قراءة في كتاب "شبكات الإكراه بالمغرب" ليحيى اليحياوي

 

+ الدول التي لا تتحكم في المعلومات ولا تقيم كبير اعتبار للمعرفة هي أمم متخلفة بامتياز

+ مقاييس الديموقراطية لم تعد "خطابات ديموقراطية" في الفضائيات بل في درجة استقلالية تلك القنوات عن ذات الأنظمة

+ تحقيرنا للعلم جعلنا مجتمع "شعر" و"قصة" لا مجتمع معرفة أو إنتاج معرفة

 

عنوان ملفت نوعا ما ذلك الذي لجأ إليه الكاتب والباحث المغربي يحيى اليحياوي في مؤلفه الأخير الموسوم: "شبكات الإكراه بالمغرب"،  ونحن نأخذ بعين الاعتبار النسق الناظم المميز لأعماله، والتي لا تخرج كما أشرنا في تداعيات سابقة عن الخوض التفصيلي الممنهج والدقيق في ملفات العولمة والإعلام والاتصال، لولا أن اطلاعنا على حيثيات الكتاب، تزيح تلك الدهشة، على اعتبار أننا نجد بالفعل عروج المؤلف على ملفات لا تشد عن هذا النسق. أما المقصود تحديدا بشبكات الإكراه، فيعرفه الكاتب بذلك الممارس من طرف الشبكات التقنية الكبرى (من اتصالات وتلفزة وماء وكهرباء أساسا) على المواطن وما يستتبع ذلك من غبن يلحقه جراء تبعيته لذات المرافق واستحالة الاستغناء عن جزء كبير منها كالماء والكهرباء مثلا، مصنفا إياها (أي شبكات الإكراه بالمغرب) إلى صنفين أساسيين:

- الصنف الأول وهو صنف الإكراه المزمن، أي الإكراه الدائم والمستمر، ويعني به في هذا المقام الإكراه الذي تمارسه التلفزة بالمغرب والذي لم يمسسه (لأكثر من أربعة عقود) إن لم يكن التحول المطلوب فعلى الأقل عوامل التعرية الطبيعية.

- أما الصنف الثاني فهو إكراه جديد أي حديث العهد، ويعني به إكراه شبكة الاتصالات منذ خوصصة جزء من رأسمال فاعلها الرئيسي، وإكراه ممالك الماء والكهرباء في سياق رخص الاستغلال التي منحت منذ مدة للخواص الأجانب الفرنسيين والإيبيريين بالأساس.

ليس ثمة من شك، والتقييم للكاتب دائما، أننا لم نعد  بإزاء مرافق عمومية تتهيأ لخدمة العامة ومبدأ القرب، بقدر ما أصبحنا بإزاء مسلسل من الإكراه يبدأ بما يسميه روني باسي "استصدار الملك المشترك" وينتهي إلى ارتهان المواطن وإخضاعه لطقوس هي في الشكل أقرب إلى السوق، لكنها تحيل في الجوهر، إلا إفلاس الدولة وتسابق المصالح الفئوية إلى اقتسام الغنيمة.

لأن فصول ومحاور الكتاب متشعبة منها "العولمة والتحدي التكنولوجي بالمغرب"، "محنة الاتصالات بالمغرب"، "محنة التلفزة بالمغرب"، سوف نركز أكثر في هذا العرض على محاور ثلاث،  دون أن تخرج عن دائرة اهتمامات المؤلف.

