"حزب الله: من التحرير إلى الردع, 1986- 2006"

 

عبد الإله بلقزيز, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, دجنبر 2006, 111 ص.

 

1- الدكتور عبد الإله بلقزيز, أستاذ مادة الفلسفة والفكر العربي والإسلامي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية, بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.

وهو, فضلا عن مهمة التدريس والتأطير هاته, أمين عام المنتدى المغربي/العربي, وعضو مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت, وعضو اللجنة الاستشارية لمجلة المستقبل العربي الذائعة الصيت, ناهيك عن إشرافه على موسوعة "حصيلة الثقافة العربية في القرن العشرين", ورئاسته لفريق تحرير "المشروع النهضوي العربي".

 

لعبد الإله بلقزيز كتبا عديدة تجاوزت الثلاثين, من أهمها "الأمن القومي العربي" (الهيئة المصرية العامة للكتاب, القاهرة, 1988), "إشكالية المرجع في الفكر العربي المعاصر"(دار المنتخب, بيروت, 1992), "الأنفاق والآفاق, رؤية مستقبلية للصراع العربي/الإسرائيلي" (إفريقيا الشرق, بيروت/الدار البيضاء, 2000), "أسئلة الفكر العربي المعاصر" (دار الحوار, اللاذقية, 2001), "الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر" (مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, 2002) و "العرب والحداثة" (مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, 2007)...هذا ناهيك عن العديد من الدراسات والمقالات بالعديد من المجلات والجرائد العربية, وعشرات المساهمات بندوات وطنية ودولية بالمغرب وبغيره من الدول العربية.

 

2- ينقسم كتاب "حزب الله: من التحرير إلى الردع, 1986-2006") إلى خمسة فصول كبرى (موزعة على جزأين اثنين), أفردها المؤلف لإبراز مدى نجاح المقاومة اللبنانية, سيما مقاومة حزب الله في ال 2000 كما في حرب صيف العام 2006, في كسب "معركتين في مواجهة إسرائيل: معركة التحرير ومعركة الردع", دفع لبنان ثمن ذلك من شعبه كما من مقاومته غاليا, لكنه كسب "جنوبا محررا من الاحتلال, ووطنا محررا من عقدة الخوف من إسرائيل".

 

+ بالفصل الأول ("في رحاب تحرير الجنوب"), يؤكد الكاتب أن تحرير جنوب لبنان كان بالتأكيد من فعل المقاومة الوطنية والإسلامية وفي مقدمتها حزب الله, لكنه كان بالآن ذاته فعل شعب, التحم برمته حول المقاومة, وأيضا بفعل دعم سياسي سوري غير محدود, ومساندة مادية إيرانية معتبرة, ناهيك عن موقف الدولة الرسمي, الذي احتضن المقاومة, وحمى ظهرها بهذا الشكل أو ذاك.

 

لا يعزي الكاتب ما أنجزته المقاومة اللبنانية إلى تقارب ما في موازين القوى, بل يعزيه تحديدا إلى ما يسميه ب"ميزان الإرادات", استطاع حزب الله بموجبها أن يحقق ما لم تستطعه جيوش نظامية, كان لها أن تتواجه مع إسرائيل من ذي قبل. هو معيار غير قابل للتكميم أو القياس رياضيا, يقول الكاتب, لكن مفعوله مذهل بأرض الواقع.

 

إن الدرس البليغ والأهم الذي قدمته المقاومة اللبنانية للفكر الاستراتيجي المعاصر, يقول بلقزيز,  هو أن "الاحتفال بعوامل القوة المادية لتفسير القوة المادية, ليس دائما مدخلا ملائما لفهم ظاهرة مثيرة من نوع نجاح بضعة آلاف من المقاتلين, المسلحين بأكثر الأسلحة تأخرا وبدائية, في تمريغ هيبة واحد من أكبر جيوش العالم عدة وعددا...هكذا يقول التاريخ, تاريخ الصراعات الكبرى: تكسب الشعوب معركتها حين تؤمن بها, أي بعد أن تحسن موقعها في ميزان الإرادات, فتنتصر إرادة المقاومة على إرادة الاحتلال".

 

إن انسحاب إسرائيل ومن جانب واحد, من جنوب لبنان دون قيد أو شرط, تحت ضربات المقاومة المتتالية إنما هو, بنظر المؤلف, انتصارا عسكريا باهرا إذا لم يكن بكل المقاييس القائمة, فعلى الأقل بمقياس ما كانت تراهن عليه إسرائيل, عندما احتلت الأرض والمياه, وبدأت تساوم من حينه, من أجل تحصيل ضمانات أمنية تقوم مقام جنودها في حماية شمال فلسطين.

