رمضان في القنوات الفضائية العربية

يحيى اليحياوي

 

 

هناك ثلاث ملاحظات مركزية من الأساسي تقديمها قبل بداية هذا العرض:

 

- الأولى وتتعلق بنسبية التقييم، تقييم كيفيات وطرائق تعامل هذه القنوات مع شهر رمضان، على اعتبار أن هذا التقييم لا يمكن أن يكون موضوعيا إلا بانتهاء الشهر وتتبع هذه القنوات.

لكننا سوف نحاول أن نتعامل مع التوجه العام لهذه البرامج أكثر مما سنقف عندها برنامجا ببرنامج.

 

- الثانية، وترتبط بمصادر هذا العرض: المصدر هو متابعتنا لهذه البرامج ومحاولة استقرائها من خلال تغطية هذه القنوات لها، وكذا الملاحق الإعلامية لبعض الجرائد والمجلات العربية.

 

- الثالثة، وتتجلى في أننا لن نعرض لبرامج هذه القنوات بأكملها، لكننا سنركز فيها على جانبين: الجانب الديني- الثقافي على اعتبار الشهر شهر دين وطقوسه طقوس دين وكذا على اعتبار أن الجانب الثقافي هو جزء  من عملية الإفطار (تغذية الذهن والفكر) ثم الجانب الفرجوي والترفيهي بحكم تعطش المواطن العربي المسلم لهذه البرامج في شهر معظم لياليه سهر ومحاولة ملئ الوقت حتى فترة الصحور.

 

لن أعرض، إذن من ناحية، إلا للقنوات الفضائية العربية المبثوثة عبر الأقمار الصناعية أو أقمار البث المباشر (على عكس البث غير المباشر حيث الرقابة) وبالتالي فلن نعرض لكل ما هو راديو، صحافة أو وسائل إعلام أخرى كالفيديو والسينما وغيرهما.

ولن أقدم بالتالي إلا مجموعة من الملاحظات الشخصية أملا أن نعمقها ونوسعها على مستوى المناقشة.

 

ولما كانت وسائل بث هذه القنوات تعتمد تكنولوجيا عالية الدقة كتكنولوجيا الأقمار الصناعية ذات البث المباشر، وبالتالي فهذه الأقمار لا تبث فقط ما هو عربي على اعتبار مئات القنوات التي بالإمكان التقاطها، فقد ارتأيت تعميقا للفائدة التطرق في هذا العرض لمجموعة من المحاور أراها مركزية لفهم التحولات التكنولوجية التي جاءت هذه الأقمار كنتيجة لها:

 

+ المحور الأول ويتطرق للطفرة التكنولوجية الكبرى التي بدأ العالم يعيشها منذ بداية الثمانينات من هذا القرن، وتطور أقمار البث الفضائي جزء من هذه الطفرة الكبرى.

 

+ المحور الثاني، ويتعلق بالتوقف عند هذه التطورات العميقة التي عرفها المشهد الإعلامي العالمي كنتيجة لهذه الطفرة في تكنولوجيا الإعلام والاتصال.

 

+ المحور الثالث ويتطرق لإشكالية اللاتوازن الدولي في تنقل الصورة بين دول الشمال فيما بينها وبين دول الشمال ودول الجنوب.

 

+ المحور الرابع، ويتطرق للتساؤل حول الرهانات والتحديات الكبرى التي يعيشها العالم الثالث (والوطن العربي جزء منه) في ظل هذه التطورات،

 

+ المحور الخامس: مكانة القنوات العربية الفضائية في هذه التطورات التكنولوجية وانفجار الأقمار الصناعية،

 

+ المحور السادس: مساءلة القنوات الفضائية العربية الكبرى في تعاملها مع القضايا العربية، وسنقف خصوصا عند برامج شهر رمضان.

 

كل هذه المحاور سأصيغها على شكل ملاحظات تركيزا للأفكار وتجنبا للنمطية في العرض.

 

+ المحور الأول: في التطورات التكنولوجية لقطاع الإعلام والاتصال

 

+ الفكرة الأولى: أننا نعيش، منذ بداية الثمانينات من هذا القرن، ثورة تكنولوجية ضخمة في ميدان الإعلام والاتصال وبالتحديد في ثلاثة ميادين: الاتصالات والمعلوميات والسمعي-البصري لدرجة لم تعد القوة العضلية و الجسدية هي الأساس، بل العلم والمعرفة والتكنولوجيا والإعلام.