 

 +++ مصداقية خطاب "مجتمع المعرفة"

 

حري بنا افتتاح أهم ما جاء في نقد خطاب "مجتمع المعرفة" بالصيغة الساذجة المروج لها رسميا، عبر سرد نماذج قلقة من أسئلة صارخة قدمت على لسان باحث يشتغل أصلا في قطاع الإعلام والاتصال، من قبيل الاستفسار عن جدوى الحديث عن "مجتمع الإعلام والمعرفة" و"الديموقراطية الإلكترونية" و"الواقع الافتراضي" و"التجارة الإلكترونية" وغيرها ونحن لا نحتكم على سياسة اتصالية ومعلوماتية لها أهداف محددة وموارد كافية؟ أو الاستفسار عن المقصود من مجتمع للإعلام والمعرفة نتحدث ونحن لا ننتج لا تكنولوجيا ولا برمجيات معلوماتية ولا نتوفر على مضامين بصرية ولا نعير قيمة تذكر لمحتويات مكتباتنا ولا نقدر العلم وأهل العلم؟ وعن مصداقية الحديث عن أي مجتمع للإعلام في نسب للأمية الأبجدية عالية جدا والمعلوماتية أعلى؟

الأدهى، أنه حتى لو تتبعنا مع المؤلف، المشاريع المزمع تنفيذها بمعظم دول العالم (المتقدم بالأساس)، فإننا نلاحظ أن الرهان هو على مجتمع الإعلام (خطابا وممارسة) وليس على مجتمع المعرفة حتى وإن كان الأول هو الممر إلى الثاني، فما السر إذن في استعماله بالمغرب وهو القابع في تخلفه التقني والاتصالاتي والمعلوماتي وما الهدف منه بالتحديد؟

 

للإجابة على هذا السؤال، يؤكد اليحياوي على أن الخطاب على خلفية من مجتمع المعرفة بالمغرب هو خطاب اجتراري، انبهاري إلى حد بعيد، وهو فضلا عن ذلك خطاب يتطاول على الذي يجب القيام به في تعذر تحكمه في مجريات الواقع وقفزه عليها.ما العلاقة (أو لنقل ما العلاقات) التي يمكن أن نضعها بطريقة شمولية بين التنمية كمشروع مجتمعي لا سبيل لتجاوزه أو القفز عليه أو التآمر عليه، وبين مجتمع الإعلام الذي حملته طفرة تكنولوجيا الإعلام والاتصال منذ ما يزيد على عقدين من الزمن أو أكثر؟ مثل هذه تبقى غائبة من حيث التداول، ليس في المغرب وحسب، ولكن في عموم الدول العربية، على اعتبار أن الإجابة عنها تزعج المسؤولين عن قطاع الإعلام والاتصال، وعليه، يفضل القلم الصحفي أو الباحث صرف النظر عن الخوض في إشكالات لا يمكن إلا أن تثير غضب صناع القرار.قراءة الكاتب الخاصة لهذه العلاقة ترى أنه من الضروري تلمسها من ثلاث علائق هي إلى التفاعلية أقرب إليها من السببية:

 

-         لا يمكن تصور مستقبل للتنمية إذا لم تصهر الإعلام بداخلها وتحوله من معطى قطاعي مستقل إلى معطى مجتمعاتي شامل. أو لنقل بعبارات العصر الرائجة: بقدر تجاوب الاقتصاد الكلاسيكي مع الإعلام التقليدي، بقدر التجاوب التام والقائم بين الاقتصاد "الجديد" ومجتمع الإعلام، بقدر ما ترهن التنمية الجديدة مجتمع الإعلام الجديد، فإن مجتمع الإعلام هذا يرهن بدوره طبيعة وتوجه التنمية الجديدة وإلى حد بعيد أيضا، وذلك لسببين اثنين على الأقل، فالتنمية، هي في البداية كما في المحصلة، إعلام وفي نهاية المطاف معرفة، حيث يعرج الكاتب في هذا المقام على مقولة شهيرة صدرت على لسان روني ماهو المدير العام الأسبق لليونسكو مفادها أن "التنمية هي عندها يتحول العلم إلى ثقافة"، والعلم هنا يضم الإعلام والمعلومات كمعارف، وثانيا لأن الإعلام والمعرفة هما التنمية وهما التقدم في حد ذاتهما. لذا نجد أن الدول التي لا تتحكم في المعلومات ولا تقيم كبير اعتبار للمعرفة هي أمم متخلفة بامتياز.

