عن تكنولوجيا الإعلام والاتصال وإشكالية المعرفة

 يحيى اليحياوي

 

 الحديث عن تكنولوجيا الإعلام والاتصال في علاقتها بإشكالية المعرفة أمر متشعب ومعقد.

ما يزيد هذه العلاقة تعقيدا وتشعبا اختلاف المحددات التي تحكم طرفي المعادلة، ثم تمايز الفضاء الذي تربى كلاهما فيه وأيضا صيرورة التراكمات التي حكمت طرفي المعادلة.

 

إلا أن التساؤل عن طبيعة ومميزات هذه العلاقة يدفعنا إلى الوقوف عند مجموعة من التوترات والتداخلات ستحكم لا محالة طرفي هذه المعادلة وستحدد الفضاء المعرفي للقرن المقبل، على اعتبار أن الكل يتنبأ بكونه سيكون قرن معرفة وعلم واتصال واقتصادياته ومجتمعاته اقتصاديات ومجتمعات علم ومعرفة واتصال(1): إذ سيصل سوق الصناعات المعرفية سنة 2002 إلى حوالي 3000 مليار دولار. ثم أنه منذ بداية العهد الميلادي تضاعفت المعرفة الإنسانية للمرة الأولى سنة 1750 ثم سنة 1900 ثم سنة 1960 لتتسارع بعد ذلك وفق وتيرة تصاعدية غير مسبوقة من ذي قبل.

 

هذه التداخلات والتوترات التي تحكم العلاقة بين تكنولوجيا الإعلام والاتصال الجديدة والفضاء المعرفي يمكن حصرها، باختصار كبير، في خمسة محاور نعتبرها ذات قيمة منهجية وتحليلية أساسية:

 

- التوتر الأول يحيل إلى العلاقة بين ما هو كوني وعالمي من جهة وبين ما هو محلي وجهوي من جهة ثانية.

هذين البعدين متنافرين ، لكن بقدر ما هما متنافران بقدر ما هما متكاملان. فشبكات الاتصالات والأقمار الصناعية وقنوات البث الفضائي وتنقل معلومات بنوك المعطيات عبر الكرة الأرضية جعلت من هذه الأخيرة قرية صغيرة كما يقول ماك لوهان، لا قيمة فيها كبرى للحدود و لا للتشريعات و لا للجمارك. وأصبح الإنسان، وفق هذا الطرح، إنسانا عالميا يعرف ما يجري من حوله، ويعرف الآخر ما استجد لديه من تطورات ومشاكل وهموم، وأصبح له بالتالي نفس الحقوق ونفس الالتزامات، وأصبح يخضع لما اعترف على اصطلاحه بالحقوق الكونية للإنسان: حقه في العيش بحرية وكرامة، حقه في الديموقراطية، حقه في البيئة، حقه في "الحماية من الإرهاب"، حقه في الوجود سيما مع التهديدات التي طالت مؤخرا طبقة الأوزون...الخ.

 

هذه الحقوق هي التي بدأ يعتبرها البعض حقوقا جديدة، إلا أن الكل فيها مكيفا وفق قانون الأقوى ثقافيا (لاحظ فرض إشكالية الشذوذ الجنسي في مؤتمر السكان الأخير على الرغم من كونها لا " تهم" العديد من الدول العربية والإسلامية).

 

والمعنى أن المحلي والجهوي انصهرا في الكوني بفضل ثورة تكنولوجيا الإعلام والاتصال ووظفت هذه التكنولوجيا لفضح العديد من ممارسات التسلط والقمع المحلية.

ثم هناك قوة هذه التكنولوجيا في التعريف، على المستوى الدولي، بقضايا هي أصلا محلية كتغطية القنوات الفضائية للمجاعة في إفريقيا أو توظيف مناضلي " زباطا" و " طوباك أمارو" لشبكة الانترنيت للتعريف بقضيتهم.

