"ظاهرة
التكفير في
المجتمع
الإسلامي"
عبد
اللطيف
الهرماسي,
مركز الجزيرة
للدراسات/الدار
العربية
للعلوم,
الدوحة, 2010, 76 ص.
هذا
الكتاب هو
محاولة رصد ما
عرفته
المجتمعات
العربية/الإسلامية,
سيما ببداية
القرن الحادي
والعشرين, من
مظاهر تصاعد
وتيرة
الاتهام بالتكفير
التي تدفع بها
الحركات
الدينية, أو
بعض من رجال
الدين ضد كل
من يخالفهم
الرأي, وأيضا مظاهر
التكفير التي
تلجأ إليها
بعض الجماعات
الدينية,
لتكفير بعضها
البعض, على
أساس من
الاعتقاد
السائد لدى هذه
أو تلك
بامتلاكها
الحقيقة
الكاملة
والمطلقة.
إن
التكفير, بنظر
المؤلف, إنما
يندرج في سياق
أيديولوجيا
الحركات
الدينية
الأصولية, وفي
صلب "ادعاء
الحقيقة
واحتكارها
والتعصب لها,
ينجم عنه رفض
الآخر. وهو
رفض يحمل دوما
طابع النبذ, وبالتالي
التكفير
بوصفه أسهل
الطرق لمقارعة
الخصم".
ويلاحظ
الكاتب أن
الإيديولوجية
التكفيرية بدأت
مع أبي علي
المودودي, "وبرزت
لاحقا مع
التيار
القطبي وتيار
السلفية
الجهادية...وأن
التكفير في
صيغته
الجديدة, كان
ردة فعل على
تصدع الأطر
الرمزية
والاجتماعية
الموروثة, تحت
ضغط الحداثة,
ونتيجة
لاستنبات
أطرها
ومؤسساتها
وفكرها". ولعل
هذه الموجة
الجديدة أقوى
وأشد وطأة
وأوسع نطاقا,
قياسا إلى تلك
التي كانت
سائدة
بستينات وسبعينات
القرن الماضي,
والتي لم تكن
بالعنف الذي
يميز
الأصوليات
المعاصرة.
إن
التكفير
يرتبط
ارتباطا
وثيقا بمفهوم
الحقيقة
وبالمقدس
الديني,
والخلاف إنما
يدار على هذا
الأساس, حيث
من خالف الآخر
يكون كمن خالف
المقدسات
وتعاليم الله,
والنتيجة
المباشرة
تؤدي حتما "إلى
تبرير
استخدام
العنف
وتشريعه،
فيصبح قتل
الكافر واجبا
مقدسا ومطلبا
إلهيا".
صحيح,
يقول المؤلف, إن
حركات الجهاد
الإسلامي
وسائر
الحركات الأصولية
الأخرى, تحمل
اليوم إيديولوجيات
يقع التكفير
في صلب عقيدتها،
لكن الأساس في
هذه الإيديولوجيا
"يعود إلى
جوهر الفكر
الديني, الذي
يتمثل بما
تدعو إليه
الديانات
التوحيدية،
صاحبة اليقين
والحقيقة
المطلقة،
والداعية إلى
الخلاص".
إن
التاريخ
العربي/الإسلامي,
تماما
كالتاريخ
المسيحي/الأوروبي,
مليء بنماذج
الصراعات
التي نتجت عن
تباين
الديانتين
حول ما هي
الحقيقة
المطلقة,
وافتراض كل
جانب بأنه
الوحيد الذي
يملكها, حتى
أضحى التكفير
أهم سلاح
لمقارعة الرأي
الآخر أو
الجهة الأخرى.
يقول
المؤلف في هذا
الصدد: "إن مثل
هذا النزاع هو
الحقل الذي
أنتج ظاهرة
التكفير كعنف
أو عنف مضاد
رمزي، يهيئ
للعنف المادي
ويشرع له،
ويتجه نحو كل
من يرفض
الحقيقة
المطلقة, أو تأويل
الجماعة
المعنية للنص
المقدس".
