"أزمة
الحضارة العربية المترددة"
أبو يعرب المرزوقي, الدار
العربية للعلوم, بيروت, 2009, 71 ص.
يعتبر
المؤلف, بمقدمة هذا الكتاب, أن العرب والمسلمين شرعوا في عملية نهوضهم الحضاري منذ
ما يناهز القرنين من الزمن, لكن تخلفهم مع ذلك لم يزدد إلا عمقا وتعمقا.
ومع
أن الكاتب يقر بأن لهذا الوضع أسبابا خارجية مؤكدة, من قبيل الاختلال والتدخل
الأمريكيين واستنزاف المنطقة من لدن إسرائيل, فإنه يزعم أيضا بأن الأسباب القوية
تبقى مرتبطة بذاتية الحضارة العربية والإسلامية, والعلل الكامنة فيها وأقواها على
الإطلاق في الموروث الثقافي.
ويتمثل
مفعول هذا الأخير في " فقدانه الحيوية الذاتية...مما يهدد مفعلات التطور
الاجتماعي وحيوية الإيداع الحضاري, فضلا عن عجزه البين في غياب القدرة على إبداع
النظرية, على رغم كثرة المشاريع والاستراتيجيات المزعومة".
ويحاول
المؤلف استنطاق الواقع الحالي بغرض فهمه, بالاعتماد على التشخيص النظري الواسع
وأيضا العملي, انطلاقا مما قدمه أربعة مفكرين عرب ومسلمين: الغزالي وابن رشد وابن
تيمية وابن خلدون.
وقد
ركز الكاتب على هؤلاء بحكم أنهم هم الذين عالجوا بقوة " مسألة الحيوية
الحضارية العربية/الإسلامية, من منظور فلسلفة التاريخ وفلسفة الدين الإسلاميين,
علاجا بدأت نسقيته تتضح على رغم بقائها في المراحل الأولى من النشأة الجديدة لمثل
هذه الدراسات في الحضارات القديمة والوسيطة".
يقول
المؤلف بخصوص هذا الاختيار: "فالغزالي وابن رشد يمثلان العلاج الساعي إلى
تجاوز الأزمة في الحلين الكلامي والفلسفي, المستتبعين للحلين الفقهي والصوفي. وابن
تيمية وابن خلدون يمثلان العلاج في الاتجاه المقابل والساعي إلى تجاوز الأزمة في
الحلين الفقهي والصوفي المستتبعين للحلين الكلامي والفلسفي".
وإن
من شأن هذا, يقول المرزوقي, أن يساعدنا على فهم النتائج الخطيرة التي آل إليها
موقف الأمة الحضاري, موقفها الذي أصبح منحصرا في رد الفعل على المؤثرات الخارجية,
التي حددت خصائص الفكر والعمل عند من يقبل بها ومن يرفضها, من دون أن يكتشف
الفريقان مبدأ الإبداع الكوني الذي تشترك فيه الحضارات الأصيلة كافة".
لذلك,
يتابع المؤلف, " فتطبيق هذا التوصيف على وضع تاريخنا الفكري والمؤسسي يبدو أبعد
ما يكون عن التشكيك. فلا أحد يجادل في تفاقم الموقف الانفعالي والتبعية الناتجة
عنه على المستويين الفكري والمؤسسي. وهذا الموقف الانفعالي يتردد بين محاكاة
المؤسسات الأجنبية وتكرار ماضينا الذاتي المسرحي".
ويعتقد
الكاتب بأن هذين الموضوعين قد "أصابا طموحات الأمة التاريخية بما يشبه الكسح,
وحالا دون أي إمكان للتجديد والخلق في تاريخنا الحديث".
وعليه,
فإنه يرى أننا "لا نستطيع التخلص من التبعية كبنية فكرية وثقافية دائمة,
تستمد عللها من أعماق أبعد من الوضعية الراهنة في علاقتنا بالغرب الحديث, إلا إذا
عدنا إلى العلل التي تفسر انحطاط الإبداع الإسلامي, التي تجمع بينها فقدان مبدأ
الأخوة والوحدة الإسلاميين".
من
جهة أخرى, يلاحظ المؤلف بأن "الموقف الانفعالي والتبعية الناتجة منه, ليسا
بالأمر الجديد في حضارتنا, إذ يصدران بوعي أو بغيره من سوء فهم النخب
العربية/الإسلامية خلال كل تاريخ الإسلام, بسوء فهمهم للمنظورين النظري والعملي
الإسلاميين, إضافة على التزامهم بين ممثلي الفكرين الديني والفلسفي في صراعهما على
سلطة العلماء الرمزية التابعة بالذات إلى سلطة الأمراء المادية".
من
هنا يخلص إلى القول بأنه يجب أن نعترف بأنه باستثناء لحظة التأسيس القصيرة جدا,
فإن كل تطور جدي في فكرنا وفعلنا, تميز بموقف انفعالي أمام المؤثرات الخارجية... ويصعب
بالتالي "إيجاد عمل ناتج من مؤثرات ذاتية, أي مؤثرات نابعة من بواعث الإسلام
الذاتية, لأن هذه البواعث جهلت أو تجاهلت أو أهملت".
ويحصر
الكاتب العلل الكبرى التي أعاقت عملية الإصلاح الدائم, في توقف الثورة النظرية
والعملية الإسلامية وانتفاء الحيوية من بين ظهرانيها.
يقول
المرزوقي: إن "استئناف الثورة النظرية والعملية الإسلامية من حيث هي إصلاح
متواصل, وتفعيل مبدأ الحيوية والإبداع الإسلامي, بما يضمن خميرة الوحدة
العربية/الإسلامية التي هي شرط الشروط لكل نهوض, سيقلبان اتجاه قواها من الدفع
السائد راهنا على علاقات أقطار دار الإسلام وأحزابه إلى الجذب بينه ليتحقق ما فهمت
أوروبا ضرورته بعد الحرب العالمية الثانية, إذ علمت أنها خارجة من التاريخ الدولي
لا محالة, إذا لم تحقق شروط الفعل فيه إبداعا علميا وقياسا ماديا, لا يتوافران
لغير العمالقة في الصراع الدولي".
ويخلص
الكاتب إلى أن المستعجل اليوم هو العمل على إصلاح فكرنا النظري ومؤسساته. وهذا
الإصلاح يستوجب أمران أساسيان اثنان:
الإصلاح المذهبي, الذي ينبغي أن يكون علم أصول
الدين بمقتضاه فلسفة تحررية, بإطلاق حرية الإنسان من أجل طلب الحقيقة والجمال, ثم الإصلاح
المؤسسي الذي يكون النظام التربوي والنظام السياسي بمقتضاه تحررين وكونيين.
يحيى اليحياوي
الرباط, 16 يونيو
2011