 

إذا نحن سلمنا بهذا التوظيف، توظيف "وسائط" الإعلام والاتصال في نشر الخبر على نطاق واسع، والتعريف بقضايا لم يكن لها أن تتداول لولاها، فإننا نعتقد بأنها تخدم الإشكالية المعرفية (من التعريف ليس إلا) وإن لم تساهم في إنتاجها بقدر ما ساهمت في تسريع دورتها شأنها في ذلك شأن الكتاب أو المقال أو الدراسة العلمية أو وسائل الإعلام والاتصال الأخرى، بالتالي وجب تنظير هذه العلاقة بما من شأنه أن يخدم الفضاء المعرفي.

 

ونبقى، إلى جانب هذا، مع الرأي القائل بأن الشمولية التكنولوجية لا يمكن إلا أن تؤدي إلى إعادة تشكيل المادة المعرفية على اعتبار أن تكنولوجيا الإعلام والاتصال لا تعني التقنية فحسب ولكن تتعداها إلى ما هو تكويني وثقافي وبالتالي تحيل إلى انتشار المعطيات وتحديد إمكانيات الوصول إليها وكذا المسؤولية الفردية والجماعية.

 

- التوتر الثاني ويكرس طبيعة العلاقة بين ما هو شمولي وبين ما هو فرداني. وهو التوتر الذي يحيلنا حتما، ولا يمكن إلا أن يحيلنا، على أطروحة العولمة سيما في جانبها الثقافي.

ماذا نعني بالعولمة؟

العولمة ظاهرة اقتصادية جديدة (ذات أبعاد وتمظهرات مختلفة)، وجديدة بالخصوص بالنسبة لمفاهيم التدويل وتعدد الجنسيات التي عهدناها في الأدبيات الرائجة.

هذه المصطلحات الثلاثة مختلفة وربما متداخلة:

 

+ التدويل هو مجموعة الأنساق التي تربط الاقتصاديات  الوطنية بعضها ببعض. وهو يحيل إلى مجموعة التيارات التي تربط الوحدات الوطنية المختلفة.

 

+ تعدد الجنسية هو الظاهرة التي نرى فيها الفاعلين الاقتصاديين يوسعون فضاء إنتاجهم إلى وحدات وطنية أخرى. وعلى هذا الأساس فظاهرة تعدد الجنسية تطرح مشاكل أعقد من التدويل على اعتبار أنه إذا ما صدر فاعل اقتصادي قوته الإنتاجية فهو يضعف البلد الذي خرج منه ويحصل على قوة مراقبة جديدة في البلد الذي حط به الرحال.

 

+ العولمة ظاهرة جديدة (لا يتعدى عمرها 20 إلى 30 سنة). وهي معبرة عن مجموعة العوامل التي تجعل من عدد من السلع والخدمات تصمم وتطور وتنتج وتوزع وتستهلك وتصان وتقيم على مستوى دولي بدون أن يكون للدولة، حيث تمر هذه العملية، قيمة في حد ذاتها(2).

بمعنى آخر فالإطار والمقاييس الوطنية لا اعتبار لها و لا سيطرة في ظل العولمة، إذ تعولمت هياكل مؤسسات الإنتاج بفضل تكنولوجيا الإعلام والاتصال، وطرحت بذلك إشكاليات جديدة: ما ذا سيصبح الاقتصاد الوطني في غياب مؤسسات إنتاجية وطنية؟ ماذا يعني إطار المصلحة الاقتصادية الوطنية؟...الخ.

 

هذه الإشكالات ستطرح بشدة في المستقبل سيما لو لاحظنا مثلا أن في سنة 1988، 44 بالمائة من العجز التجاري الأمريكي مع اليابان جاء من الشركات الأمريكية الأصل العاملة باليابان والمصدرة للولايات المتحدة، بالتالي فكلما كانت المؤسسات "الأمريكية" بخير كلما عانى الاقتصاد الأمريكي.

