"البحث العلمي في عصر المعلومات ووسائل الإعلام:
قراءة في محاضرة يحيى اليحياوي"
أعلنت الجمعية المغربية للأساتذة الباحثين عن نفسها عمليا بتنظيم ندوة علمية بمركز الدراسات والبحوث العلوية بالريصاني في موضوع "البحث العلمي في عصر المعلومات ووسائل الاتصال"(1). وقد أطر الندوة الباحث القدير الأستاذ يحيى اليحياوي.
ونظرا لما حظي به الموضوع المتنادى فيه من حضور متميز ونقاش مثمر واختلاف في الرأي مسؤول، ننشر فيما يلي الخطوط العريضة التي ركز عليها الباحث في مداخلته.
استهل الباحث مقاربته للموضوع بتسجيل ثلاث ملاحظات أولية:
أولاها تقضي بأننا لسنا بإزاء عصر للمعلومات تماما كما لم نكن يوما بإزاء عصر للخشب أو للحديد أو للنفط أو غير ذلك...وإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا ينفي حقيقة كوننا نعيش في عصر تنامت فيه وتيرة إنتاج المعلومات واستعمالها وتداولها. غير أن هذا الإطراد في الاستعمال لا يسوغ هنا إطلاق تسمية عصر المعلومات، إذ لكل عصر طفرته المعلوماتية وهذا على الأقل منذ اختراع المطبعة خلال القرن الخامس عشر.
ومعنى ذلك أن حجم المعلومات ووسائل إنتاجها وتداولها لا تفسر لوحدها التسمية على اعتبار وجود عوامل ثقافية واجتماعية ونفسية ...تمنعه وتدفعه.
أما ثانيها فيمكن اختزالها في سؤال يثير من الإجابات مقدار ما يثير من الإشكالات: ما المقصود بالبحث العلمي؟ هل هو البحث في العلوم الدقيقة من علوم أحياء وبيوتكنولوجيا وعلوم الأرض والفضاء وتكنولوجيا الاتصالات والمعلوماتية (وهي أبحاث تتم داخل المختبرات) أم المقصود به ما يتعلق بالاقتصاد السياسي للمعلومات والاتصال والاقتصاد الصناعي للشبكات وعلوم النفس والاجتماع والإحصاءات ومراصد تتبع وانتقال المعلومات واستهلاكها... وهي أبحاث غالبا ما تتم بعيدا عن المختبرات ينجزها دارسون في العلوم الاجتماعية والإنسانية؟
يستمد هذا السؤال مشروعيته، في نظر الباحث، من سؤال آخر يطرح نفسه عند قراءة ميزانية البحث العلمي...هل هي مخصصة للاكتشاف والإبداع والتنمية والتطوير أم مخصصة لدراسة التبعات والأهداف والخلفيات الاجتماعية والنفسية والثقافية لذلك...؟ بالتالي، فمن الجواب على هذا السؤال يتحدد المقصود بالبحث العلمي.
أما الملاحظة الثالثة فتصدر عن اعتقاد يقضي بأن طرفي المعادلة (البحث العلمي من جهة وعصر المعلومات من جهة أخرى) غير قارين، وأن مقاربة معادلة عناصرها في حركة مستمرة تظل مطمحا صعب المنال إن لم يكن حقيقة الأمر جد متعذر. ومن ثمة فإنه من المجازفة الحديث عن هذا الموضوع من جهة العلاقة السببية أو التفاعلية، إذ ذلك يشبه إلى حد ما السير فوق بساط متحرك.
لهذه الاعتبارات اكتفى المحاضر بعرض طائفة من الحقائق والمعطيات رآها حافزا لنقاش فاعل في الموضوع ومن تلك الحقائق:
1- أن العالم بدأ ينتقل تدريجيا من اقتصاد سوق تقليدي إلى اقتصاد شبكات ذي تيارات، يسميه البعض اقتصادا جديدا أو اقتصادا معرفيا أو اقتصادا لاماديا أو اقتصادا افتراضيا. ومن هذا المنطلق لا يصبح البحث العلمي مرتبطا بإبداع السلعة وتصميمها فقط، بل أيضا معنيا بما ينتج عنها من ترابطات وتداخلات.