هناك انفجار في شبكات هذه القطاعات وفي الخدمات:

 في الاتصالات،  إلى جانب الهاتف والتلكس والفاكس، نجد السواتل والكوابل والألياف البصرية (حيث بإمكان 50 كلغ من الألياف البصرية أن تمرر من المكالمات ما تقدر على تمريره 33 طن من النحاس، والألياف تصنع من الزجاج وليست مادة أولية) ونجد شبكات تبادل المعطيات عن بعد والشبكة الرقمية لتداخل الخدمات والانترنيت والطرق السيارة للإعلام...الخ.

 

في المعلوميات والسمعي- البصري، نجد إلى جانب التلفزة الهرتزية الكلاسيكية، التوزيع عبر الكابل والمشتريات عن بعد والهاتف والفاكس ومساءلة بنوك المعطيات عن بعد والصور عبر السواتل والهواتف المتحركة والهواتف الخليوية...الخ، ثم خدمات التعليم عن بعد، والتسوق عن بعد والمحاضرات عن بعد والتلفزيون التفاعلي...الخ.

 

+ الفكرة الثانية: من الاختراعات التي سهلت هذه التطورات، ثورة الرقمنة، إذ بفضلها انتقلنا من التلفزة كجهاز استقبال عادي إلى جهاز متعدد الأطراف والمطارف ذكي ومتطور. بالتالي أصبح الجهاز التلفزي جهاز عمل تتمحور حوله: التلفزة الكلاسيكية والتلفزة بالكابل والتلفزة المشفرة والتلفزة بالأمر والتلفزة التفاعلية والفيديو والحاسوب ومساءلة بنوك المعطيات والهاتف المرئي والفاكس والتراسلات والألعاب وتوزيع المراسلات الإلكترونية...الخ.

 

هناك إذن ثورة تكنولوجية عمقتها أكثر ثورة الرقمنة وتداخل القطاعات وتمحور الكل حول جهاز واحد.

 

+ المحور الثاني: المشهد الإعلامي والاتصالاتي العالمي

 

+ الفكرة الأولى وفيها أربع ملاحظات:

 

°- الملاحظة الأولى: تراجع الاحتكارات في ميدان التلفزة وبروز التلفزة العابرة للقارات سيما مع تصاعد أقمار البث المباشر وتراجع قوة القانون والدولة في التحكم في الصور والبرامج الآتية من الخارج،

 

°- الملاحظة الثانية: تراجع التكلفة في إنتاج الأقمار الصناعية الضخمة سيما بفضل الرقمنة: أسترا مثلا توفر 16 قناة تلفزية وحوالي 20 برنامج للراديو،

 

°- الملاحظة الثالثة : تعدد طرق البث. فهناك التلفزة الهرتزية التقليدية والتلفزة المشفرة وعبر السواتل والفيديو وزيادة فترات البث. وبرز جراء ذلك أباطرة الإعلام كميردوخ وتيد تورنر وغيرهما.

 

°- الملاحظة الرابعة: هناك أزمة في إنتاج البرامج إذ هناك العديد من القنوات والمحطات،  لكن الإنتاج قليل نسبيا لملئ ساعات البث (سيما برامج الفرجة) وتكلفته عالية: برنامج "روبورطاج" بالقناة الفرنسية الأولى يكلف 210 مليون فرنك فرنسي، ونقل البرامج الرياضية قد يصل إلى نصف مليار ف.ف ...الخ.

 

+ الفكرة الثانية: هذه النفقات الضخمة يجب تسويقها وتغطية تكاليفها وهو ما يتم عموما في إطار الإنتاجات المشتركة أو عبر توسيع الأسواق  ومحاولة تمرير البرامج بالتسلسل: السينما أولا ثم الكابل ثم التلفزة المشفرة ثم كاسيت الفيديو ثم التلفزة الهرتزية الكلاسيكية ثم التلفزة عبر السواتل ثم إعادات البث...الخ.

 

+ الفكرة الثالثة: تعدد إمكانيات ووسائل البث تحرر المشاهد من طغيان ومزاج المبرمج، بالتالي فالمتفرج أصبح له الاختيار حسب ذوقه واهتماماته.

 

+ الفكرة الرابعة: توسيع الأسواق عبر وسائل جديدة كالوسيلة اللغوية التي تمكن من تغطية مناطق عديدة من العالم.

 

المحور الثالث: لاتوازن التنقل الدولي للصورة

 

°- الفكرة الأولى: بغض النظر عن البث الفضائي، فإن تنقل الصورة غالبا ما تطبعه خاصية اللاتوازن لا فيما بين دول الشمال فحسب بل وكذلك في علاقته بدول الجنوب.