 

صحيح أن مقولة ميزان الإرادات ضرورية أيما تكن الضرورة في مواجهة من هذا القبيل, لكنها غير كافية بحد ذاتها. هي تحتاج, بنظر المؤلف, إلى اندماج اجتماعي ووحدة وطنية, وتحتاج إلى تجاوز حقيقي للعصبيات الدينية, وللولاء الطائفي ولما سوى ذلك. وهو ما استطاعت المقاومة اللبنانية البناء عليه, والاحتماء به, سيما منذ انتهت الحرب الأهلية, واستعيد الحد الأدنى من مقومات السلم الأهلي, واستردت الدولة هيبتها بالمركز.

 

+ بالفصل الثاني ("حزب الله: العقيدة والسياسة والتنظيم") يعاود بلقزيز التأكيد على أن المقاومة بلبنان سابقة على نشأة حزب الله. ولما كان منتسبا إليها, ملتحقا بها, غير صانع لها, فإنه من التجاوز اختزاله فيها أو اختزالها فيه, على الرغم من سمو مقامه من بين ظهرانيها, منذ أواسط ثمانينات القرن الماضي.

 

بالتالي, فإن "المنعطف الذي ستشهده المقاومة, بعد أيلولة أمر قيادتها إلى حزب الله, إنما كان حصيلة تراكم تاريخي سابق, ولم يكن وليد لحظته. وأهمية ما قام به الحزب, أنه أتقن استثمار ذلك التراكم, وتصويب أخطائه, والبناء عليه, لصناعة تلك اللحظة الخصبة من تاريخ المقاومة (عقد السبعينات), التي ارتبطت به, وارتبط إسمه بها, فكأنهما توأمان".

 

وإذا كان المؤلف لا يؤرخ لنشأة الحزب كنتاج انشقاق سياسي وتنظيمي ما, عن حركة أمل (حتى وإن التحقت بصفوف الحزب العديد من قيادات الحركة), فلأنه يجزم بأن ولادة الحزب تأتت من سياق فكري وسياسي مختلف, اختلاف مراجعه وولاءاته.

 

 ويقف المؤلف في ذلك عند أكثر من محطة تاريخية, ليثبت ذلك بالوقائع والأحداث, أي ليثبت أن حزب الله ليس حزبا طائفيا, بل هو حقا وحقيقة حزب وطني, "يتخطى جمهور طائفته ليخاطب سائر اللبنانيين بخطاب لقي منهم الرضا والقبول". وهو ما يمكن تلمسه عبر مؤسساته الدينية بالمساجد والحسينيات, كما من خلال الأدوات الإعلامية المختلفة التي قام على إنشائها, بثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

 

ومع ذلك أو بالتزامن معه, فقد "انصرف النشاط الدعوي لحزب الله إلى بناء قوة عقائدية مقاتلة, مؤمنة بقضيتها الدينية والمذهبية والوطنية. ولم يتوسل في ذلك ما توسله آخرون من ضروب التجييش والتعبئة المنبرية...بل سلك مسلكا مختلفا إلى ذلك, متشبعا بتقليد مذهبي تليد في الحوزات والمدارس الدينية (الشيعية), في العراق وإيران, وجبل عامل في لبنان".

 

من الطبيعي, يقول الكاتب, أن يركز حزب كحزب الله على التربية والتكوين, ويكثر من الدورات التدريبية لعناصره, إلى جانب تشجيعهم على الالتحاق بالمدارس الدينية, حتى إذا منح المرء صفة المقاتل, يكون متمكنا من حمل السلاح واستعماله, وأيضا متشبعا "بتاريخ ثقافي وفقهي وسياسي خاص بالمذهب", يجعل منه مقاتلا عقائديا, تضوى "فرديته ومحيطه الأسري ونظام الرابة عنده في إطار اعتقادي أعلى. إنه موهوب النفس لقضية أكبر, هي التي تقرر له الكينونة والروابط".

 

إن التربية التي يتلقاها مقاتل حزب الله, "تقوم على المثال الحسيني المتعالي شيعيا عن كل مضاهاة أو مضارعة. وهو مثال يذهب بعيدا في استرخاص النفس, إلى الحد الذي يجعل فعل الشهادة فعلا شرعيا مقدسا".

