"ما
المطلوب عمله لاستعادة
الوعي؟"
يجب
الاعتراف,
بداية, بأنه
من غير الممكن
ومن التجاوز
على حركية التاريخ
أيضا، القول
بإمكانية
استعادة
الوعي، سواء
تعلق الأمر
بإعادة إنتاج
ذات الوعي، أو
تعلق بطرق
وآليات
تصريفه. سؤال
الاستعادة
يضمر كما لو
كان ثمة وعي
قائم، وأن
الحل يكفي
بالعودة له
والارتكان
إليه.
والمعنى
المقصود هنا
هو أن لكل
"مرحلة" من مراحل
التاريخ
ظروفها
ومعادلاتها وملابساتها
وسياقاتها،
تبقى محكومة
بها، ملتصقة
بها، غير
مفهومة
بانسلاخها
عنها، لأنها
منصهرة بها
لدرجة الاندغام.
المعنى
هنا إنما
استلهام
التاريخ،
كمقاربة منظومية
للماضي،
بجوانبه
الإيجابية
القمينة
بإضاءة وقائع
الوعي
الحاضر،
والقادرة على
إفادة الحاضر،
لصياغة
توجهات
المستقبل.
من
الممكن
بالتالي،
استلهام قيم
الاجتهاد التي
سادت بالعصر
العباسي
مثلا،
لمواجهة مد التكفير
الطاغي
بالزمن
الحاضر، لكنه
من غير الممكن
استلهام تمثل
العرب لمفهوم
المكان بزمننا
الحاضر، إذ أضحى
مفهوم المكان
نسبيا, على
الأقل
بالقياس إلى
ثورة الطيران
أو الأقمار
الصناعية أو
ما سواها.
ويجب
الاعتراف
ثانية, بأن
الأنسب في هذا
المقام، هو
الحديث عن
ضرورة استبنات
وعي عربي
جديد، ليس فقط
لأن وعي
الحاضر
متأزم، مضبب
ومشوش بأكثر
من جانب، ولكن
أيضا بسبب
تسارع مجريات
واقع العصر
(بالغرب
تحديدا), وهو
ما يستوجب
توليد وعي
جديد، قادر
على
استقرائها وفهمها،
وإدماج
المناسب منها
في الوعي
الجمعي.
ليس
المقصود هنا
القطع مع
الماضي أو
تجاوز إيجابياته،
المقصود
إنما العمل
على أن يساير حركية
ووجهة
التاريخ، دون
تعصب أو
استلاب، أو
فعل ضد المتاح
الممكن. العبرة
هنا بالنجاعة
في بناء
الحاضر
والمستقبل،
وليس
بالارتباط العاطفي
بمنظومة
تهاوت العديد
من مقوماتها الذاتية.
لا
يبدو لنا, من
جهة ثالثة, أن
ثمة وعيا
عربيا قائما
بداية هذا
القرن، على
الرغم من بعض
المظاهر التي
قد توحي بوجود
بعض من
عناصره. ولا
يبدو لنا
بالرصد
المتوالي
لمجريات واقع
الحال، أن ثمة
وعي بالمستقبل
يمكن للمرء أن
يرتكن إليه
ويطمئن.
بداية
هذا الوعي
تستوجب بروز
إرهاصات ثورة
معرفية وعلمية،
تدرك واقع
الأزمة
المركبة السائدة،
وتبني للرؤية
القادرة على
تجاوزها...وهو
ما لا يتراءى
لنا، ليس فقط
في اشتداد
قطريات
بدائية زمن
العولمة والتكتلات،
وليس فقط
بتعمق
الاستبداد
واحتكار
السلطة في زمن
الديموقراطية
الكونية
والحرية، بل وأيضا
في تخبط النخب
المثقفة حول
توصيف ما كان قائما،
وخلطها
المتزايد بين
ما هو كائن أو
ممكن، وبين ما
يجب أن يكون.
إن سؤال
استنبات
الوعي العربي
غالبا ما يستتبع
بسؤال آخر حول
المرجعية
ومكانة الإيديولوجيا.
الارتباط
بالماضي
لدرجة
الالتصاق به،
هو قطعا من الإيديولوجيا،
تماما كما أن من
الإيديولوجيا
كل ضروب
القطيعة مع التراث،
بجهة
المناداة
ب"استيراد"
نماذج وقيم
الحداثة
والمعاصرة.
بالمقابل،
نستطيع الجزم
بأن لا وعي
دون إيديولوجيا
في التأطير
والتجنيد واستنفار
المقومات. هي
ضرورية وإلى
حد ما حتمية،
ليس
باعتبارها
احتكارا
للفكر
والتفكير،
ولكن
باعتبارها
مصدرا من
مصادر
الثقافة والمعرفة،
شريطة أن تكون
مسبوقة بثورة
معرفية
وعلمية واسعة.
ولما كان
التاريخ، في
جزء كبير منه،
تصارعا في
الأفكار
والرؤى والتمثلات،
فإنه بالآن
ذاته صراع
إيديولوجيات
ومنظومات قيم.
بالتالي،
فلو كان للمرء
أن يترجم ما
سبق بغاية
صياغة "برنامج
عمل"، يفضي
لتوليد وعي
عربي ما، لقال
الآتي:
+ لقال
إن لا سبيل
لاستنبات وعي
عربي دون
الدفع بمبدأ المشاركة
والتشارك إلى
أقصى مداه،
ليس فقط على
مستوى صياغة
منظومة
الحاضر، بل
وأيضا على مستوى
تشكيل عناصر
المستقبل.
الوعي هنا،
ليس عملية
فوقية، يثوي
خلفها خبراء
وساسة ومثقفون،
بل هو حالة
اجتماعية
ونفسية، لا
يمكن أن تتعمم
في غياب إبراز
المصلحة
المشتركة، من
سيادة وتسييد
الوعي. يبدو
لنا، بهذه
النقطة، أن
اعتماد النهج
الديموقراطي،
كثقافة وليس
كإجراءات أو لوائح
بالانتخاب،
من المداخل
الأساس لذلك.
- ولقال
إن لا سبيل
لاستنبات وعي
عربي، فما بالك
في خلق
المصلحة من
حوله، إذا لم
يتم التصدي
للمنظومة
الثقافية
والمعرفية
التي هي سائدة
الآن، عائقا
حاليا
للتنمية،
لكنها رافد من
روافدها، إن
تم تثمينها
وأحسن
توجيهها. إن إيلاء
الأهمية القصوى
للمنظومة
الثقافية
والمعرفية
(وبصلبها العملية
التربوية
والتعليمية) ليس
من شأنها فقط
بناء إنسان
جديد واع بذاته
وبمحيطه، بل
وأيضا قادرعلى
غربلة ما يموج
من حوله، دون
استلاب هوياتي
أو استقطاب
مادي خالص.
- ولقال
أيضا بأن لا
سبيل
لاستنبات ذات
الوعي إذا لم
يعمد استعجالا
إلى صوغ رؤية تجنيدية،
لا تكتفي فقط
بصياغة مشروع نهضوي
شامل، يتجاوز
على واقع
الأزمة
والإحباط
الحالي، بل
ويعمد أيضا
إلى خلق
الحاجة في وعي
عربي جديد،
يكون بمقدوره
استعادة
الافتخار
بالعروبة
والإسلام،
عوض التنكر
لهما والتبرؤ منهما،
كما هو الشأن
بداية هذا
القرن.
إن التساؤل
عن وفي الوعي
العربي،
بالمرحلة الراهنة،
يشي حتما
بأمرين اثنين
لا ثالث لهما:
- يشي بأن
ثمة خللا حقيقيا
في المنظومة،
يستوجب
التوصيف
والتشخيص والتحليل.
- ويشي
أيضا بأن ثمة
وعيا بأهمية
السؤال، كمدخل
لتصويب
الطرح، بجهة
توليد وعي
عربي مدرك لذاته
بكل أبعادها،
وملم بالمحيط
بكل ملابساته
وتداعياته.
ليس
من التجاوز
الاعتراف بأن
الراهن
العربي إنما يعيش
وضعية من
تدهور قصوى،
واضطراب غير
مسبوق، بالإمكان
ملامسته من
خلال حقيقة
تراجع منسوب
الهوية الجامعة،
وتدني
مستويات
الانتماء،
وتقدم الأبعاد
الهوياتية
المتشظية،
المرتكزة على
ثلاثية
"العرق
والطائفة والمذهب".
وليس من
التجاوز أيضا
القول، بأن
الوعي العربي
بمفترق طريق
كبير، متجاذب
بين ماض عريق،
لكنه عائد
(بالفكر كما
بالممارسة)
بثوب يختزل
التاريخ
بصلبه كسرد،
وبين حاضر
بائس، غير
محتكم على
تصور، وبين
أحلام وطموحات
مستقبلية
تشرئب بعنقها
نحو الغرب،
لكنها بالآن
ذاته مشدودة
لواقع الأزمة
المتعدد
الأوجه
والملامح.
يبدو،
من هنا، أن
العرب باتوا
غير قادرين
على المبادرة
والحركة
تأثيرا في
الحاضر أو
استشرافا
للمستقبل، لدرجة بلوغهم
التيه في أعلى
مراتبه، ولم
يعد بمقدورهم
لا ترميم ما
تصدع، ولا
تصور آليات
للانتقال من
الممكن إلى
الذي يجب أن
يكون.
ونكاد
نجزم بأن أقسى
امتحانات
الوعي العربي
إنما تأتي من
فكر عربي ظل
ولعقود
طويلة،
منبهرا
بماضيه،
ملتصقا به،
غير مكترث
بتحولات
الحاضر، ولا بقضايا
المستقبل.
إن
المطلوب حقا
(والمطالب به
أيضا) إنما
انتقاء ما صلح
من التراث بعد
غربلته،
والعمل على
مواءمته
ومعطيات
العصر. الماضي
هنا كما
الحاضر، عنصران
موضوعيان
ضاغطان،
لكنهما مرهونان
بقوة لملامح
المستقبل
واحتمالاته.
ليس
الطرح التوفيقي
هنا طرحا
أكاديميا
جافا، بل هو
طرح عملي أيضا،
سيما لو
اختيرت له
بدقة أدوات
وآليات
التصريف بالوعي
الجمعي، وتم
توظيفه قبليا
لصياغة عقل
واع مشترك، أي
عقلا يفقه
استيعاب وطرح
الأسئلة
الأساس، من
قبيل: ماذا
نريد؟ كيف نحقق
ما نريد؟ وبأي
السبل يمكننا إدراك ذلك؟
إننا
نريد استنبات
وتوليد وعي
عربي جديد، مدخلاته
الكبرى
الديموقراطية
والحرية
والعدالة، ومخرجاته
إنسانا مدركا
لرهانات
وتحديات ما يجري
من حوله،
ونريد تحقيق
ذلك بالفعل الجماعي
المشترك،
المنظوم
برؤية قومية
تأخذ بحقيقة الأبعاد
القطرية،
لكنها
تتجاوزها
برؤية جامعة. إننا
نريد أن يكون
مستقبلنا خيرا
من حاضرنا...
ومن ماضينا
أيضا.
يحيى اليحياوي
الرباط, 23 ماي
2010