني (بإزاحة أعتى نظام ملكي بالمنطقة), وزلزالا كبيرا في مصالح الغرب وخاصة الأمريكيين في المنطقة, وتغييرا ملموسا في الخارطة السياسية للمنطقة.

 

وقد عبرت الثورة الإيرانية عن نموذج جديد في التنظيم الثوري, "بمعنى اعتمادها على تحريك الجماهير الشعبية الواسعة, يقودها تنظيم النخبة الدينية السري لتحقيق هدفها. وهي بذلك قدمت بديلا شعبيا للفكر الانقلابي السائد", باعتمادها على القوة الشعبية الطامحة لإسقاط النظام القائم.

 

إن وصف الإمام الخميني لأمريكا بالشيطان الأكبر, ولإسرائيل بالخلية السرطانية, وزيارة ياسر عرفات المباشرة والسريعة لطهران, وافتتاح سفارة لفلسطين, كل ذلك شكل تطورا مهما على المستويين العربي والفلسطيني, وأحدث تغييرات وترتيبات جديدة بالمنطقة, سيما بتراجع الدور المصري هناك.

 

لكن هذه التأثيرات الإيجابية لم تدم طويلا, بسبب الحرب العراقية/الإيرانية المدمرة, وما ترتب عنها من خسائر بشرية ومادية وسياسية ونفسية على شعوب المنطقة, لكن هذا الدور وإن تراجع, فلا يزال أساسيا بالنسبة للقضية الفلسطينية ولفصائلها المسلحة, سيما حماس والجهاد الإسلامي.

 

+ بالمحور الثالث ("حركات التحرر والاستقلال الوطني") يتحدث المؤلف عن نزاعات الحرب والسلام التي طاولت القرن العشرين, وكان لها أثرها أيضا, تماما كما الثورات السابقة. ويتعلق الأمر بالدول التي خضعت للاحتلال النازي أو هددها الخطر الفاشي, وعمدت للمقاومة لتحرير شعوبها.

 

بالقدر ذاته, فقد لجأت العديد من الدول ذات الأعراق المتعددة للمقاومة, وناضلت من أجل التخلص من القومية المهيمنة والسعي لتقرير مصيرها, كالإيرلنديين ببريطانيا والباسك بإسبانيا وغيرها, وقد ووجهت كلها بقوة وقمع شديدين.

 

نفس الشيء بالنسبة لآسيا, التي توالت عليها حروب التحرر الوطني, والحروب الطبقية اليسارية واليمينية, وحروب الصراع على السلطة, متأثرة في ذلك بالموروث الآسيوي, وأيضا بأفكار الثورات الفرنسية والصينية والفيتنامية والهندية وما سواها.

 

وهو نفس ما عرفته إفريقيا وأمريكا اللاتينية في نضالها من أجل التحرر والاستقلال, لكن أضيفت إليها المقاومات ضد التمييز العنصري والصراعات ذات الطبيعة القبلية أو الإثنية أو الدينية (بإفريقيا), وضد الهيمنة الأمريكية بحال أمريكا اللاتينية.

 

وقد كان لهذه المقاومة روافد فكرية واسعة, إذ تأثرت الحركات القائدة لها بالأفكار الثورية الروسية, فنشأت أحزاب يسارية وشيوعية, وتشربت بمبادئ الثورة الصينية والهندية وثورة التحرر الجزائرية وما سواها.

 

كل هذه الحركات تغذت من أفكار ودعم بعضها البعض, لكنها كانت مرتكزة بالأساس على مقوماتها الذاتية وعناصرها الداخلية, أكثر من اعتمادها على الدعم الخارجي.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 24 ماي 2007.