 

من جهة أخرى, يؤكد المؤلف بأن حزب الله ليس جماعة عقدية مغلقة, متشددة في الالتزام بالأصول والثوابت (حتى بقول الحزب بوجوب إقامة "الدولة الإسلامية", وإيمانه الفكري بولاية الفقيه), بل هو قوة سياسية تتعامل مع مجريات الأحداث بكفاءة عالية, دونما أن يؤدي ذلك إلى صدام ما بين عقيدتها والفعل السياسي. لا بل إن الحزب يتعامل مع السياسة باعتبارها فن الممكن, حتى وإن اضطرته إلى التحرر النسبي من "إسار الواجب الشرعي".

 

بالتالي, فمن الفريد حقا, يقول عبد الإله بلقزيز, أن نعثر على حزب ينجح ببراعة في "التوفيق المتوازن بين نداء الواجب الشرعي (العقيدة), والنزول عند حقائق الممكن الواقعي (السياسة), في شأن يختص بالدولة والحكم".

 

لكن هذا لا يعني تنازل الحزب عن ثوابت له, أضحت لازمة كبرى في أدبياته, وأهمها أن الصراع مع إسرائيل هو "صراع حضاري وديني وقومي ووطني, وليس مجرد صراع سياسي. وأن إسرائيل كيان مغتصب لحق وطني وقومي وإسلامي, ولا شرعية لها في المنطقة, واحتلالها لفلسطين باطل بطلانا كاملا, وأن أية تسوية سياسية للصراع معها غير مقبولة, لأن فيها اعترافا بالدولة اليهودية, وأن جنوب لبنان ليس أغلى عند الحرب, من القدس ويافا وحيفا والجليل...الخ".

 

وبقدر تشبت الحزب بمبدئية واضحة, فإنه بالآن ذاته يتعامل ببراغماتية سياسية كبرى, تمنحه سبل التأقلم مع حركية الواقع. هي, يقول المؤلف, ثنائية وليست ازدواجية, جعلته يترجمها في تحالفاته الإقليمية ذات الصلة بالصراع مع إسرائيل: "فهو يصاهر طهران عقائديا, ويصادق دمشق سياسيا", لكنه يبقى متشبتا "بالمبدئية الطهرانية", التي يرفعها عنوانا رسميا لدى جمهوره, كما لدى المجتمع اللبناني برمته.

 

+ بالفصل الثالث ("الحرب الإسرائيلية على لبنان: الأهداف, المقدمات والسياق"), يؤكد المؤلف بالبداية, أن حزب الله كان مدركا (في غمرة احتفالات نصر ماي 2000) أن "المواجهة مع إسرائيل قادمة لا محالة, وإن تأخرت", وأن انكفاء إسرائيل عن جنوب لبنان عسكريا, لا ينفي حتمية معاودة عدوانها على لبنان.

 

ويستعرض المؤلف في ذلك, أربعة أسباب تبدو له كافية لتسويغ فرضيته:

 

°°- الأول, هو أن لبنان كما المقاومة, لم يعترفا بأن إسرائيل نفذت القرار 425, على اعتبار استمرار احتلالها لمزارع شبعا وتلال كفرشوبا, وعلى اعتبار أن سوريا نفسها لم تعترف رسميا بلبنانية المزارع إما لحسابات سياسية خالصة, أو لاقتناع السوريين بتلازم المسارين, اللبناني والسوري إن كان ثمة مفاوضات في الأفق. ولما كانت إسرائيل تدرك أن الدولة اللبنانية لا يمكن أن تتفاوض بشأن المزارع, فإن الحل المتبقي هو قطعا الحل العسكري المباشر, يؤكد الكاتب.

 

°°- السبب الثاني, من وجهة نظر المؤلف, ويرتبط باحتفاظ إسرائيل بأسرى لبنانيين في سجونها. "وهو شكل من أشكال الحرب, لأن هؤلاء الأسرى عنوانا من عناوين الحرب ومن نتائجها". ولما لم يكن من الوارد, من لدن الحكومات اللبنانية المتعاقبة, فك أسر هؤلاء, فإنه بات من الطبيعي أن تلجأ المقاومة لأسر جنود إسرائيليين, كسبيل أنجع لإجبارها على الدخول في مفاوضات غير مباشرة لتبادل الأسرى, سيما أولئك الذين لطالما طالب بهم حزب الله, كسمير القنطار ويحيى سكاف ونسيم نسر وغيرهم. وهو أسلوب أبان من ذي قبل عن نجاعة ثابتة بكل الأحوال.

