عن الإعلام والعولمة والزمن العربي: قراءة في كتاب "العولمة ورهانات الإعلام"
ليحيى اليحياوي
من
الأمور
المسلم بها في
الأوساط
الفكرية والمعرفية
في بلادنا أن
التأليف في
مجال علوم الإعلام
والاتصال لا
يزال يتلمس
طريقه ويخطو خطواته
الأولى.
فالكتابات
في هذا الباب
قليلة
ومفتقرة إلى
الأساس
النظري
المتين، في
مقابل طغيان
الطابع
الصحفي على
خطاب أغلب المتعاطين
لها.
والحق
أن كتابات
الأستاذ يحيى
اليحياوي في
هذا الباب
تشكل استثناء.
فإضافة إلى
كونه قد
استطاع، وفي
فترة قصيرة،
أن يراكم عددا
ليس بالقليل
من النصوص،
فإن تناوله
لقضايا
الإعلام
والاتصال
يتميز بالدقة
وبنفحة
تحليلية
متميزة.
لست
أدعي في
مقالتي
الصغيرة هذه
الإحاطة بكل ما
جاء في نصوص
الأستاذ
اليحياوي من
أسئلة، بل إني
لأقصر حديثي
على نص كان قد
صدر منذ مدة
في إطار سلسلة
شراع
لاعتقادي
الجازم في
أهمية هذا
الكتاب، على
صغر حجمه،
تاركين أمر
تناول النصوص
الأخرى إلى مناسبات
لاحقة.
جاء
هذا الكتاب
مصدرا
ب"العولمة
ورهانات الإعلام"
كعنوان (1)، وقد
احتوى مقالات
حاولت في مجملها
تلمس إشكال التعالق
الموجودة ما
بين المسألة
الإعلامية
وظاهرة
العولمة
المنتظرة.
يمكن
بشكل عام
ترتيب
المقالات
الستة في
محورين
أساسيين:
-
أولهما،
التعريف
بمفهوم
العولمة من
حيث هي مفهوم
اقتصادي
بالأساس، ثم
البحث في
طبيعة الصلة
الموجودة
بينها وبين
السلطة
الإعلامية.
-
وثانيهما،
التفكير في
الواقع
الإعلامي
المغربي
المقبل على
ضوء التحدي العولمي.
ولنبدأ
بالمحور
الأول.
يعتمد
ذ. اليحياوي
في تحديده
لمعنى
العولمة على
تعريف
ريكاردو
بتريلا
المعتقد في
كون العولمة
هي "مجموعة
المراحل التي
تمكن من إنتاج
وتوزيع
واستهلاك
السلع
والخدمات من
أجل أسواق
عالمية ...وفق
معايير
عالمية، من
طرف منظمات تعمل
على أساس
قواعد
عالمية". (2).
إن
تحديد معنى
العولمة لا
يتم إلا
بالقياس إلى
مفهومين
اقتصاديين
اثنين:
التدويل
وتعدد الجنسية.
إن
هذه المقارنة
تفيدنا بأن
العولمة ليست
هي "التدويل"
وليست هي
"تعدد
الجنسية"، بل
واقع جديد له
عناصره
الخاصة
وآلياته
المستقلة. وهذه اللآليات
وتلك العناصر
نجدها ملخصة
في تحديد
ريكاردو
بتريلا
السابق.
إنها
إذن ظاهرة
حقيقية،
اقتصادية
بالأساس (3) ولو
أن لها
تداعيات
سياسية
وثقافية.
إذا
كانت العولمة
مفهوما
اقتصاديا،
فإننا لا يمكن
أن نفصلها عن
عنصرين
مترابطين:
الفورة الثقافية
(التكنولوجية)
من جهة،
والثورة
الإعلامية من
جهة أخرى. إنهما
جناحاها
اللذان
يضمنان لها
الفعالية
والقوة.
والحديث
عن علاقة
العولمي
بالإعلامي هو
ما يشكل
المحور
الثاني
لمقالات هذا
الكتاب.
إن
قوة العولمة
وطاقتها
الاكتساحية
الهائلة تأتي
من قدرتها على
التحكم في
المجال الرمزي
إنتاجا
وتدبيرا وفي
ترويجه على
مستوى الكوكب.