 

هناك استقالة شبه تامة للدولة الوطنية أمام الشركات المتعددة الجنسيات: فالنصوص التشريعية التي تخدم مصالح هذه الأخيرة تمرر باستعجال كبير وفي الليل إذا تطلب الأمر ذلك (كما فعل ذلك مؤخرا برلمان وحكومة كوريا الجنوبية) على الرغم من أن هذه الشركات لا تساهم إلا بنسبة 1،7 بالمائة من التشغيل العالمي، 9 بالمائة من الضرائب العالمية في الوقت الذي تحتكر فيه ما يفوق 80 بالمائة من التجارة الدولية.

 

تكنولوجيا الإعلام والاتصال ساهمت إذن، وإلى حد كبير، في تكريس العولمة كواقع، في الوقت ذاته خضعت شركات الإعلام والاتصال بدورها للعولمة: كبريات شركات الاتصالات وكبريات شركات المعلوماتية (بيل غاتس، 40 سنة، أول ثروة في العالم، وضع في سوق 146 دولة نظام نافذة 1995في وقت متزامن)، في حين تعتبر فضائيات السمعي- البصري معولمة بطبيعتها.

ومن القضايا أيضا ما أصبح معولما عندما أريد له أن يكون كذلك كقضايا البيئة والإرهاب وحقوق الإنسان.

 

العولمة لم تمس المؤسسات الإنتاجية و لا تكنولوجيا الإعلام والاتصال فحسب، بل طالت أيضا في تبعاتها، نظم القيم وأنماط التفكير وطرق العيش وكيفيات الكينونة، وكانت وراء ما سمي بهيمنة الفكر الواحد والعقيدة الواحدة والتفكير الواحد ولنقل، بارتباط مع إشكاليتنا، المعرفة الواحدة، سبيلها في ذلك تراجع أدوار الدولة والتشريعات الوطنية وظهور مؤسسات فوق- وطنية وتعميق دور الموجودة منها، وسيطها في ذلك غزو الثقافات تمهيدا لغزو الأسواق.

 مثالان على ذلك:

 

+ الأول: معظم القنوات التلفزية الفضائية تعظم نمط الاستهلاك والإنتاج الغربي وتجعل من اللغة الوسيط الأمثل لتكريس هذا النمط،

 

+ الثاني: إجبار الفضاءات الأخرى ترغيبا للخضوع لمنطق الأقوى: أكثر من 95 بالمائة من معطيات الإنترنت باللغة الإنجليزية مقابل 3،25 للألمانية، 2،25 للفرنسية وأقل من 1 بالمائة للغات "الغربية" الأخرى. بالتالي فمن أراد أن يقرأ عالميا عليه الكتابة والتواصل بالإنجليزية: معظم الباحثين الفرنسيين مثلا يكتبون بالإنجليزية أو يترجمون أبحاثهم إليها إن هم أرادوا ترويجها أو تقديمها لجوائز عالمية.

 

ماذا نستخلص من هذا التوتر بالنسبة للإشكالية المطروحة؟

نستخلص أمران أساسيان اثنان:

 

°- أن العولمة وتكنولوجيا الإعلام والاتصال، وإن خدمتا المعرفة (توفير بنوك معطيات وتقارير ومحاضرات ودراسات لكل المرتبطين بالشبكات) فإنها توظف "الفضاء المعرفي العالمي" (الثقافة أساسا) كوسيلة لا كهدف، وسيلة الوصول إلى الأسواق وتكريس منطق الربحية الرأسمالي.

واعتبارا لذلك فهي تتبنى قلبا وقالبا سياسات اللاتقنين والتحرير والخوصصة ...الخ.

 

°- أن العولمة وتكنولوجيا الإعلام والاتصال لا تكرسان، في نهاية المطاف، إلا طرح الفكر الواحد والمعرفة الواحدة والثقافة الواحدة، ولا تهتم بالهويات الثقافية والقيم الرمزية التي تنتجها الثقافات الأخرى (المتدنية كما يقال) إلا بالقدر الذي يخدم منطق الثقافة المهيمنة.