ويلاحظ
الكاتب أن المجتمعات
المسيحية/الغربية
التي شهدت
تراجعا كبيرا
في ظاهرة
التكفير, لم
يتم لها ذلك
إلا بأعقاب
حروب طاحنة,
ترتب عنها فصل
الكنيسة عن
الدولة أو
الدين عن
الدولة, فاسحة
بذلك المجال
لكسر سيطرة
الكنيسة على
السياسة
والمجتمع. في
حين أن
المجتمعات
العربية/الإسلامية
لم تفلح في ذلك,
جراء التقدم
الكاسح
للحركات
الأصولية على
حساب بعض
الحركات التي
حاولت وضع
الدين في
مكانه الإنساني
والروحي
والأخلاقي
بعيدا عن
السياسة.
إن ظاهرة
التكفير, يقول
المؤلف, إنما
يجب البحث عن
بداياتها من
خلال قراءة
متأنية
للموروث الإسلامي
نصا وممارسة, و"خصوصا
النص
التأسيسي, أي
القرآن، الذي
جرى تقديمه
عند الدعوة،
وعلى امتداد
التاريخ حتى
الزمن
الراهن، على
كونه يحمل
القول الفصل
والقاطع, بخصوص
المعنى
الصحيح
للوجود,
وطبيعة علاقة
الله بالكون
والكائنات،
وأيضا بكونه
خاتم
الرسالات,
المصحح
للانحرافات،
والموضح
لمراد الله
ومقاصده
وتوجيهاته
إلى خلقه وأوامره".
هو
تشديد على
المطلقات
واضح, يتابع
المؤلف, لكن
الدفع به في
بداية
الرسالة, إنما
كان الغرض منه
تقوية الدين
الجديد, وتقديمه
على ما سواه.
بالتالي, "كان
استخدام
تعبير الكفر
في البداية يتصل
بإدانة
الأقوام
الذين رفضوا
تصديق الرسالة
الحالية,
ومعها
الرسالات
السابقة، أو
الذين جحدوا
بالنعمة
الإلهية، أو
المتمسكين
بعبادة
الأصنام,
والمصرين على
رفض نبوءة محمد...
لكن التعبير
اتخذ في ما
بعد, حجما
خطيرا, عندما
ارتبط بتكفير
كل من لا
ينتسب إلى
الدين
الإسلامي, على
اعتبار أن الدين
عند الله
الإسلام".
هذا
الأمر سرعان
ما تطور بسرعة
بعد وفاة
الرسول, "ونشوب
الصراع على
السلطة
والخلافة،
واندلاع
الحروب بين
القبائل
العربية، من
حروب الردة
إلى حروب
الخلافة بين
علي ومعاوية
وما بينهما،
حيث اتخذ
مفهوم
التكفير
موقعا مركزيا
في تعيين العدو،
وعلى قاعدة
المساواة بين
التكفير ونقص
الإيمان من
جهة، ولتبرير
القتال من جهة
أخرى".
ونتيجة
لذلك, "تحولت
وصمة الكفر من
وسيلة
للتمييز بين
الجماعة
المسلمة وما بين
عداها، إلى
سلاح لتقسيم
الجماعة بين
مسلمين حقيقيين
والآخرين, لا
يقبل إسلامهم
حتى وإن نطقوا
بالشهادة والتزموا
بالطاعات".
من
هنا, يلاحظ
المؤلف, ارتبط
النزاع حول
الحقيقة,
كما يقدمها
النص القرآني،
بالصراع
على مقاليد
السلطة، "بتحويل
التكفير إلى
إستراتيجية وإيديولوجيا,
تقوم وظيفتها
على قمع
المخالفين
السياسيين والفكريين
على الساحة
الإسلامية, وتبرير
تهميشهم، بل
وإلغائهم
جسديا".