 

°°- أما السبب الثالث, فيتعلق بخريطة الألغام, التي زرعتها إسرائيل بالأراضي اللبنانية قبل اندحارها بالعام 2000, وتتمنع في تسليم نقط تواجدها للدولة اللبنانية, أو للأمم المتحدة.

 

°°- السبب الرابع ويرتبط بالاستباحات المستمرة, من لدن الطيران الإسرائيلي (وبالبر والبحر أيضا), للسيادة اللبنانية, والذي لم تنفع في إيقافها, المناشدات والاحتجاجات من بين ظهراني الأمم المتحدة.

 

لكل هذه الأسباب مجتمعة, عمد حزب الله إلى أسر جنديين إسرائيليين, كأداة للضغط على إسرائيل. فكانت الذريعة, وكان قرار الحرب, المقرر من مدة.

ويعتقد المؤلف جازما, بأن إسرائيل لم تطلق العنان لطائراتها ومدافعها ردا على أسر الجنديين, أو من باب "الحق في الدفاع عن النفس", بل لأسباب ثلاثة أساسية, إسرائيلية خالصة, لكنها متقاطعة مع أهداف الإدارة الأمريكية بالمنطقة, هي التي "دفعت نحو قرار الحرب على لبنان, وأنتجت أهدافها":

 

°- الأول ويتعلق بتوازن الرعب الذي خلقته المقاومة اللبنانية, بفضل تسلحها المتطور, وقدرة مقاتليها العالية على سلك أسلوب حرب العصابات, ونجاح المقاومة في بناء تحصينات دفاعية وأنفاق تحت الأرض, وتمكن المقاومة إياها من اختراق نظم معلومات الجيش الإسرائيلي, وما سوى ذلك.

 

لم يترتب عن ذلك تزايد مخاوف إسرائيل من تزايد قوة الردع الدفاعية لدى حزب الله, بل وأيضا تخوفها من قدرته على تقييد حركة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية برمتها. بالتالي, فقرار الحرب إنما أتى, بنظر الكاتب, لإسقاط "حالة توازن الردع التي نشأت بعد التحرير, ومنعها من التكرس والرسوخ, في أفق إنتاج معادلة جديدة أو قواعد لعبة جديدة, يكرس فيها الجيش الإسرائيلي حالة من المبادرة العسكرية الأحادية من جانبه, في مقابل تجريد المقاومة من القدرة على ردة الفعل".

 

°- السبب الثاني ويتعلق بالقرار رقم 1559 والذي يدعو, ضمن دعوات أخرى, "إلى حل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية, ونزع سلاحها", لفسح المجال أمام تدمير حزب الله, واستهداف سوريا بالمبتغى النهائي.

 

وإذا كان الحزب قد قبل بمبدأ مناقشة مآل سلاحه, في إطار سلسلة الحوارات الوطنية التي حضرها مع فرقائه اللبنانيين, فإنه ربط ذلك (وتبناه في ذلك أكثر من مشارك في الحوار) بضرورة البحث في المسألة "ضمن استراتيجية جديدة للدفاع الوطني, يحدد موضع ذلك السلاح فيها".

 

ولما باتت المراهنة (من لدن إسرائيل) على نزع سلاح حزب الله عبر مدخل الحوار الوطني من باب الوهم الصرف, فإن الحرب بدت "هي الوسيلة الأنجع لذلك, وإسرائيل هي الطرف الموكول إليه أمر شنها على المقاومة وعلى لبنان, لأنها أكبر المتضررين من وجود مقاومة مسلحة على حدودها الشمالية".

 

°- أما السبب الثالث فمرتبط بما يسميه المؤلف "مأزق الحرب على الإرهاب", سيما وقد تأكد استنزاف الجيش الأمريكي بالعراق كما بأفغانستان, وتزايد عنفوان المقاومات بهذين البلدين كما بفلسطين, ناهيك عن انتصار الحركات المناهضة للولايات المتحدة بأمريكا اللاتينية وبغيرها.

 

كل ذلك مجتمعا, ناهيك عن البيئة الدولية (هيمنة القطب الواحد على العالم) والعربية (حال العجز العربي المزمن) واللبنانية (حالة الانقسام حول سلاح المقاومة تحديدا) ...كلها اجتمعت لتحذو بإسرائيل إلى إطلاق حرب "رفعت من سقف أهدافها إلى حدود ثبت معها أنها أعدت كي تكون شاملة. ويكفي المرء أن يعاين حجم التدمير الشامل فيها, كي يقطع بأنها أعدت لهذا الغرض".