 

-  التوتر الثالث ويحيلنا إلى العلاقة بين إشكاليتي الأصالة والمعاصرة وأطروحة التجديد المعرفي الذي حملته تكنولوجيا الإعلام والاتصال.

ومعنى هذا هو القول، كيف توظف تكنولوجيا الإعلام والاتصال في إغناء المادة التراثية وترويجها على مستويات واسعة: كيفية التكيف مع العصر دون تنكر الفرد لذاته، وسيلة الحفاظ على الاستقلالية الجماعية دون المس بالقيم الذاتية...الخ.

 مثالان على ذلك متناقضان:

 

+ سنغافورة، دولة- جزيرة رأسمالية، متحررة الاقتصاد ومتقدمة، هذه الدولة تتعامل بتحفظ شديد مع الإنترنيت كونها تعتبره ممررا لقيم فاسدة (" قيم" الغرب المنحل) ولا تتطابق والمبادئ الكونفوشية.

+ فرنسا، دولة ذات حضارة عريقة، ترقمن حاليا لوحات متحف اللوفر لتقحمها في شبكة الإنترنيت للتعريف بتراثها وفنها الأصيل.

 

هذان المثالان يدلان على أن تكنولوجيا الإعلام والاتصال قد توظف بامتياز لتطوير مقاربات الحقل المعرفي، لتجديده ولتوسيع نسبة المضطلعين عليه وكذا لحماية الهوية.

 

هل يموت الكتاب كأصالة لصالح السمعي-البصري والمعلوماتي كمعاصرة؟

 

هذه الإشكالية لم تحسم بعد لكني مع الرأي القائل بأزلية ثقافة الكتاب والقراءة لأن المقروء والمكتوب يكرس ذاكرة البشرية في حين أن الوقت الحالي، وقت التسارعات الضخمة الوتيرة، قد مكن من تسريع إمكانية الوصول إلى المعلومة.

ففي الولايات المتحدة الأمريكية نقرأ أن طبيبا من أصل خمسة لا يتعامل مع التطورات الطبية من خلال الكتب أو المجلات (حيث تتقادم المعلومة ب 18 إلى 20 شهر قبل نشرها)، ويلجأ للوسائل التيليماتيكية كبنك المعطيات "ميدلاين" حيث 3700 مجلة طبية تجدد المعلومات فيها بانتظام.

 

وقصد القول إنه إذا كانت الوسائل الإلكترونية تكرس النسيان على المدى الطويل، فإن وسائل الإعلام المكتوبة والمثقف (3)هي وسيلة للفكر وللتحرر وتجنيب المجتمعات أخطار الارتباط الإلكتروني المرعب.

 

- التوتر الرابع  ويتعلق بالعلاقة بين الوقت الطويل والوقت القصير. وهو توتر أزلي ومستمر. إلا أن تكنولوجيا الإعلام والاتصال ستكرسه أكثر وتعمقه بحكم سيطرة منطق الآنية والسرعة (وهو أحد مميزاتها الأساسية) وتسارع وتيرة التاريخ بحكم طغيان ديكتاتورية الحدث والمعلومة.

 

هذا المنطق يتعارض ومنطق التحفظ والتنقيب وطقوس الهدوء والتجرد التي تحكم الإشكالية المعرفية.

بمعنى أن هذه الإشكالية المعرفية لا يمكن أن تتقدم إلا في ظل استقرار الظواهر الآنية وثبوت مكوناتها واجتماع كافة معطياتها. وهو ما لا تمكنه تكنولوجيا الإعلام والاتصال المهووسة بالسرعة وبالآنية.