-         تبقى العلاقة الثالثة بين التنمية ومجتمع الإعلام علاقة التنافي والتنابذ الذي يمكن أن تترتب عن إهمال أو إغفال أو إلغاء جانب من المعرفة أو جانبيها معا.

-          

ثمة ثلاث عوائق حسب الكاتب، تقف أمام تفعيل هذه العلاقة التفاعلية، (أي علاقة التنمية الجديدة بمجتمع الإعلام)، أولاها الظروف التي تحول دون تحديد طبيعة التنمية المنشودة أو المرجوة، وتحول كذلك دون تعميم الإعلام كقيمة اجتماعية تتحول بموجبها المعلومات إلى وسيلة وأداة للتنمية.

 

وهذا واقعنا بالمغرب: لا نعرف، منذ أربعين سنة، طبيعة التنمية المرجوة ولمن (في الخطاب كما في الممارسة) هي موجهة، ولا نعرف بالضبط الدور المنوط بالإعلام لا كفضاء مجتمعي (وهذا أمر غير وارد بالمرة للأسف) ولكن على الأقل كقاطرة ضمن أخريات للدفع بالتنمية: التنمية عصية على التحديد وعلى التحقيق بوجود كل الإمكانات، والإعلام مرهون لسلطة قرار توجهه حيثما تريد وأينما تريد.يجسد عنصر الأمية ثاني عائق في علاقة التنمية بمجتمع الإعلام، بصفته عنصر موضوعي لا سبيل لتجاوزه في ظل تواضع حملات "محاربة الأمية"، إن لم نقل إصرار المسؤولين على إبقاء مستويات أدنى من الأمية الأبجدية والوظيفية تسهل من عملية "التحكم بالرعية".

 

 أما العامل الثالث الذي يعيق تفاعلية العلاقة بين التنمية ومجتمع الإعلام، فيبقى مرتبطا بالظروف الخارجية، ويعني بها يحيى اليحياوي سؤالان اثنان يؤرقان بال أي غيور على الوضع المعرفي المتواضع ذلك الذي نقبع فيه.

 أولا: هل من المسموح لنا (في المغرب أو في العالم العربي) أن نتقدم بالمفهوم التقليدي للكلمة لا بمفهومها الحداثي؟ وإذا كان ذلك ممكنا فوفق أي نسق؟ وعلى أساس أي توجه؟ ثم هل من المسموح لنا (أعني هل من المرخص به لنا) أن نعرف ليس من لدن الدول الكبرى فحسب، بل وكذلك من لدن "نخبتنا" المحلية؟ والحال المزري أننا في المغرب حسب المؤلف، كما بالعديد من دول العالم الثالث، ليس لدينا أدنى حق في التنمية وليس لنا أدنى حق في الإعلام والمعرفة.

 

 وبالتالي فالتنمية، كما مجتمع الإعلام، معاقان في عمقهما كما في صيرورتهما كما في شكلهما سواء بسواء.

وفيما يتعلق بالبديل أو ما يصطلح عليه الكاتب ب"المداخل الممكنة" لتوطيد وتعميق وتجذير العلاقة بين التنمية والإعلام كي نبلغ مجتمع المعرفة، فتمر عبر مدخلين أساسين على الأقل:

-         المدخل السياسي بصفته المدخل الأساسي، بمعنى أنه ما دام أن لا تنمية بدون ديموقراطية، فإنه لا إمكانية لبلوغ مجتمع الإعلام دونما ديموقراطية تشاركية ودونما مساهمة للذين هم هدف ووسيلة التنمية ومجتمع الإعلام، وبالتالي، فالعزيمة السياسية هي مدخل مركزي لتحديد طبيعة التنمية الجديدة وكذلك لتحديد طبيعة الإعلام (تجهيزا ومحتويات) الذي من شانه تكريس ما يمكن تسميته مجتمع الإعلام.

+++ لا تنمية إذن ولا مجتمع بدون ديموقراطية، ولا ديموقراطية بدون عزيمة سياسية.