ففي ميدان تكنولوجيا الإعلام ووسائط الاتصال مثلا لم يعد البحث قطاعيا (اتصالات، سمعي-بصري، معلوميات...الخ) بل أصبح معنيا بما يتم داخل قطاعات أخرى.
واعتمادا على هذا المعطى تتبين طبيعة البحث العلمي المتطورة وتتبين أيضا أهمية الحرص التكنولوجي... أي متابعة ما يتم داخل كل قطاع قطاع ومتابعة ما يتم داخله.
- الحقيقة الثانية التي يخلص إليها الأستاذ المحاضر هو أن ما يسمى منذ مدة بطفرة تكنولوجيا الإعلام والاتصال (في البنى التحتية كما في المضامين) هو في حقيقة الأمر نتيجة تظافر ثلاثة عوامل كبرى:
+ أولا، الثورة الرقمية التي زاوجت بين القطاعات الثلاثة، ويراهن اليوم (سيما مع الأجيال القادمة للإنترنيت واكتمال بناء الطرق السيارة للإعلام والاتصال) على دمجها في قطاع واحد وموحد.
+ ثانيا، القطائع المؤسساتية التي ترتبت على سنين التحرير وإعادة الهيكلة واللاتقنين والخوصصة وغيرها.
+ ثالثا، انفتاح الفضاءات الاقتصادية التي ترتبت على تقدم ظاهرة العولمة مما جعل من شبكات الإعلام والاتصال القلب النابض للاقتصادات المتكرسة.
هذه العوامل الثلاثة سرعت، في نظر الباحث، وتيرة التطورات التي شهدها ميدان الإعلام والاتصال وعجلت بها... ومن ثم لم يعد البحث العلمي ترفا أو نشاطا تكميليا بل عامل تنافسية ولربما وسيلة بقاء للعديد من المؤسسات والشركات التي تشتغل في نظم الإعلام والاتصال والمعلومات.
- الحقيقة الثالثة وتتمثل في كون البحث العلمي، وخصوصا في مجال الإعلام والاتصال، لم يعد عموديا كما كان من ذي قبل، بل أصبح أفقيا يتم من خلال الشبكات، تحرر معه الباحثون في مؤسسة ما من ضرورة التواجد في فضاء محدد والاشتغال وفق أنماط تنظيم هرمية، إذ أصبحوا مرتبطين فيما بينهم ببنوك للمعطيات يطورون عبرها ومن خلالها أبحاثهم ودراساتهم.
تقود الملاحظات السابقة إلى أن البحث العلمي أصبح، في ظل الطفرة التكنولوجية في ميدان الإعلام والاتصال، شبكيا وجماعيا كما أصبح يتم عن بعد على عكس ما كان عليه الحال سابقا في زمني الثورة الصناعية أو ثورة الخدمات الأولى وغيرها.
- الحقيقة الرابعة ومفادها أن أعمال البحث والتطوير لم تعد تنجزها بالكفاية والفعالية الضروريتين إلا الشركات الكبرى إما بطريقة مباشرة وإما عن طريق فروعها المختلفة، وهو ما يفسر عمليات الانصهارات والاندغامات المتزايدة الحجم والوتيرة. هذه الأخيرة لا تتم فقط لأجل تخفيف التكاليف العامة أو بلوغ أسواق جديدة ، بل وأيضا لأجل بلوغ مستويات من شأنها أن تفرز ميزانيات كبرى للبحث والتطوير.
ومثل هذه الحقيقة تبين أنه أصبح من المتعذر تمويل عمليات البحث والتطوير إذا لم تكن الشركة ذات حجم كبير ولها من الموارد ما يمكنها من ذلك دونما تأثير في سيرها العادي.
