العنف يتولد كرد فعل لسياسات دولية غير
متوازنة
قراءة
في كتاب 'الإرهاب وأممية الاحتجاج على العولمة' للباحث المغربي يحيى اليحياوي
قد يكون من المبالغة القول بأن الإرهاب
وليد العولمة، على اعتبار أنه قد يكون وليد ظروف أخرى وهو كذلك إلى حد ما، وقد يكون
من المجازفة اعتباره ابنها الشرعي، لكن من المؤكد أنها كانت العامل المركزي الذي
سرع من قدومه، بالصيغة التي بزغت يوم الثلاثاء الأمريكي الأسود، وأدى إلى "التضامن
الضمني" الواسع معه ليس فقط من لدن منظمات مناهضة للعولمة أعادت رفع شعارات كانت
قد رفعتها قبل تاريخ الاعتداءات، ولكن أيضا من لدن مفكرين غربيين تتميز مواقفهم
بالحياد الكبير وبالموضوعية غير الملتبسة (نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر،
نعوم تشومسكي، إمبرتو إيكو، إيناسيو راموني، هوارد زن، روبرت فيسك، إدواردو غاليانو،
إدوارد هرمان..).
وبقدر ما خلقت العولمة للإرهاب بنيته
المادية في الخطاب والممارسة، فالإرهاب بدوره فتح للعولمة سبل الانتشار والتوسع،
والكاتب لا يلمح فقط هنا إلى إمكانية ازدهار أسواق التسلح وما يترتب عنها من صفقات
للشركات المتعددة الجنسيات، ولكن أيضا إلى ما يستتبع ذلك من " تنسيق" للسياسات
الأمنية بين جل دول العالم في إطار ما يمكن تسميته مجازا وحقيقة ب "العولمة
الأمنية"، من منطلق أن الولايات المتحدة لم تعد تكتفي بنظام تجسسها الكوني الذي
يصطلح عليه " نظام إيشيلون"، ولا فيما توفره لها أجهزتها للاستخبارات، ولا فيما
تزودها به أقمارها الصناعية المتعددة الوظائف، بل أضحت في حاجة إلى "عرافين جدد"
مباشرين يستخبرون حل "المجموعات الإرهابية" وترحالها.
لهذا الاعتبار ولغيره سيصبح الإعلام رهين
سلطة القرار السياسي والعسكري وإلا لصنفت بدورها داعما للإرهاب أو بوقا للإرهابيين،
ويستشهد المؤلف في هذا المقام باتهام قناة "الجزيرة" القطرية "بتعاطفها" مع بن لادن
حينما مررت خطبا له قيل إن بها جملا مشفرة موجهة لأنصاره! ناهيك عن إجبار القناة
على الانتقال إلى البث الرقمي المحدود بعدما ضمنت لنفسها ملايين المشاهدين عبر
الفارزات التشابهية الواسعة الانتشار، وفرض على معظم قنوات العالم التلفزية حربا
سيميائية أضحت بموجبها مصطلحات الإرهاب مسلمات تؤثث الخطابات وتبني للتحليلات.
1-
عناصر التضاد بين الإرهاب والعولمة
إن توحد الإرهاب والعولمة لدرجة الانصهار،
كما في حال الاعتداءات، أو تكاملهما كما في العديد من حالات الاحتجاج ضد العولمة ـ
تحطيم رموز العولمة في حالة جوزي بوفي بفرنسا أو شركات تطوير المزروعات بيولوجيا
كما في سويسرا وغيرها ـ لا ينفي وجود عناصر التضاد والتنابذ بين الظاهرتين:
- فالعولمة، في خطابها على الأقل، تتغيأ
حرية الحركة والتنقل للسلع والخدمات، للرساميل والأفراد، في حين أن الإرهاب هو حد
موضوعي لهذه الحرية ليس فقط للدول والجهات المتهمة بإيوائها لعناصر الإرهاب، ولكن
أيضا لكل جهات العالم حيث يتقلص الأمن إلى مستواه الأدنى وتحد سياسات المراقبة
والتفتيش من حركية السلع والأفراد وتستباح مراقبة تنقلات الأفراد والجماعات والنبش
في سجلاتهم والتنصت على مكالماتهم واستباحة رسائلهم البريدية والألكترونية وغير
ذلك.