- المدخل الثقافي (كفرع من المدخل السياسي)، على اعتبار أن التنمية كما مجتمع الإعلام هما عمليتان ثقافيتان أو محكومتان بخلفية ثقافية جاثمة، خلفية بلوغ أهداف التنمية وبلوغ الشبكات، وخلفية تملك أواصر التنمية وتملك تكنولوجيا الشبكات.

- المدخل الثالث هو مدخل تكنولوجي وفضائي بالأساس، ويعني به المؤلف أن التنمية الجديدة كما مجتمع الإعلام المطالب بتكريسه، هما معا نتاج تكنولوجيا العصر وإحدى محدداتها: التكنولوجيا أصبحت في التنمية كما في مجتمع الإعلام مسألة محورية لا سبيل للتحايل عليها، وبالتالي نرى بالمغرب ضرورة توزيعها جغرافيا وفضائيا حتى تتعمم التنمية ويسود ما نسمعه من خطاب حول مجتمع المعرفة. والحاصل عندنا هو العكس: التكنولوجيا أصبحت، يوما عن يوم، أداة قطبية كبرى بين الجهات والفضاءات والتجمعات، وهو ما سيحول حتما دون توسيع رقعة التنمية ومجتمع الإعلام.

- أما المدخل الأخير فيبقى أدبيا وأخلاقيا بامتياز: مدخل إيقاف النزيف الضخم الذي تتعرض له كفاءاتنا وقدراتنا الإبداعية. ويقصد الكاتب بذلك مأزق هجرة الأدمغة، والتي ـ للإشادة ـ يعتبرها كما الأمية سواء بسواء، أصبحتا أداتان للحكم: محاربة الأمية ووضع سياسات دون هجرة الأدمغة سيكون من شأنه لا محالة تفجير الأوضاع، لذلك تتعامل السلطة بالمغرب مع هذين الإشكالين بحنكة وتبصر.

تنويه المؤلف بحنكة السلطة في التعامل مع هذين المأزقين لا يحول جون أن يفتح النار على المسؤولين على القطاع الإعلامي والثقافي، إلى حد الحديث عن ضرورة الخجل الذي من المفروض أن يستشعره وزير البريد يتحدث عن "مجتمع المعرفة" في زمن لدينا نملك فيه قدرات هائلة في المعلوميات والاتصالات تهاجر! أو حديث مسؤول آخر يراهن على التجارة الإلكترونية، كرافد من روافد التنمية، ونسبة المقاولات المرتبطة بشبكة الأنترنيت لا تتعدى 5 بالمائة وهي في الأصل مواقع فارغة (مواقع أشباح كما يقال).

 لا يمكننا إلا أن نشاطر أبرز قلم مغربي في ثنائية الإعلام والاتصال على أنه لا يمكن للتنمية أن تتكرس دون إعلام حقيقي ولا للإعلام أن يتطور دون تنمية حقيقية. ولا يمكن للتنمية، من ناحية ثانية، أن نعطي للإعلام إلا بالقدر الذي يقبل به المجتمع ويرتضيه بصرف النظر عما يمكن اعتباره مهاترات كلامية من قبيل القول ب "التنمية المستدامة" أو "مجتمع المعرفة" أو غيرها. ومعلوم أن انفصام الخطاب عن الممارسة هو إحدى السمات المركزية للتخلف، وهذا ما يجعل من الخطاب إيديولوجيا ومن الممارسة سرابا.

الإعلام عملية تشاركية في صياغتها وتأطيرها، وعملية تراكمية في صيرورة تطورها. وعليه، لا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن مشروع إعلامي أو سياسة إعلامية (أو تواصلية) إذا صيغت عناصرها من لدن جهة في إقصاء للجهات الأخرى أو دونما طرح لهذا المشروع في الساحة العامة حتى تتم مناقشته وتنقيحه وضمان التوازن بين بنوده. ويستشهد المؤلف في هذا المقام بلاعقلانية إعلان وزير الثقافة والاتصال المغربي عن كون قانون الصحافة اعتمد في المجلس الحكومي وسيعرض على البرلمان وسيضطلع عليه الرأي العام بعد صدوره؟ ما الفائدة من اضطلاعي عليه شخصيا إذا تحول إلى قانون عام؟ إنه قلب للمسطرة نلاحظه مع الأسف في كل قضايانا الكبرى.

