موسم الهرولة إلى العراق المحتل

 

 

تتسابق, بالآونة الأخيرة, العديد من النظم والحكومات العربية, لفتح أو إعادة فتح ممثلياتها الدبلوماسية ببغداد, بعدما اقتنعت أو تم إقناعها, بأن الوضع الأمني هناك قد تحسن, والأمر قد استتب نهائيا لفائدة "القوات العراقية" بعدما تسنى لها, بمؤازرة الصحوات والقوات المتعددة الجنسيات, دحر القاعدة, واستقطاب العديد من المجموعات المسلحة, بما فيها مجموعات على خط حزب البعث, ولم يعد ثمة بالتالي من مبرر يذكر, قد تمتطي ناصيته هذه الحكومة العربية أو تلك, للإبقاء على سفارتها غير مفعلة, أو قنصلياتها مغلقة الأبواب.

 

قد يذهب بنا الزعم لدرجة الجزم ربما, بأن لكل نظام عربي مسوغات وظروف, دفعته للإقدام على ذات البادرة بالظروف والسياقات الحالية, إذ حال سوريا مثلا ليس كحال الإمارات, وحال الأردن ليس كحال مصر, وحال قطر ليس بالقطع كحال لبنان أو السعودية, وهكذا. لكن المؤكد, بالحالات كلها, أن ثمة روابط وإكراهات مشتركة, تمتشق منها الحكومات "المطبعة", وتدفع بها للواجهة كعنوان مؤسس, وبان لذات البادرة:

 

+ فالحكومات إياها, فرادى أو بتنسيق جماعي, أقدمت على ذلك بكثير ضغط من الأمريكان, ليس فقط لإعطاء الانطباع بأن هؤلاء (الأمريكان أقصد) قد "أتموا المهمة بنجاح", ولم يبق لديهم, قبل الانسحاب النهائي أواخر هذه السنة, إلا توقيع اتفاقية أمنية بين حكومتين نديتين وسياديتين, بل وأيضا لترويج الإحساس وتعميم الشعور, بأن العراق قد عاد لحاضنته العربية والإقليمية, بعد طول انقطاع عنها, تأتى إما من باب خشية ذات الحاضنة من واقع أمني متردي, أو من قبيل المقاطعة المقنعة, لوضع في الاحتلال لم يكن بالأصل مقبولا ولا مستساغا من جانبها.

 

صحيح أن التطبيع السوري هو من باب التكتيك, ودرء الخطر والضرر, بوجه إدارة أمريكية مبتزة سياسيا, ومستفزة عسكريا, لكنه بالحالات الأخرى, حالات مصر والسعودية والإمارات وإلى حد ما الأردن, إنما هو من قبيل التماهي مع التصور الأمريكي, الذي تأكد لديه بالتجربة, أن فصل العراق عن محيطه الحيوي المباشر لن يفيد الأمريكان كثيرا, سيما بزاوية ما هم مقدمون عليه من ترتيبات للمنطقة برمتها عندما, وعندما فقط, يجنحوا للانسحاب العسكري المباشر من العراق, نهاية دجنبر من العام 2008.

 

+ والحكومات ذاتها, بإدراك منها أو بدفع من الإدارة الأمريكية, أحست كل فيما يخصها, أو بإطار الجامعة العربية, بأنها كانت "مقصرة" بحال العراق, ولم تكترث كثيرا بمآله, ولم تعاضد عمليته السياسية, فتركت بذلك المجال واسعا لغلبة طائفة على طائفة (الشيعة على السنة تحديدا) وفصيل على فصيل, وعرق على عرق, حتى بات العراق برمته مللا ونحلا, وطوائف وأعراق, وبات الكل من بين ظهرانيه مع الكل ضد الكل.

 

إن مسوغة "دعم العملية السياسية الجارية" تبدو متأخرة برأي العراقيين, لكنها تأتي بسياق التطبيع القائم, من باب "ما لا يدرك كله, لا يترك جزؤه", والعكس بالعكس.

 

بالتالي, فإن الحكام العرب المطبعين, لم يعمدوا إلى فتح معتمديات دبلوماسية لهم بالعراق, من باب الاعتراف المباشر والكامل بالحكومة القائمة, لكنهم عمدوا إلى ذلك من باب تدارك موقف, لربما كانوا مطالبين باعتماده حينما تكون مجلس الحكم, وتناسلت من صلبه فيما بعد الحكومة تلو الأخرى.

 

+ والحكومات إياها أدركت, أو تم إبلاغها بذلك من لدن الأمريكان, بأن الاستمرار في تجاهل العراق من شأنه أن يدفع الآخرين لملئ الفراغ, على طريقة ما قامت به إيران بقوة ودهاء نادرين, أو فسح المجال واسعا لقوى متطرفة عديدة (وبمقدمتها القاعدة) لن تتوانى, إن ضمنت لها موطئ قدم ثابت بالعراق, أن تخلخل نظم المنطقة, وتضر بتوازناتها, إذا لم تدفع بقوى الاعتدال, إلى الاندحار الواحدة بعد الواحدة.