 

الملاحظ، حسب معطيات اليونسكو، أن 75 بالمائة من البرامج المروجة في العالم هي من أصل أمريكي، في الوقت الذي لا تستورد فيه الولايات المتحدة إلا 2 بالمائة في جزء كبير منها من بريطانيا.

أوروبا مجتمعة تستورد 30 بالمائة من برامجها (44 بالمائة من أمريكا)، آسيا والمحيط الهادي (36 بالمائة)، إفريقيا السوداء (40 بالمائة).

سنة 1992، بثت أوروبا 100000 ساعة من البرامج لم تنتج منها إلا 6000 (الفرجة بالخصوص). بمعنى أن الإنتاج الأمريكي يسيطر على 75 إلى 80 بالمائة من السوق الأوروبي للسينما و55 إلى 60 بالمائة من الأفلام المبثوثة في التلفزة.

الدول العربية تستورد 42 بالمائة من برامجها، حوالي 70 إلى 80 بالمائة من مصدر غير عربي، 32 بالمائة من الولايات المتحدة، 13 بالمائة من فرنسا والباقي من مصر وبعض دول الخليج.

 

المحور الرابع: التحديات بالنسبة للعالم الثالث والوطن العربي

 

+ الفكرة  الأولى: هناك تحدي اقتصادي وصناعي. فدول العالم الثالث وضمنها الوطن العربي تستورد كل شيء: الأجهزة والعتاد والتكنولوجيا والأنظمة المعلوماتية وتقنيات الاتصالات...الخ.

هي إذن مهمشة على مستوى إنتاج هذه الأجهزة والشبكات والخدمات والتكنولوجيا في القطاعات الثلاثة. فلا هي منخرطة في إنتاج وصنع السواتل ولا محطات إرسال السواتل ولا إنتاج التلفزات ولا الحواسيب.

 

للتذكير فسوق الصحون المقعرة يقدر بأوروبا بحوالي 100 مليار ف.ف. ونفقات نظام من ثلاثة سو اتل يقدر ما بين 1400 و 1900 مليون ف.ف.

جوهن سكولي يعتبر أنه بعد 7 سنوات سيكون هناك توحد لأسواق القطاعات الثلاثة بقيمة 3500 مليار دولار بالإضافة إلى سوق الإشهار واستغلال القاعات والصحافة الإلكترونية...الخ.

 

+ الفكرة الثانية: هناك تحدي سياسي، بمعنى أن الدول الوطنية لا يمكنها مراقبة حدودها وما يمرر عبر حدودها ولا فوق مجالها الجوي... وهو ما سيطرح قضية السيادة وقيمة السلطة المركزية وقوانين البلدان الداخلية.

 

+ الفكرة الثالثة: هناك تحدي ثقافي وهو يطرح ما يصطلح على تسميته بالاستهداف الثقافي أو الغزو الثقافي أو الهجمة الحضارية التي قد تترتب عن البث التلفزي العابر للقارات.

أعتقد أن معظم دول العالم تشكو من "هجمة" الثقافة الأنجلوساكسونية وهو ما رأينا أوروبا تعبر عنه من خلال مطالبتها بالاستثناء الثقافي وغيره.

 

ثم إشكال الغزو ذاته يطرح قضية أنه من المتعذر إثباته على اعتبار تمسك الهويات والثقافات بمرجعياتها.

ويمكن القول كذلك بأنه لا يوجد غزو من أجل الغزو ولا استهداف من أجل الاستهداف: هناك حركية لرأس المال تستهدف الربح وتوسيع الأسواق وحتى لو سلمنا بإمكانية التنميط فذلك إنما ينخرط في سياق تسريع وتيرة دورة رأس المال...وهذا أمر لا مجال للتفصيل فيه هنا.

 

المحور الخامس: مكانة القنوات الفضائية العربية من التطورات الجارية

 

+ الفكرة الأولى: اعتماد هذه القنوات على الاستيراد، استيراد البرامج. بالتالي فالبون شاسع بين الاستيراد والإنتاج، إذ أن إنتاج فيلم متواضع بسيناريو متواضع وإخراج متواضع قد يتراوح بالنسبة للمغرب العربي مثلا ما بين 600000 إلى مليون دولار، ودقيقة إنتاج واحدة قد تصل إلى 10000 دولار.

 

+ الفكرة الثانية: غياب بنى الإنتاج في الوطن العربي وعدم تبني الدول للإنتاج الوطني وعدم تشجيع المبادرات في هذا الاتجاه، وهو ما نلاحظه بكل الدول العربية باستثناء تجارب مصر وسوريا وبعض دول الخليج.