نختم هذا الفصل باستعراض أهم التوجهات الكبرى التي ستتحكم مجريات الأمور بالنسبة للمغرب ولدول العالم الثالث بوجه عام، فيما يتعلق بمستقبل التنمية والمعرفة:

- ينتقل العالم تدريجيا من مجتمع مادي إلى مجتمع معرفي تأتي القيمة المضافة بداخله من المضامين والشبكات وتداخل الشبكات الإعلامية والاتصالية وتفاعيلتها. هذا أمر حتمي يجب تقييمه التقييم الصحيح، ويعتقد الكاتب جازما بأن ما يتم بالمغرب لا يسير البتة في الاتجاه الصحيح.

- كل دول العالم المتقدم تعير البحث العلمي وقيم البحث العلمي كإحدى الروافد الكبرى للمجتمع المعرفي المتشكل. هذا أمر حتمي كذلك. إلا أن الحاصل عندنا هو أن لا العلم تعطاه القيمة ولا البحث العلمي تخصص له الموارد الضرورية. لهذا السبب ولغيره سنبقى مجتمع "شعر" و"قصة" لا مجتمع معرفة أو إنتاج معرفة.

- أصبحت الديموقراطية معيارا عالميا لا يشد عليها اليوم إلا ضيقو النظرة لأنها هي الوحيدة الكفيلة بتطويع سلوك الحاكم وإخضاعه لسلطة الحق والقانون. ونحن بالمغرب أبعد ما نكون عن هذا المنال.

+++ محنة التلفزة والإعلام بالمغرب

دون مقدمات، يشير المؤلف إلى أن الرداءة بالتلفزة في المغرب تبقى مرتبطة بمصدرين اثنين: فهي إما نتاج تشوه مزمن قد لا تنفع معه سبل العلاج، وتحول دون استعادة صورته الطبيعية أدوات التجميل، أو هي من فعل فاعل لن تكون لها من كائنة تذكر إلا بوجوده أو بإمعانه في التواجد إلى جانبها. والواقع أن تاريخ الرداءة بالتلفزة في المغرب هو من تاريخ اندغامها في جهاز السلطة ومن تاريخ توظيفها لشرعنة ذات الجهاز وانصرافها عن ذاتها لفائدته وفائدة القائمين عليه.

ما يبعث على البؤس بحق، ألا نجد الأمور قد تغيرت جذريا اليوم، قياسا إلى ما كان سائدا بمغرب ما بعد الاستقلال، أو بالاحتكام إلى قرار إلحاق التلفزة بوزارة الداخلية أواسط الثمانينات. أما أسباب إبقاء الأوضاع كما هي عليه، فإنها تتراءى حسب المؤلف بالأساس في المناخ العام السائد (أو المراد له أن يسود لسنين أخرى)، أي في التركيبة الاجتماعية والسياسية والنفسية والأخلاقية التي أفرزت الرداءة والميوعة: هو المناخ العام ذاك والتركيبة تلك اللذان استنبتا وما فتئا يستنبتان الرداءة ضمننا لا كرد فعل بل وأيضا كفعل مقصود ومراد ومطلوب.

ليس غريبا، بناء على هذه المعطيات السوداء الواردة على لسان ناقد المشهد الإعلامي بالمغرب، إذا تحولت الرداءة بالتلفزة (كما بغيرها) من حالة بنيوية إلى "قيمة" مجتمعاتية ترصد لها الأموال العامة ويجند لها "أشباه الفنانين".