- والعولمة، وإن كانت تبيح المنافسة
وتستبيح الحرب الاقتصادية المضمر منها والمعلن، فهي لا تعلن العداء على
الديموقراطية بقدر ما تتبناها وتدفع دول وشعوب العالم إلى اعتمادها وتوطينها، في
حين أن الإرهاب لا يستسيغها بل يعتبرها اختزالا لحق الدول والشعوب في اختيار حكامها
وممثليها مباشرة دون وسطاء أو موسطة تذكر.
وإذا سلمنا جدلا مع المؤلف بوجود
ديموقراطية سوق تساير العولمة وتبرر سياسيا وحقوقيا لوجودها، فإنه من العسير إيجاد
تبرير لديموقراطية من صلب الإرهاب، إذ الإرهاب في حد ذاته هو نفي مطلق لكل أشكال
التعبير الحر والتفكير "المستقل". وبالتالي فمحك الديموقراطية (ديموقراطية السوق أو
غيرها) هو الصخرة التي على قمتها يصطدم منطق العولمة المتقدم بمنطق الإرهاب الجارف،
وهما معا نتاجا لسياسات واحدة ولمرجعية في التفكير واحدة ولمسوغة في الحركة واحدة.
- وأخيرا، وليس آخرا، تبقى العولمة نقيضا
للإرهاب حتى وإن كانت تضمر ذات التصور والممارسة. إذ أنها تشييع مضمر للإرهاب تشرعن
له المرجعية وتقنن له السبل. فالعولمة بسلوكياتها وممارساتها وبفلسفاتها أيضا، هي
تدويل للإرهاب وتعدد لجنسيته، يتساوى في ذلك صاحب القضية المشروعة كقضية الأرض
مثلا، بصاحب المشكل المشروع من قبيل مشكل البطالة أو مشكل التفجيرات النووية أو
مشكل الارتفاع الحراري أو مشكل التشكيل البيولوجي للأغذية أو غيرها.
تتحمل العولمة المسؤولية الكبرى في إيصال الإرهاب إلى أمثل صوره،
تماما كما أوصلت الرأسمالية الإمبريالية إلى أقصى مراحل تطورها. والعولمة هي التي
خلقت اليأس في وجه المستضعفين ودفعت بتطرفها لحد تطرفهم واستثمرت فعلها في عدم
استحضار رد فعلهم واستباحت أرضهم وثرواتهم في تغييبهم ونفيهم وضغطت عليهم لدرجة
الانفجار.
2-
الثلاثاء الأسود
وتأثيره على مسار العولمة
لم يكن لعملية، من قبيل عملية ضرب مبنى
التجارة العالمي ومقر البنتاغون، أن تفرز من الانعكاسات السريعة والمتوالية كالتي
حصلت، لو لم تكن قد طالت أول قوة اقتصادية وعسكرية ومالية وسياسية وتكنولوجية في
العالم. ولم يكن للحادث ذاته أن يلقى من ردود الأفعال ما لقي لو لم يكن قد استهدف
رمزين من رموز العولمة الاقتصادية والعسكرية تتجمع بها من الأسرار المالية والحربية
ما لا يتجمع بأي جهة أخرى من العالم.
هناك ما لا يقل عن ثلاثة توجهات كبرى لن
يشد مسار العولمة عن سلكها في المدى المنظور كما في الزمن الطويل:
- التوجه الأول، وهو مباشر وآني، ويتمثل
في سمة الركود والانكماش اللتان طبعتا الاقتصاد العالمي طيلة السنين الأخيرة
ووسمتها انفجارات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 بسمة الاستمرارية والتجدر. وعلى هذا
الأساس، فبقدر ما سيشتد الخناق على العديد من الدول وخاصة دول العالم الثالث، جراء
النفور المحتمل للاستثمار فيها وتقلص إقبال السياح عليها، بقدر ما ستزداد ضروب
الأزمة والتقشف والمديونية الخارجية وغيرها بداخلها.
لن يزداد مسار العولمة قطبية ولا تمركزا
لمنظومة الاقتصاد والمال والعلم والتكنولوجيا، بل ستزداد معها مسلسلات تهميش الدول
والقارات إما بسبب تصنيفها ضمن "المناطق الخطرة" أو بسبب عدم أهميتها الاستراتيجية
لفاعلي العولمة الكبار.