 

المحور السادس: تعامل القنوات الفضائية العربية مع شهر رمضان

 

+ الفكرة الأولى: الأقمار الصناعية أنواع: هناك أقمار الاستطلاع وأقمار التجسس الإلكتروني من الفضاء وأقمار الإنذار المبكر والأقمار الخاصة بالكشف عن التفجيرات النووية والأقمار الخاصة باعتراض الأقمار الصناعية وتحطيمها.

 

+ الفكرة الثانية: هناك مجموعة من القنوات الفضائية العربية يوفرها عربسات ذو الشفرات الغزيرة الإشعاع وهناك أخريات توفرها أقمار أجنبية: دبي، القناة الفضائية الكويتية، القناة الفضائية المصرية، القناة السعودية الأولى والثانية، قناة أبو ظبي الفضائية، القناة الفضائية الأردنية، القناة الفضائية المغربية...الخ.

 

+ الفكرة الثالثة: لالتقاط هذه القنوات يستوجب على المستقبل أن يتوفر على أجهزة استقبال داخلية وصحون مقعرة.

الملاحظ بالدول العربية أنها تعاملت مع هذه الإشكالية وفق ثلاثة منطلقات إدارية:

°- المنطلق الأول، منطلق الانفتاح الكامل أمام استيراد ودخول أجهزة الاستقبال كالجزائر مثلا حيث لا يتعدى الأمر إلا تصريحا شكليا  في غياب النص تحت مسوغة "مادام المنع غير وارد ولا مصرح به نصا فالتصريح يكون في حكم المباح".

°- المنطلق الثاني، منطلق التحكم المنتظم في دخول هذه الهوائيات واستخدامها داخل إطار نص تشريعي كما في تونس حيث سنت هذه الأخيرة  قانونا يشترط الحصول على ترخيص من وزارة الاتصالات والدفاع والداخلية مع تأدية مبلغ رمزي.

°- منطلق المنع شبه الكامل كما في المغرب (5000 درهم كرسم بالأساس) إلا أن المغرب ما فتئ أن تراجع عن ذلك في قرار تحكيمي للمجلس الدستوري.

 

+ الفكرة الرابعة : كيف تعاملت هذه القنوات مع طقوس رمضان لهذه السنة؟

سأجيب على ذلك من خلال مجموعة من الملاحظات:

 

°- الملاحظة الأولى تتمثل في الهيمنة شبه مطلقة للقناة الفضائية المصرية على المستويين الديني- الثقافي والترفيهي لا على مستوى الإنتاجات الجديدة فحسب بل وكذلك على مستوى توازن الجانبين خلال فترات البث.

للتذكير فقد تم وضع خريطة شهر رمضان في مصر في إطار لجنة عليا ترأسها وزير الإعلام وضمت في عضويتها رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون ونائبه ورئيس التلفزيون ورؤساء القنوات ...الخ وهذا يدل على الجدية في التعامل مع المناسبة.

بالتالي فقد تم التركيز على الإنتاجات الجديدة في كلا الجانبين (الديني-الثقافي والترفيهي). في الجانب الأول رأينا مسلسلات جيدة كمسلسل "أبي العلا البشري" و" نصف ربيع آخر" و"الأبطال" و"الأمير المجهول" و"الحفار" وغيرها.

نفس الشيء في الجانب التاريخي حيث تم إنتاج أفلام دينية من قبيل "هارون الرشيد" و" نابليون بونبارت" وغيرهما.

هناك إذن توازن جيد بالقناة الفضائية المصرية بين الديني والثقافي والترفيهي والتاريخي.

 

°- الملاحظة الثانية وتتمثل في تقصير باقي القنوات العربية سيما تلفزيون الشرق الأوسط الذي ركز كثيرا على الجانب الفرجوي والترفيهي مع ايلاء الأولوية للمسابقات ونقل الشعائر الدينية من مكة والمدينة.

 

°- الملاحظة الثالثة وتتمثل فيما قدمته القناة الفضائية المغربية (وهي استنساخ للقناة الأولى): إعادة للدروس الحسنية وبث الجديد منها مباشرة، وهناك المسيرة القرآنية وسلسلة عن المساجد بالإضافة إلى فيلمي "الفرسان" و "محمد رسول الله".

وهناك الإبقاء على البرامج العادية، بالتالي فلم تكن هناك إنتاجات جديدة ولا اقتراح لبرامج تناسب الشهر وكذا تكريس للرداءة واستهتارا بمشاعر الصوم.

وهو ما أتركه للنقاش حتى نخلق بعض التفاعلية.

 

 محاضرة، جمعية الشعلة، حد كورت، 3 فبراير 1996