 

إن ترك الساحة فارغة, يقول الأمريكان, لم يترتب عنه استقطاب حاد لمذهب على حساب مذهب, حتى وإن كان للأمريكان باع كبير في تأجيج ذات الاستقطاب, بل سيكون من شأنه, باعتقادهم, سقوط العراق برمته بيد الإيرانيين (وقد تسنى لإيران ذلك, بالسنوات اللاحقة على الاحتلال مباشرة), أو بيد جماعات لن تتوانى في تحويل البلد إلى قاعدة للجهاد والتطرف, ستتحول بمقتضاها نظم الحكم العربية, القريبة كما البعيدة, إلى إمارات تقطع الأعناق وتبتر الأطراف, على شاكلة ما كان قائما بأفغانستان زمن حكم طالبان.

 

قد لا يعدم المرء بعض عناصر الشفاعة لهذا النظام العربي أو ذاك, إذ الضغط الأمريكي الشديد والمتزايد على سوريا, لربما دفعها لامتطاء كذا مبادرة, للتجاوز على استقصاد لها قائم ومؤكد, سيما بجهة تحالفها الاستراتيجي مع إيران, أو الادعاء الأمريكي بإيوائها لبعض عناصر النظام القائم, أو تراخيها في ضبط حدودها مع العراق, وما شاكل ذلك من دفوعات حقيقية, أو مجانبة لكبد الصواب.

 

وقد لا يعدم المرء بعض ذات العناصر, "لتفهم" موقف الأردن, حيث ندرة الموارد والاتكال على ما يقدمه له الأمريكان, أو موقف مصر حيث المسبار الأمريكي مشتغل, أو الإمارات والسعودية, حيث لا راد لما يأمر به الأمريكان, أو يلمحون إليه من بين الكلمات والسطور.

 

قد لا يعدم المرء كل ذلك, جملة أو بالتفصيل, لكنه لا يستطيع بالآن ذاته, إلا أن يسجل على ذات النظم والحكومات خطب ما أقدمت عليه, أكان ذلك بتقدير مسبق من لدنها, أم بضغط وإكراه من لدن أمريكان, أتعبهم التواجد بالعراق, فباتوا طلاب مساعدة, ذات اليمين وذات اليسار:

 

°°- فالتطبيع مع "الحكومة العراقية" الحالية هو بالبداية كما بالمحصلة, تطبيع مع "حكومة" بلد تحت الاحتلال, لا سيادة له بالمرة, ولا قيمة مادية أو اعتبارية لما يقدم عليه من مبادرات أو من قرارات. تطبيع العلاقات هنا, أمر شاذ بالمقاييس الدبلوماسية العامة, فما بالك أن تقدم عليه ذات الحكومة, حكومة الاحتلال, بطريقة انفرادية, أو ثنائية, أو تحت الإكراه مع دول عربية أخرى, تعلم علم اليقين أنها لم تقدم على ذات السلوك من تلقاء نفسها, أو بتقدير مسبق من لدنها لتطورات واقع الحال على الأرض.

 

°°- والتطبيع مع ذات الحكومة ليس بالقطع تطبيعا مع العراق, ليس فقط لأن البلد تحت الاحتلال, فاقدا لمقومات السيادة, لا مناعة لديه لاتخاذ الصائب من القرارات, ولكن أيضا لأن ذات الحكومة هي تعبير عن تمثل طائفي لنظام الحكم, لا يتغيأ تمثيل مكونات الشعب, بقدر ما يتطلع إلى أخذ ثأر من "طائفة", قيل إنها استأثرت بغنيمة الحكم لأكثر من ثلاثين سنة, عندما كان حزب البعث العربي بالسلطة.

 

إن الإقدام على تطبيع العلاقة الدبلوماسية والسياسية مع حكومة من ذات الطينة, إنما هو من تطبيع مع نموذج في الحكم طائفي, استئصالي, إقصائي, لا بل ومعمل لمبدأ القتل, على خلفية من الانتماء المذهبي أو القبائلي أو العشائري أو ما سواه, تماما كما كان العرب بالجاهلية يئدون البنات على خلفية من تمثل في النوع, شاذ منذ قدوم الإسلام وإلى الزمن الحاضر.

 

°°- ثم إن التطبيع مع ذات الحكومة, حكومة المنطقة الخضراء ببغداد, هو بالنهاية تطبيع مع حكومة ارتضت اعتماد اتفاقية أمنية مع الأمريكان, لن يكون من شأنها مع الزمن ارتهان حاضر العراق ومستقبله, بل سيترتب عنها بالقطع, والقواعد الأمريكية متواجدة بكل أطراف البلاد, ارتهان مستقبل المنطقة برمتها, ورهن قرارها زمن الحرب, كما زمن السلم على حد سواء.

 

من هنا, يبدو لنا أن التطبيع القائم اليوم, إنما هو تطبيع مع العراق المحتل, وليس تطبيعا مع العراق...ألم يكن المدخل الناجح والناجع والسليم, التطبيع مع المقاومة العراقية, حتى عندما تدرك النصر, سيكون التطبيع حينئذ تطبيعا حقيقيا وصادقا, لا تطبيعا مصطنعا, هجينا, وبأدوات الإكراه الخشنة, فضلا عن ذلك.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 20 أكتوبر 2008