- التوجه الثاني ويكمن على المدى المتوسط
بالأساس، في توسيع دائرة الاقتصاد "العالمي" من لدن العولمة إلى الدول والشعوب التي
لا تتناقض توجهاتها وتوجهات اقتصاد السوق والليبرالية الاقتصادية والسياسية. فلن
يقتصر الأمر في هذا على الدول الآسيوية التي ما فتئت تنفتح على الاقتصاد
والليبرالية، ولا على دول أمريكا اللاتينية ذات الأسواق الواسعة والتوجهات
التحريرية، ولكن أيضا على الدول الأوروبية التي لم تلبث تدفع بمنظومة الاقتصاد الحر
وحرية السوق ومبدأ المنافسة على غرار ما يسلكه جيرانها في الاتحاد الأوروبي.
- التوجه الثالث وهو التوجه الطويل المدى
والذي لن تسمح العولمة بمقتضاه لمنظومة سواها في الاقتصاد والسياسة والثقافة أن
تتطلع لمنافستها أو الاعتراض على مسارها. فلن يكون على هذا الأساس، لتطلعات السوق
العربية المشتركة أن تتجسد ولا لطروحات "الوحدة العربية والإسلامية المشتركة" أن
ترى النور إلا إذا "انصهرت" قلبا وقالبا في طبيعة العولمة الليبرالية المطلقة
واقتصاد السوق المقدس للإنتاجية والتنافسية والفردانية و" ديموقراطية السوق"
المبنية على أسس الحداثة الغربية والعلمانية المتطرفة. وهذا أخطر ما ينذر به المؤلف
في كتابه هذا، لأننا سنكون هنا، في هذه النقطة السوداء، حتى لا نقول الكافكاوية،
بازاء إفراغ حقيقي لأشكال "العمل العربي والإسلامي المشترك" من خلفيته الثقافية ومن
منظومة القيم التي من المفروض أن تمهد للعمل إياه وتبرره وتضمن له سبل التكريس.
3-
العنف يتولد كرد فعل
لسياسات دولية غير متوازنة
بالرغم من التهويل الدعائي الذي تم تفجيره
بعيد الاعتداءات، بخصوص الأزمات التي ستعصف باقتصاديات دول "العالم الحر"، فقد لوحظ
أن العديد من السياسات والممارسات السابقة لانفجارات 11 أيلول (سبتمبر) بقيت وستبقى
مخترقة لكل توجه على حدة ولها مجتمعة أيضا، ويختزلها المؤلف في النقاط التالية:
+ فالتيارات المالية المضارباتية العابرة
للحدود وللتشريعات لم يبد أنها تأثرت كثيرا بما وقع، أو حتى تعير كبير اعتبار لما
يرسم من مسارات للعولمة.
+ وممارسات تبييض الأموال والقرصنة
المعلوماتية والفكرية وعمليات التجسس الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية وغيرها لم
يثبت أنها تراجعت جراء الأحداث إياها ولا هي في طريقها للانصياع لمشاريع "التضييق"
التي يعزم فاعلو العولمة اعتمادها.
+ واحتجاجات مناهضي العولمة لا يبدو أنها
فترت أو هي في طريقها إلى ذلك، إذ لم تر الاحتجاجات إياها في ذات الأحداث إلا رد
فعل طبيعي على مسار للعولمة لا يهتم فاعلوه إلا بالربح والريع دون إعارة أدنى
اعتبار لقيم المواطنة و"حق الشعوب" للمساهمة في تحديد المسار إياه.
وبالنتيجة، نحن أمام ممارسات وسياسات لا
يتطلع المنددون بها إلى إعمال مبدأ "الأنسنة"، بل يتعدونه إلى المطالبة بعولمة
أخرى على نقيض مسار العولمة الحالية التي تتغيأ " تبضيع" العالم و"تسليع" سكانه.