كيف
ذلك؟
ليست
العولمة
عولمة
المنتجات
الاقتصادية الخام،
وحركة تعتمد
على الأرصدة
المادية أو الطبيعية،
بل هي واقعة
تعتمد الرمز
والرقم أدوات
لعملها. إنها
لا تراهن على
استثمار رؤوس
الأموال في
مشاريع ذات
نفع مادي
عمومي، بل هي
تعامل لا مادي
محض (4)، يعتمد
المعارف
أساسا له،
وليست سعيا
لاكتساب
عقارات وأسواق
"جغرافية" بل
عملا يستند
إلى المنتوج الإعلامي
والصورة
والضوء لبسط
هيمنته (5).
إنها
رهان من أجل
السطوة
المجردة واليأس
المعنوي.
من
هنا أهمية
الوعي بدور
السلطة
الإعلامية في
التمهيد
لتحقيق
العولمة
لذاتها أولا،
ولضمان
فعاليتها
ثانيا.
في
ظل هذا التطور
الهائل
ل"اقتصاد
الرمز" والذي
يجعل من مجموع
كوكبنا قرية
واحدة (6)، كيف هو وضع
إعلامنا
العربي، وهل
من الممكن
العمل على تأسيس
نظام عربي
إعلامي جديد
يأخذ في
اعتباره هذه
المستجدات
الجوهرية؟
يلخص
المؤلف
الواقع
الإعلامي العربي
الراهن في
أفكار يمكن
إجمالها
كالتالي:
-
التخلف عن
مسار
التحولات
السياسية
والتكنولوجية
الإعلامية،
وعن إدراك
دلالاتها
الاستراتيجية
الجديدة (7).
-
العجز عن
القيام برسم
استراتيجية
ذاتية تجعله
قادرا على
تجاوز
التبعية
المادية
(الوسائل)
والسياسية
(المخططات
الإعلامية)
بالعالم
المتقدم.
إن
الأمران
متداخلان،
فكلاهما ينتج
الآخر: التخلف
يضمن التبعية
والتبعية
تؤبد التخلف.
لكن،
هل معنى هذا
أن لا إمكانية
هناك لخلق نهضة
في مجال
الإعلام
والاتصال
بالنسبة
للعالم العربي
وهي النهضة
التي يستحيل
من دونها الحديث
عن نهضة عربية
شاملة بالنظر
إلى دور هذا
العنصر في كل
نهضة متوخاة؟
إن
إقامة نظام
إعلامي عربي،
في نظر يحيى اليحياوي، يظل
ممكنا متى ما
استطاعت
الدول
العربية تحقيق
مجموعة من
الشروط.
فالوطن
العربي قوة اقتصادية
وعلمية ضخمة
تظل في مستوى
الأمور (9)، وطاقة
ثقافية
تضمنها وحدة
الدين واللغة
والحضارة، وهي
الأمور التي
من شأنها أن
تشكل أرضية
لخلق تكامل
اقتصادي
وسياسي متين
"فلا نظام
إعلامي عربي
بدون نظام
عربي" (10).
لكن
هذه الأماني
وتلك ليس من
الممكن أن
تنتقل إلى
مستوى الفعل
ما لم يحقق
هذا العالم
العربي أولا
وعيا حقيقيا
بعصره (11) وبمستوى
الطفرات التي
يراكمها
المجتمع
المتقدم وما
لم يحقق ثانيا
قطيعة مع
سياساته
العلمية والمعرفية.
لكن،
هل من الممكن
تحقيق ذلك دون
تحقيق ثورة سياسية
وحقوقية
غربية؟
الأكيد
أن الجواب
سيكون بالنفي،
فالأمور متداخلة:إذ التخلف
الإعلامي
العربي هو من
صميم التخلف
السياسي
والاقتصادي
والمعرفي
العربي. لذلك
فإن إقلاعا
إعلاميا
عربيا لن يكون
من دون تحقيق
إقلاع سياسي
واقتصادي
ومعرفي عربي.
فكلها أركان
لقضية واحدة.
الإحالات
(1)-
يحيى
اليحياوي،
"العولمة
ورهانات
الإعلام"،
سلسلة شراع، شهرية، طنجة-الدار
البيضاء، العدد
33 ، يونيو 1998.
(2)-
الصفحة 12-13
(3)- ص. 10
(4)- ص. 24
(5)- ص. 38
(6)- ص.38
(7)- ص. ص.
81-85
(8)- ص. ص.
49-58-86
(9)- ص. 87
(10)- ص. 88
(11)- ص. 91
(12)- ص. 95
عادل
حدجا مي،
جريدة
الاتحاد
الاشتراكي،
يومية، الدار
البيضاء،
العدد 6202، 3 غشت 2000.