مثالان على هذا التوتر:

 

°- هناك حاليا ما يناهز 1500 إلى 1600 مليار دولار تجول يوميا في الشبكات... لا تحتاج منها الاقتصاديات المادية المنتجة إلا 2 إلى 5 بالمائة لتمويلها. بالتالي ف 95 إلى 98 بالمائة من هذه "الرساميل الرمزية" (الممأسسة لأسواق نقدية مرتبطة شبكيا 24 ساعة على 24 أي أن الوقت العالمي لا ينام) تتحرك على شكل مضاربات مالية.

 

المضاربات في طرحنا هي الوقت القصير، والإنتاج المادي هو الوقت الطويل وشتان بن منطق المضاربة والإنتاج المادي.

 

°- هناك ما يناهز 30 بالمائة من المواقع الموجودة بالانترنيت مخصصة للمعاملات التجارية على الرغم من كون الشبكة خلقت أصلا للبحث العلمي (العسكري في البداية، المدني فيما بعد) ولربط حوا سيب الجامعات والمعاهد.

لو سلمنا بأن هذه المواقع التجارية تعبر عن الوقت القصير، فإن المواقع الأكاديمية هي بامتياز تعبير عن الوقت الطويل.

 

خلاصة القول فتكنولوجيا الإعلام والاتصال مهووسة بالسرعة وبالآنية، في حين تبقى الإشكالية المعرفية (الثقافية بالأساس) محكومة بمنطق التريث والتجرد والنفس الطويل كما يقال.

 

- التوتر الخامس ويجرنا للحديث ، في زمن الشبكات الكونية كالإنترنت أو التغطية الشمولية للكرة الأرضية بأقمار البث التلفزي الفضائي، عن العلاقة التي تربط ممكنات تكنولوجيا الإعلام والاتصال بمبادئ "الوصول الديموقراطي للمعرفة".

فلو سلمنا جدلا بأن تكنولوجيا الإعلام والاتصال تسهل كوسيط إمكانية الوصول إلى الثقافة والمعرفة والخبر فإنها لا تمكن ذلك بصورة ديموقراطية وعادلة لا على المستوى الدولي فحسب ولكن أيضا على المستوى الوطني والجهوي:

 

+ هناك، على المستوى الدولي، تباينا ضخما فيما يخص إمكانات الوصول إلى المعرفة بحكم تمركز هذه التكنولوجيا بين يدي عدد جد محدود من الدول والشركات: الولايات المتحدة تنتج لوحدها 80 بالمائة من الأقراص المحورية (س.د.روم)، 90 بالمائة من البرامج المعلوماتية الجماهيرية وثلثي أنظمة الويب.

 

هناك 15 شركة اتصالات يصل رقم معاملاتها التجارية إلى أكثر من 400 مليار دولار، ضمن ال 25 صناعيي قطاع الإعلام والاتصال، 9 توجد بأمريكا الشمالية، 8 باليابان، 7 بأوروبا وواحدة بكوريا الجنوبية.

نيويورك لوحدها تتوفر على أكثر ما تتوفر عليه دول إفريقيا جنوب الصحراء من الخطوط الهاتفية. هناك خمسين مليون مستخدم للانترنيت، 40 مليون منهم يوجدون بأمريكا الشمالية (50 بالمائة منهم بكاليفورنيا وحدها).

نصف البشرية كما يقول طابو مبيكي، لم يتمكن من تمرير مكالمة هاتفية واحدة...والأمثلة كثيرة وتؤكد بعمق راهنية مطالب النظام العالمي للإعلام(4).

 

+ هناك، على المستويات الوطنية، تباينا خطيرا بين من لهم إمكانية الوصول ومن لا أمل لهم في ذلك: النخبة في المغرب مثلا هي التي تستفيد من الانترنيت عوض الجامعات ومعاهد البحوث.

فحتى لو توفرت إمكانية الوصول فإنها معاقة بالقدرة الشرائية وانصراف الباحثين عن البحث العلمي آثرين عليه "المعمار" والعقار، وإذا كان معظم الباحثين لا يستطيع الوصول لهذه الشبكة كمستهلكين فكيف سيصلونها كمنتجين؟

 

وقصد القول بإيجازإن التوترات بين ممكنات تكنولوجيا الإعلام والاتصال وتكريس الوصول الديموقراطي للمعرفة لا يمكن إلا أن تتعمق بحكم غياب الديموقراطية ورفض التعددية والرأي الآخر وهيمنة الهاجس الأمني المتخوف من كل جديد، وتهميش البحث العلمي وتكريس قيم النخبوية في الاستفادة من المستجدات التكنولوجية..وهي أمور متجاوزة تكنولوجيا ومعرفيا.

 

هوامش

 

(1)- في عدد مارس- أبريل لسنة   1996 من مجلة " فرين أفيرز" الشهيرة، يقول الرئيس الأمريكي كلينتون: "المعرفة هي أكثر من أي وقت مضى سلطة. فالدولة التي ستتزعم ثورة الإعلام هي التي ستكون قوية بين الدول. على المدى المنظور هذه الدولة هي الولايات المتحدة. هذه السلطة اللامادية ستمكننا من التحكم في العلاقات الدولية بالجذب لا بالقوة..." بالتالي فلا مجال لتحمل تكاليف عسكرية جديدة.

وقبله قال نيكسون: "أمريكا ليست استعمارية ولا تريد أراضي أخرى، إنها تريد اقتراح نمط تفكير".

 

(2)- لو أخدنا مثال رسم متحرك، نلاحظ أنه يبدع من طرف رسام ياباني، يقحمه في الحاسوب فاعل من سنغافورة، يدققه رسام هندي، يساعده في ذلك مهندسون أنفوغرافيين من كولورادو. والخلاصة أن كل الفاعلين مرتبطين شبكيا وكل واحد منهم يعمل لحساب شركته.

 

(3)- قد يكون بيير ليفي مصيبا حينما يقول إن الكتاب لم يمت، لكن حضارة الكتاب تحتضر وذلك على الرغم من كون الكتاب قد استفاد من الثورة التكنولوجية في طرائق تصنيعه وإعادة إنتاجه وتلفيفه.

إلا أن الكتاب قد بدأ يفقد من فضائه لصالح الأقراص المحورية والحاسوب والسمعي- البصري على الرغم من ترقينه وتسريع وتيرة ترويجه من خلال الانترنيت مثلا. كل يوم ملايين المقالات والدراسات والكتب ترقن وتدخل في الشبكات  وتوزع في العالم ليضطلع عليها من خلال الحواسيب وشبكات الحواسيب: نجد في الانترنيت حاليا كل كتب موليير وبلزاك ومجمل أعمال كارل ماركس باللغة الإنجليزية.

ونلاحظ من ناحية أخرى، أن معارض الكتب أصبحت تتم وفق نسق تجاري لا ثقافي. ففي معرض الكتاب 1995 بفرنسا، 10 بالمائة من الموسوعات والمجلدات والكتب كانت معروضة على شكل أقراص محورية.

 

(4)- الحرب الإعلامية انتقلت من البنيات إلى المحتويات والمضامين والبرامج، ودول العالم الثالث لا تتحكم في أي منها، فهي مستهلكة ولربما حتى هذه الوظيفة لم تعد مؤكدة لأنها معاقة باللغة والإمكانات وثقافة الحوار. دول العالم الثالث مقصاة لا تابعة ولربما سيكون حال بعض الأوروبيين، فلو أراد الفرنسي مثلا أن يضطلع على بونبارت في الانترنيت لوجده ضمن خدمات جامعة نيويورك.

واليونسكو نفسها لم تعد قادرة على الدفاع على بعض أطروحاتها وقد تعقدت بحكم التطورات التكنولوجية كحقوق المؤلف والملكية الثقافية وحماية الأطفال وغير ذلك. 

محاضرة، جمعية الشعلة للتربية والثقافة، حد كورت، فاتح فبراير 1997