ومن
هنا أيضا, بات
الصراع بين
الفرق
الإسلامية مرتكزا
على كيفية
لجوء كل طرف
إلى استحضار
النصوص
المقدسة من
القرآن
والأحاديث،
وتأويل كل طرف
للنص, وفق ما
يخدم مصالحه،
واعتبار
التأويل هذا
وحده الممثل
للحقيقة
والصواب.
هكذا,
يتابع الكاتب,
"انتشرت
التأويلات
للنص الديني
المتعددة
المشارب، بل
إن كل فرد أو
فقيه, بات
يعطي لنفسه
الحق في تفسير
النصوص
الدينية, وإضفاء
القداسة على
هذه
التفسيرات.
وهو أمر ازداد
في الفترة
الأخيرة, حيث
لا يتورع رجل
دين, أو من
المصنفين من
الدعاة, من
استهلال
كلامه حول أي
نقطة بالقول
:إن رأي الإسلام
هو كذا وكذا..
بدل أن يقول
إن هذا رأيه
الشخصي في
التفسير".
ومن هذا
المنطلق, "تحولت
التفسيرات
الماضية
والراهنة, إلى
نتاج عقيدي
تقوم وظيفته
الأساسية في
فرض واستحداث
نظام رقابة
دينية
وأخلاقية
واجتماعية
على عموم
المجتمع،
وبموجب هذا
النظام, يجري
تصنيف البشر
إلى كافر أو
مؤمن,
واستحلال دم
الكافر وقتله".
وعلى
الرغم من
الطفرة
الحضارية,
وغزو الحداثة
للعديد من
المجتمعات
الإسلامية,
فإن الحال لم
يتغير كثيرا,
برأي المؤلف,
بجهة تقوية
قيم المساواة
بين البشر,
وسيادة
القانون
والفصل بين
الدين
والدولة,
واعتماد
الديمقراطية
أسلوبا في
الحكم, واعتماد
العقل
والعقلانية
حكما. لا, بل إن "الفكر
التكفيري
اليوم, يجد في
هذه الحداثة
وأفكارها
مركز الخطر
الأكبر, الذي
يهدد كل
منطلقاته الإيديولوجية,
الداعية إلى
العودة إلى
زمن الدعوة
الأول, وفرض
نمط الدولة
السائد
آنذاك،
وتكريس الشريعة
الإسلامية في
القوانين
والحكم،
وغيرها من
المبادئ التي
يرى هذا الفكر
تناقضها الكامل
مع منطلقات
الحداثة".
إنه
لمن الصعب
حقا, يزعم
الكاتب, "تصور
مواجهة الفكر
التكفيري,
المندلع بقوة
اليوم في
المجتمعات
العربية
والإسلامية، ومعه
دخول هذه
المجتمعات في
العصر, وتجاوز
تخلفها
المديد، من
دون ولوج
الإصلاح
الديني، وتعيين
موقع الدين,
وإعادته إلى
منطلقاته
الأصلية
الروحية
والإنسانية
والأخلاقية،
ومنع توظيفه
في النزاعات
السياسية
والاجتماعية".
يقول
المؤلف بهذه
النقطة
:"الإصلاح
الديني لا
يعني
الانخراط في
نمط من العقلانية
مآله تجفيف
المنابع
الروحية، ولا
الانغماس في
فردانية
مطلقة, تعزل
الفرد عن
محيطه
الاجتماعي،
بل يقتضي
التوصل إلى
صيغ من
التوافق بين
العقلانية
والروحانية،
بين استقلال
الفرد في
الكيفية التي
يعيش بها تدينه,
والحفاظ على
مقومات
التضامن
والتماسك
الاجتماعي،
وبين الاعتراف
بحقوق المجال
الخاص
والشخصي,
واحترام
المجال العام,
حيث يصعب أن
يتخلى
الإسلام عن
دوره في توجيه
الأخلاق
الاجتماعية.
لكن هذه
التوافقات
والتوازنات
المأمولة, تتطلب
في المقابل
إبعاد الدين
عن كل استخدام
سياسي مباشر،
سواء صدر عن
الحكام أو عن
المعارضات".
يحيى
اليحياوي
الرباط, 23
شتنبر 2010