- الحقيقة الخامسة وتتمثل في صعوبة التمييز بين البحث العلمي العسكري والبحث العلمي المدني. والسبب في ذلك لا يكمن في كون معظم البحوث والتطويرات جاءت من المؤسسة العسكرية فقط، بل وفي كون العديد من البحوث في المجال العسكري قام بها مدنيون، ومن ذلك أن بعض الأنظمة المعلوماتية المصممة من لدن المؤسسة العسكرية تصبح أحيانا أداة لغزو الأسواق. وخير مثال على ذلك نظام "إيشلون" وهو نظام للاستخبارات الأمريكية، لكنه يستعمل أيضا في التجسس على المنافسين فيما يخص الصفقات الكبرى. وهذا يبين أن البحث العلمي في المجال العسكري غالبا ما يوظف في الميدان العام والعكس صحيح.
- الحقيقة السادسة وتقضي بأن البحث العلمي، من المبتدأ إلى المنتهى، هو بحث في المعلومات وعن المعلومات، لكن دون أن يعني ذلك أن تراكم المعلومات هو زيادة في المعرفة أو زيادة في الثقافة، إذ أن جزءا بسيطا من المعلومات هو الذي يتحول إلى معرفة ثم إلى ثقافة.
انطلاقا من هذه الحقائق والمعطيات التي ترسم معالم البحث العلمي ذي الإنتاجية القوية ولسياقاته وهيئاته المحتضنة انتقل المحاضر إلى رصد واقع البحث العلمي في الدول الثالثية وفي المغرب بشكل خاص، مبينا أن الحصول على معلومات في هذا المجال عسير، لكن ذلك لا يمنع من تسجيل بعض الملاحظات تعكس وجود مفارقات صارخة.
ففي الوقت الذي يتم فيه الحديث عن البحث العلمي ودوره في التنمية، يلاحظ أن الميزانيات المخصصة له هزيلة جدا وموزعة عشوائيا ولا تفرز منتوجات أو مخرجات ذات قيمة علمية.
وفي الوقت الذي تتبجح فيه القطاعات المكلفة بالبنى التحتية للمعلومات بخطاب "مجتمع الإعلام والمعرفة" نجد الواقع لا يعكس شيئا من ذلك وهذا ما يؤكده مثلا عدد الحواسيب أو نسبة المنخرطين في الإنترنيت وغيرها.
أما المفارقة الثالثة فلا تقل حدة عما سبق، وهي ذات صلة بما يسمى منذ مدة بظاهرة "هجرة الأدمغة". فعلى مستوى الخطاب الرسمي يتم التركيز على أهمية الموارد البشرية وتخصص أموال باهظة لتكوين أطر ذات كفاءة عالية، لكن هذه الأطر غالبا ما تهاجر نحو دول أخرى فتذهب النفقات أدراج الرياح وكأن الأمر لا علاقة له بحساب التكلفة والفائدة...وهذا وجه من وجوه الانفصام بين الشعار والممارسة.
لعل الناظر في المعطيات التي قدمها الباحث قد يخلص إلى رسم صورة قاتمة لواقع البحث العلمي في المغرب حاضرا ومستقبلا إذا تحكمت فيه العقلية نفسها واستمرت عليه.
إلا أن القائم أن مثل هذا الخطاب هو خطاب مزعج بكل المقاييس لأنه يقدم الحقيقة كما هي لا الحقيقة المرغوب فيها...وهذا هو الفيصل بين الخطاب العالم وغيره من الخطابات الرائجة.
(1)- يحيى اليحياوي، "البحث العلمي في عصر المعلومات ووسائل الاتصال"، محاضرة بمدينة الريصاني 20 أبريل 2002، تغطية حفيظ إسماعيلي العلوي، جريدة بيان اليوم 2 ماي 2002، جريدة الجمهور، 15 ماي 2002، جريدة العمل الديموقراطي، 16-22 ماي 2002.