 

+ بالفصل الرابع ("العدوان والمقاومة: قراءة في الأداء والحصيلة"), يؤكد بلقزيز أنه منذ الساعات الأولى للحرب الإسرائيلية على لبنان, سلك العدوان لنفسه "استراتيجية عسكرية شاملة, لتحقيق أهدافه السياسية الثلاثة (استعادة الجنديين الأسيرين, تدمير البنية التحتية الصاروخية والبشرية للمقاومة, نزع سلاح حزب الله, إنقاذا للقرار 1559 بالقوة)".

 

ويجزم المؤلف بأن ذات الحرب كانت حقا وحقيقة استراتيجية تدمير شاملة, كونها لم تتغيأ فقط استهداف مواقع حزب الله, أو تدمير بناه العسكرية التحتية, بل تعدت ذلك إلى ضرب  العديد من مواقع الجيش اللبناني, ومؤسسات الدولة والعديد من التجمعات البشرية الآهلة بالسكان (سيما بالضاحية الجنوبية لبيروت) وبعض المؤسسات الاقتصادية وغيرها.

 

ويؤكد الكاتب أنه كان للاستراتيجية إياها وجهان اثنان: وجه عسكري وآخر سياسي.

أما الوجه العسكري, فقد تمثل في استهداف كل بنى حزب الله ومؤسساته, وظفت إسرائيل لإدراك ذلك كل منظومتها العسكرية من جوية وبحرية وبرية بالمدافع, ضربت دون تمييز كل ما تراءى لها أنه موقع مقاتل, أو نفق تحت الأرض, أو مخزن سلاح, أو منصة إطلاق صواريخ, أو طرق اتصال وجسور, ناهيك عن قصف كل ما بدا لها أنه مأوى لقيادات المقاومة السياسية والعسكرية والأمنية, وما سوى ذلك.

 

لم يقل الجانب السياسي عن الجانب العسكري فظاعة ومصدر أذى, إذ عمدت إسرائيل تدريجيا إلى "عزل حزب الله عن محيطه الاجتماعي المباشر, وعن المجتمع اللبناني عموما", ومعاقبتهما معا بجريرة ما أقدم عليه الحزب.

 

لم يقتصر الأمر على ذلك, بل تطلعت إسرائيل بسلوكها العسكري هذا, إلى محاولة الإيقاع بين المقاومة والدولة (حينما عمدت مثلا إلى ضرب مطار بيروت الدولي, ومرافئ حساسة بصور وصيدا, وتدمير أكثر من 160 جسرا, ناهيك عن المدارس والمستشفيات ومخازن الوقود ومحطات توزيع الكهرباء), وبين المقاومة وفريق 14 أذار المعارض لها وهكذا.

 

وإذا بات من الثابت أن إسرائيل نجحت في تدمير الأخضر واليابس, بحكم تفوقها بالمجال الجوي وبالبحر والمدفعية, فإنها لم تستطع إدراك جل أهدافها السياسية, على اعتبار صمود الحاضنة الشيعية, واستمرار الوحدة الوطنية وإن في حدها الأدنى. وهو ما مكن الحزب من الصمود طويلا, وإلحاق خسائر مادية وبشرية بالجيش الإسرائيلي, كما بالعمق السكاني الإسرائيلي. مما يعني قطعا ومرة أخرى, أن الحزب كان متوقعا قدوم إسرائيل على استهدافه سواء باختطافه للجنديين, أم دون ذلك.

 

ويميل المؤلف بهذه النقطة, إلى الاعتقاد بأن "حزب الله كان يملك تقديرا سياسيا بأن الحرب قادمة". ويزكي طرحه, بما يسميه "المتغيرات المنذرة", من قبيل القرار 1559 الذي كان يستهدف تجريد الحزب من سلاحه, وأيضا المزايدات التي كان السلاح إياه مكمنها منذ تحرير العام 2000.

 

ويؤكد بلقزيز أن الحزب أدرك ذلك مبكرا, فعمد إلى سلك سبيل "الاستيعاب والاستباق" عبر مشاركته في تحالف انتخابي, مع قوى لم يكن يتقاسم وإياها العديد من الإرهاصات, ثم مشاركته بحكومة فