"في بعض خلفيات خلل الوعي العربي"

 

ثمة ثلاث ملاحظات أساسية لا بد من سوقها ببداية هذا الحديث:

 

الأولى وتتمثل في حالة التشظي الكبير الذي يعرفه المشهد العربي الراهن، ويحمل بين طياته سمات ذات التشظي على مستوى الشكل، كما على مستوى البنية، كما على مستوى الفاعلين من بين ظهرانيه.

 

لن يستطيع المرء المكابرة في التحليل لينفي واقع التجزئة الصارخ، ولا حال فشل نماذج التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا وضعية التردي السياسي، ولا واقع التدني العربي في التوزيع العالمي للعمل، بكل أنماطه وأشكاله، منذ كانت المراهنة على المواد الأولية وإلى حين تحول الاقتصادات والمجتمعات، بما فيها النامية، إلى اقتصادات ومجتمعات مبنية على الشبكات والمعلومات والمعارف، والبحث العلمي والإبداع التكنولوجي وما سواها.

 

وعلى الرغم من الدعوات المتعددة والمتكررة، أو عمليات التنسيق التي تثوي خلفها العديد من "منظمات العمل القومي" (والجامعة العربية أهمها)، فإن واقع التبعية المتشعب للخارج، واحتكام الدول القطرية إلى أجندات ضيقة، قد حالا دون تكريس, إذا لم يكن الوحدة الاندماجية الكاملة أو الجزئية, فعلى الأقل الاشتغال على خلفية من وجود حزمة عربية متجانسة، لا تنقصها المقومات المادية أو الركائز المعنوية، القديم منها كما الحديث والمعاصر سواء بسواء.

 

الملاحظة الثانية وتكمن في طبيعة "الفوضى الخلاقة" التي أفرزتها ظاهرة العولمة، منذ أواسط ثمانينيات القرن الماضي، وارتكزت عليها "الحرب العالمية على الإرهاب"، الموجهة حصرا صوب الوطن العربي، كونه (أو هكذا يروج) "المفجر" لذات الحرب، الثاوي خلف ضربتي نيويورك وواشنطن، المؤجج للعنف بالخطاب، والدافع بوتيرته بهذه الجهة من العالم، كما بتلك.

 

لم يترتب عن تكريس العولمة و"الشوملة" و"انتصار المنظومة الليبيرالية"، تراجع منظومات قيم، وتقدم أخريات نقيضة لها بأكثر من جانب، بل كان من إفرازاتها انفجار هويات بدائية دنيا كانت بالوطن العربي، ولقرون عديدة خلت، "نائمة" بظل العروبة أو الإسلام، وقابلة بمبدأ التعايش على أساس من هذه الخلفية أو تلك (الوطنية في الغالب الأعم).

 

لم تعد الهوية هوية جمعية، ولا طبيعة الانتماء ذات خاصيات موحدة، بل تحولت الهوية إلى هويات متعددة، تقتات من العرق والمذهب والطائفة والقبيلة واللغة، ولم يعد الولاء ولاء للعنصر الجامع، دينا كان أم عرقا أم لغة، بل أضحى عنصر تمايز وتميز دون المرء ودون مجاراته الاقتتال أو الانفصال، أو الارتماء العمودي بأحضان القوى الأجنبية، التي تجد في كل ذلك مصالح آنية مباشرة، أو مكمن رهانات مستقبلية، مضمرة بالنفوس مؤقتا، لحين توفر فرص تكريسها وترجمتها بأرض الواقع.

 

أما الملاحظة الثالثة فتتراءى لنا كامنة، بالبناء على الملاحظة السابقة، في التوجه العميق بجهة تفتيت وتجزئة المنطقة العربية، وتحويلها إلى فسيفساء عرقية/ طائفية، تبتغي بالمدى المنظور، إقامة دويلات باسم الدين (مسيحيين/ مسلمين) أو باسم العرق (عرب/ كرد/ بربر/ زنوج)، أو باسم المذهب، كما الحال مع نعرة المزايدة بين السنة والشيعة بالعراق، وبالعديد من دول الخليج، كما بغيره من مناطق وجهات الوطن العربي.

 

بتقدم هذه الثنائيات متعددة الأضلاع، لم تعد "الإيديولوجيات" الوطنية، أو القومية، أو الليبرالية، أو الماركسية، أو الإسلامية المحافظة أو غيرها، لم تعد قادرة على رأب الصدع الهوياتي، ولا الحفاظ على عمق الهوية الوطنية، ولا الدفع بفقه المواطنة وإن في بداياته الأولى. الكل بات مع الكل ضد الكل، لدرجة تعذر معها على الثقافة والفكر الحؤول دون تحول الوطن العربي تدريجيا إلى ملل ونحل وأعراق، إلى مذاهب وطوائف، ستصب تفاعلاتها حتما في خانة الوهن العربي المتسارع الوتيرة، في شكله، كما في بنيانه.

 

ولما كان الأمر كذلك، فإن التحدي هنا لم يعد مقرونا بالاستجابة، كما تنص عليه فلسفة التاريخ، بل بات مرادفا للتشظي، ملازما للإهانة، لدرجة تحولت معها هذه الأخيرة إلى "ذاكرة جماعية، تخلق وعيا تاريخيا بالرضا والقبول، والاستكانة والاستسلام للأمر الواقع، وتصاب بالفتور واللامبالاة... وينعزل الفرد والشعب عن العالم، وينكمش على ذاته، ويتحول إلى محميات, كما حدث للهنود الحمر في الولايات المتحدة، بعد أن تعود على العجز، ووجد مهربا له، وخلاصا في ثقافة الزهد، وقيم الفقر، والصبر والرضا، والتوكل والقضاء والقدر والاستسلام".

 

وعلى هذا الأساس، فلو كان للمرء أن يتحدث، بهذه الحالات، عن وجود وعي عربي ما من عدمه، فهو بالتأكيد وعي بالهوية كهويات.. بهوية متشظية، تتنازعها الطائفة أو القبيلة أو العقيدة، ويبني لها الدين، أو اللغة، أو العرق، أو المذهب، الخيط الناظم في الحال كما في المآل.

 

وعلى هذا الأساس أيضا، فالتساؤل في طبيعة الوعي العربي بالزمن الحالي، إنما هو بالمحصلة، ناتج عن التساؤل في ثلاث قضايا جوهرية كبرى، تبدو لنا محورية لفهم محددات تشظي ذلك الوعي، وسبل استعادة بعض من ملامحه:

 

القضية الأولى وتتعلق بما يمكن تسميته ب"ماضي الوعي العربي"، باعتباره المعين النظري الذي لا يمكن تجاوزه أو التحايل عليه، أو التغاضي عن معطياته، لفهم الأصول والمحددات. لا تنبع أهمية السؤال هنا من وقوف شكلي خالص عند ذات الماضي، بل تتأتى حصرا من كون الذي جرى ويجري على مستوى الوعي العربي، إنما يجد بالقطع جزءا من جذوره بالماضي إياه. الماضي هنا ليس أحداثا عابرة مرت وانقضت، بل هي معطيات باتت مكونا من مكونات التاريخ، الذي بامتدادات سياقه، تكرست معتقدات وتصورات وتمثلات، حكمت الوعي العربي وطبعت مفاصله، وجذرت لترسباته في الزمن والمكان.

 

القضية الثانية وترتبط بما يمكن الاصطلاح عليه بضرورات الوعي بمجريات واقع الحال، الداخلي منها كما الخارجي، الذاتي منها كما الموضوعي، القار المترسب منها، كما العابر المار. والوقوف عند هذه القضية لا تمليه فقط الحاجة إلى مساءلة مسببات أزمة الوعي العربي، التي تطاول المشهد العربي منذ مرحلة الاستقلالات الوطنية على الأقل، بل وتمليه أيضا الحاجة إلى التساؤل في أسباب قصور النخب العربية في تصريف سبل استنهاض مقوماتٍ، كانت فاعلة إلى حين السبعينيات من القرن الماضي.

 

أما القضية الثالثة فترتبط بسؤال المستقبل، بما هو مجال الخيارات البديلة، وبما هو الأفق المفتوح، إذا لم يكن لاستعادة الوعي العربي أو بعضا منه، فعلى الأقل لاستنبات وعي عربي، يبني على القائم ويرتكز عليه. بالآن ذاته، فأفق المستقبل (المستقبلات برأي البعض) لا يجب أن يقتصر على سؤال ما العمل، باعتباره سؤالا وجيها للاستشراف، بل ويجب أن يتعدى ذلك إلى إبداع الآليات لتصريف التوجهات، وترجمتها عمليا بأرض الواقع، وإعمال مبدأ التقييم الدوري لما أنجز أو بطريقه للإنجاز.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 26 أبريل 2010