هناك فيما أعتقد سببان أساسيان اثنان يدفعان بالمؤلف لأن ينفي أو يشكك في وجود سياسة محددة في هذه القطاعات: يرتبط السبب الأول بكون الحديث عن وجود هذه السياسة بالتلفزة وبغيرها يتطلب توفر أهداف واضحة، مرسومة، محددة ومبنية على تصور وعلى رؤيا مندمجة ومتكاملة. وهو ما لا يتوفر بهذه القطاعات منذ استقلال المغرب وإلى اليوم. ومعلوم أن ليس هناك تصور (ولم يكن يوما) لما نريد أن يكون عليه المجتمع والاقتصاد والسياسة والثقافة والتلفزة وقس على ذلك.

أما السبب الثاني، فيحيل إلى ما يسميه المؤلف ب"وسائل سياستك" أو "أدوات سياستك"، وعماد هذه السياسة ومترجمها على أرض الواقع:

= لا سياسة اقتصادية إذا لم تتوفر لها الإمكانات والأدوات.

= لا سياسة تعليمية إذا لم تتوفر الإمكانات  والأدوات.

= لا سياسة ثقافية أو تلفزيونية أو سينمائية إذا لم تكن هناك إمكانات تحقيق هذه السياسة وتجسيدها على أرض الواقع.

ونتيجة لغياب هذه السياسة المؤطرة بمشروع تلفزي والمؤطر بدوره بمشروع مجتمعي فإن التلفزة تعيش اليوم أزمة متشعبة الأطراف، فهي أولا أزمة هوية. (ما هي هوية التلفزة اليوم؟ هل هي جهاز قائم بذاته أم جزء من جهاز؟)، وهي ثانيا، أزمة مشروعية وأزمة مصداقية: فلا مشروعية للتلفزة بالمغرب لأن "المواطن" لا يساهم في تلوين شبكتها البرامجية وذوقية لا يؤخذ بعين الاعتبار في إعداد هذه الشبكة. وبالتالي فهذه الأزمة هي من أزمة تعذر الجواب على السؤال: ما هي الحاجة المجتمعاتية التي يجب تلبيتها في الميدان التلفزي (والإعلامي بوجه عام) والسينمائي دون شك؟

هذه الحاجة هي آخر ما يفكر فيه وربما يفكر على نقيضه.

 +++ في تقييم مشهد الفضائيات العربية

غني عن البيان أن ما يتواجد اليوم من قنوات فضائية عربية تغطي معظمها مختلف مناطق العالم، ساهم في خلق طفرة كبرى في الإعلام العربي، ليس فقط بالكم الموجود أو بالمضامين المبثوثة، ولا بجهة تحريك السكونية والرتابة التي طالت، ولسنين طويلة، والمشهد الإعلامي العربي وطبعته بسماتها، ولكن أيضا على اعتبار إسهامها في إعادة طرح المسألة الديموقراطية باعتبارها الإشكالية المركزية في الوطن العربي.

هناك مستويان أساسيان حسب المؤلف، يوردهما في سياق تجلي العلاقة بين طفرة القنوات الفضائية وإشكالية الديموقراطية بالوطن العربي.

- مستوى موضوعي، ويرتبط أساسا بحقيقة أن هذه القنوات لم تنبعث في سياق ديموقراطي عام ولا أفرزها محيط سياسي اعتملت بداخله القيم الديموقراطية كانت القنوات إياها نتاجه أو جزءا من حركيته. إذ الحاصل أن معظم هذه القنوات لم تر النور إلا بقرار سياسي، حكومي ورسمي وفي إطار قوانين وتشريعات (وبدفتر للتحملات) يجعل من القناة القائمة مؤسسة عمومية مرتبطة، في تجهيزاتها ومواردها وكوادرها و"استراتيجيتها"، بما تحدده لها وزارات الإعلام أو وزارات الداخلية أو الوزارات الأولى حتى.

هي إذن وبكل المقاييس مؤسسات رسمية (لا مقاولات إعلامية) أنشأتها الأنظمة السياسية العربية إما لتعميم البث (في المناطق الداخلية التي يتعذر بالتقنيات التقليدية بلوغها) أو لتلميع صورتها بالداخل كما بالخرج.