قد تلجأ الولايات المتحدة والغرب عموما
إلى " تحسين شروط أدائها" بما لا يؤنب عليها من جديد الرأي العام، لكن ذلك لن يحول
إطلاقا دون شذوذها عما تعتبره القاعدة في سلوكها العام، وكما تعودنا مع أسلوب
المؤلف في التدقيق والتفصيل، نجده يوزع مقدمات هذه القاعدة عبر نقاط ثلاث:
+ فالولايات المتحدة لا ترى في نظام
العولمة إلا ذاك المبني على اقتصاد السوق والمتمركز على الليبرالية الاقتصادية
ومركزية القطاع الخاص وسيادة قيم الربحية والإنتاجية والتنافسية والمرونة وما
سواها. فلا يقتصر نظام العولمة في تصور الولايات المتحدة فقط على تأمين النظام إياه
وحمايته من أي استهداف محتمل، بل وأيضا مطالبة الدول والحكومات ـ لدرجة الإملاء ـ
بضرورة اعتماده دون استحضار يذكر لبنى هذه الأخيرة الاقتصادية أو الاجتماعية أو
لظروف تنميتها أو لإكراهاتها الموضوعية.
+ والولايات المتحدة لا تريد أن تستقرأ
نظام العولمة التي تتزعم إلا في سياق " ديموقراطية السوق" التي لا ترى عنها بديلا
لضمان الاستقرار السياسي والمؤسساتي الذي من شأنه أن يمكن الدول والشعوب من "جني
ثمار العولمة" و"الاستفادة من إمكانيات الانفتاح" التي تمكنه للأفراد وللجماعات.
وبالتالي، فليس من الوارد قطعا لدى الإدارة الأمريكية منح الشعوب سبل ا ختيار
حكامها بحرية وشفافية أو السماح بأنظمة حكم تعارض مسار العولمة بقدر ما ستدفع
بتكريس " ديموقراطيات" شكلية تضبط المجال السياسي وتحول دون قيام حكومات "متطرفة"
قد يتعذر التحكم في سلوكها المستقبلي.
+ ثم الولايات المتحدة لا تؤمن بنظام
للعولمة آخر غير القائم على أسس " ثقافة السوق" المؤسسة لاقتصاد السوق ذلك و"
ديموقراطية السوق" تلك. فهي ـ أي الولايات المتحدة ـ لا تدفع في هذا الباب بسيادة
"الفكر الواحد" الذي نظرت له لفائدتها مراكزها في الأبحاث الاستراتيجية وغيرها،
بقدر ما تدفع أيضا بضرورة سيادة منظومتها للقيم الثقافية والحضارية على غيرها من
منظومات القيم.
أهم خلاصات هذا التسطير، أنه طالما أمعنت
الولايات المتحدة، لتصريف تصورها في العولمة، بفرض " نظامها للقيم"، فإنها ستصطدم
حتما بردود أفعال قد يصل مداها إلى اعتماد العنف وقد يتعداه، ومن ينكر أن استباحة
الجنود الأمريكيين لطهارة الأماكن المقدسة بالسعودية يعتبر مدعاة لردود أفعال قد لا
تكون اعتداءات الثلاثاء الأسود إلا إحداها، وكذلك الشأن مع سكوت الولايات المتحدة
والغرب بأكمله على تدنيس شارون للأماكن الإسلامية المقدسة، والذي يجسد بدوره سببا
كافيا لانتهاج الفلسطينيين سبل العمليات الاستشهادية.
لعل أهم
الخلاصات التي نخرج بها مما سبق، هي أنه لا سبيل لاجتناب العنف و "الإرهاب" إلا عبر
إقامة أسس جديدة لعولمة عادلة ومنصفة وفوق كل ذلك محترمة لخصوصيات الدول والشعوب.
فالعولمة، يضيف المؤلف، لا يجب أن تتغيأ رسم العلاقات الاقتصادية
والسياسية والعلمية والتكنولوجية الدولية على خلفية من تصور واحد مسبق ووفق مرجعية
واحدة محددة وعلى أساس من تمثل واحد قائم، بل أن تتغيأ إنصاف الدول والشعوب
والمجموعات والثقافات ومنظومات القيم الأخرى…وتتطلع
لتحويل العولمة إلى عالمية عوض الإمعان في عولميتها اللامتناهية.
4-
في الإرهاب والعولمة والنظام العالمي الجديد
ترتكز قراءة المؤلف لثنائية "النظام
العالمي الجديد والعولمة" كثيرا تقادم طرح النظام إياه وانصراف الخطاب عنه لفائدة
أطروحات أخرى "متجددة".
فالانفجارات التي طالت مبنيي التجارة
العالمي والبنتاغون لم تكن تستهدف الولايات المتحدة في حد ذاتها ـ كديموقراطية
واقتصاد وثقافة ـ بقدر ما كانت تستهدف رموز العولمة الاقتصادية والمالية والعسكرية
التي جعلت من الولايات المتحدة " صانع" العولمة ومروجها والمدافع الأمين عن
طروحاتها. والانفجارات إياها لم تكن موجهة للولايات المتحدة كونها "مصممة" العولمة
وصاحبة طرح النظام العالمي الجديد لمجرد أنها مصممته أو صاحبته، بل لأشكال الظلم
والاستبداد والهيمنة والاستهداف التي تكرسها المنظومات إياها على الدول والشعوب
وعلى الأفراد والجماعات.
والمؤسف، أننا نجد الإدارة الأمريكية لا
تستقرأ ما تعرضت له من اعتداءات على خلفية هذه المعطيات الدالة، بقدر ما تستقرأ فيه
حربا معلنة ضد الديموقراطية الأمريكية والرأسمالية الأمريكية ونمط العيش الأمريكي
من لدن دول أو جماعات " لم تتشبع" بعد بقيم الحداثة والليبرالية والحرية والأخلاق
المدنية!!
ثم أن الاعتداءات لم تكن تستهدف أسس
الديموقراطية السياسية الأمريكية في حد ذاتها، بقدر ما كانت رد الفعل ـ من لدن
منفذي العملية ومن لدن العديد من الدارسين للمفارقة ـ على السلوك الأمريكي
اللاديموقراطي وطبيعة علاقات الولايات المتحدة بباقي الدول والشعوب:
ـ فالإدارة الأمريكية لم تكن راضية على
نزاهة الانتخابات بالجزائر، حيث دفعت بكل ثقلها لإجهاض المسلسل الديموقراطي وتمكين
المؤسسة العسكرية من السلطة.
ـ والإدارة الأمريكية لم تكن تستلطف وصول
الإسلاميين إلى السلطة بتركيا عندما أسهمت بضغط مباشر في إقصاء هؤلاء ومنع
تظاهراتهم وحل أحزابهم وجمعياتهم.
ـ والإدارة الأمريكية لم تتوان يوما في
حماية أنظمة سياسية مطلقة محتكرة للسلطة والثروة وللتأويل الديني ولا تعير أدنى
قيمة للمواطنة أو لحقوق الإنسان أو لمبدأ التناوب على السلطة كما هو حال العديد من
دول الخليج.
5- تجدر عقلية
الصدام مع الآخر
يلح الكاتب كثيرا على أن الاعتداءات لم
تكن بالضرورة تستهدف "الثقافة الأمريكية" ولا الحضارة الغربية بوجه عام، بقدر ما
كانت تستهدف "التعالي الثقافي" الذي كانت تدفع به الولايات المتحدة عبر هيمنتها على
وسائل الإعلام الكبرى، وإمعانها في فرض منظومتها للقيم على ما سواها من منظومات.
فليس ثمة من شك في تجدر أطروحة "التصادم الثقافي والحضاري" في منظومة القيم
الأمريكية وتموطنها في المخيال الشعبي للأفراد وللجماعات.
نحن لا نقف فقط أمام نظام عالمي جديد
ستكون حرب القيم بداخله على أشدها، بل سنكون وأكثر فأكثر أمام عولمة " للقيم
الأقوى" على حساب قيم "أضحت يوما عن يوم مصدر تهديد" للنظام العالمي ولنظام العولمة
المتكرس بداخله.
إذا لم يكن الأمر كذلك فما تفسير الحرب
التي شنتها الولايات المتحدة على الجمعيات الإسلامية الخيرية والثقافية والدينية
والاجتماعية والتعليمية وغيرها الموجودة بالولايات المتحدة وبالدول الغربية الأخرى!
هذا دون الحديث عن أهداف عزم الولايات المتحدة والعديد من الدول الغربية ممارسة
ضغوطات "على الحكومات الإسلامية الصديقة لها...لإجراء تغييرات جوهرية في برامج
التعليم الرسمية من أجل تعزيز قيم العلمنة وفتح مجال ثقافي وفكري أوسع يتيح استقبال
المجتمعات الإسلامية قطاعا أوسع من القيم الغربية الحديثة؟ "
جريدة
أخبار العرب،
ابو ظبي،
21 يونيو 2003 (قراءة منتصر حمادة)