بالتالي فهي لا تخرج عن النسقية الإعلامية المتوارثة والمبنية على التعتيم وتسطيح القضايا الكبرى وغض الطرف عن الإشكالات الأساسية، وإن "خرجت" عن النسقية إياها "جرأة أو إيهاما" فغالبا ما يتم ذلك في ظل ما يسمح به صاحب القرار السياسي ولجن الرقابة المتواجدة.

- مستوى ذاتي لحد الموضوعية، ويكمن في تعامل هذه القنوات مع الإشكالية الديموقراطية داخل القطر الواحد أو في الوطن العربي إجمالا. فلن يكون من المنتظر من قنوات تعتبر مرآة النظام القائم والناطق الرسمي باسمه أن تنفتح على الإشكالية الديموقراطية إلا بمقاس النمو السياسي للنظام إياه أو قابليته في ذلك.

ما دامت معظم الأقطار العربية متحفظة على الديموقراطية، وما دام الانتقال الديموقراطي بداخلها عصي على الاستنبات، وما دامت النظم بهذه الأقطار محتكرة للسلطة السياسية، ممركزة لها بين يدي العائلية الحاكمة (ملكيات وجمهوريات سواء بسوء) فإن التعريض للإشكالية الديموقراطية (بجهة التعددية الحزبية أو تداول السلطة أو مراقبة ومحاسبة الحاكم أو بغيرها)، فإن التعرض هو إلى المحذور أقرب منه إلى المباح أو المتاح.

لهذا السبب (ولغيره بالطبع) لا ترى القنوات الفضائية من ديموقراطية خارج "ديموقراطية" النظام الحاكم ولا طفرة سياسية خارج "طفرة" النظام القائم، والواقع أن هذه القنوات، وإن اجتمعت في اعتبار كل واحدة منها لنظامها السياسي كالنظام "الأكثر ديموقراطية" فهي تختلف في المبررات المقدمة والتأويلات المطروحة.

هي إذن، بالمحصلة النهائية، قنوات الحاكم بامتياز، تبجله وتمدحه وتختزل "التجربة الديموقراطية" في شخصه، وهي لا تدعي لنفسها الاستقلالية أو المصداقية، ولا تعير الرأي العام كبير قيمة ولا تستسيغ النقد أو النصيحة.

كل هذه المقدمات تدفع بالكاتب لأن يتهم القنوات الفضائية كونها "قنوات مضرة"، وإلى حد بعيد، ما دامت تساهم في إعاقة الانتقال إلى الديموقراطية وتساهم على الخصوص في تكريس الاستبداد وتجدير التسلط.

ولئن كنا مع المؤلف مقتنعين بأن هذه الفضائيات لم تفرز الطفرة المرجوة ـ قياسا إلى عددها المتواجد ـ بحكم إكراهات الانتماء والتمويل وغيرها، فإن هناك بالمقابل من التجارب ما يمكن اعتبارها وإلى حد بعيد طفرة في الإعلام العربي الملتقط فضائيا. والإحالة في هذا المقام تمس بالدرجة الأولى تجربة قناة "الجزيرة" التي، بحسب المؤلف، لم تتوفق في تبيان هشاشة القنوات الفضائية الدائرة في فلك الأنظمة السياسية المنشئة لها والقائمة عليها فحسب، بل تعدت ذلك إلى إيضاح خطأ المفارقة التي تدفع بها هذه القنوات: إذ هي، شأنها شأن القنوات إياها، خليقة دولة قطر، تمولها وتأوي مقرها العام ولا تتدخل بالتالي (أو هكذا يبدو) في خطها التحريري أو في سياستها الإعلامية، ولا تبدو كثيرة الانشغال بالاحتجاجات التي تتعرض لها أو مقاضاة البعض لها.

وعلى هذا الأساس، فلم تلق القناة من حرج في طرح القضية الديموقراطية بالوطن العربي وبالعديد من دوله، تماما كما لم تتوان في طرح قضايا حقوق الإنسان وتداول السلطة ودور الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية وإشكالية الأقليات وقضية الدين والدولة وغيرها.

يقر الكاتب بصعوبة التدقيق في طبيعة الخطوط الحمراء التي وضعت لذات القناة في تناولها لأنظمة الحكم بدول الخليج العربي (اللهم إلا ما تعرض له عبد الله النفيسي والقليلون مثله)، ويقر في المقابل بأن القناة وضعت ممارسات الأنظمة العربية في المحك، ليس فقط في تضييقها على شعوبها واستكثار الحرية عليهم، بل وأيضا في تحالفاتها الخارجية وارتهان قراراتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية من لدن دول أجنبية.

ليس من أحكام القيمة إذن القول بأن "الجزيرة" ساهمت، وإلى حد كبير، في الرفع من الوعي السياسي للمواطن العربي لا من خلال تغطية ما يجري بالأقطار العربية، ولكن أيضا عبر بثها للبرامج الحوارية ذات الطبيعة السياسية التي جعلت المواطن يستهجن قنواته لصالحها وينفر إعلامه، في جملته وتفصيله، لفائدتها.

لو كان لنا، نهاية المطاف، أن نحصر حصيلة تقييم يحيى اليحياوي لأداة القنوات الفضائية العربية ومدى مساهمتها في "تفعيل" الإشكالية الديموقراطية بالوطن العربي، لوقفنا إجمالا عند نقاط ثلاث:

+ الهوة الفاصلة بين التحولات التكنولوجية التي أفرزت القنوات الفضائية ووثيرة التحولات السياسية التي كان من المفروض أن تكون هذه القنوات إن لم نقل عنصرها الحاسم، فعلى الأقل مكونها المركزي. إذ الحاصل أن معظم القنوات الفضائية العربية لم تساهم في الدفع بعمليات التحول السياسي ضمن هذه الدول، بقدر ما ساهمت في تكريس واقع الحال وترسيخ الإحساس بتعذر المآل.

+ عدم استساغة أنظمة الحكم القائمة بأن القنوات الفضائية هي سلاح ذو حدين: فإذا لم توظفها ضمن باقي الأدوات الأخرى لتحقيق انتقال ديموقراطي، فإنها ستكون عامل تشويش دائم عليها لدى مواطنيها ولدى الخارج سيما إذا استطاعت التنظيمات المطالبة بالديموقراطية إقامة قنوات لها للتعبير.

+ لم تعد إحدى مقاييس الديموقراطية والدمقرطة، المعتمدة راهنا، كامنة فيما تمرره أنظمة الحكم من "خطابات ديموقراطية" عبر هذه القنوات، بل وبالأساس في درجة استقلالية تلك القنوات عن ذات الأنظمة وإمكانية طرحها قضايا الشأن العام للنقاش والمحاسبة، بصرف النظر عن طبيعة النظام القائم أو المتحكم في التمويل أو الآوي للمقر.

اجتهدنا على قدر المستطاع في عرض أهم ما حفل به آخر مؤلفات باحث، نصفنه ضمن خانة "الباحثين المغاربة الجدد"، إن صح التصنيف، ونجد من ضمن هؤلاء عبد الله زارو أو نور الدين الزاهي (الحاصل مؤخرا على جائزة "الأطلس الكبير") على سبيل المثال لا الحصر، ولعل أهم ميزة تجمع بين هؤلاء احترامهم للمتلقي، بأن لا نجدهم يحررون إلا في حقول معرفية معينة، وليس في كل شيء، كما هو سائد في ثنايا عادة ثقافية قبيحة هنا بالمغرب، أفرزت مجموعة من الأسماء تعتقد أنها عبقرية زمانها، فتكتب في الأدب والسياسة والفكر والفن... ورحم الله أقلاما عرفت قدر نفسها.

 

 

جريدة العصر، 14 فبراير 2003 (قراءة منتصر حمادة)

"شبكات الإكراه بالمغرب"

يحيى اليحياوي

منشورات عكاظ. الطبعة الأولى. شتاء 2002

399 صفحة من القطع المتوسط.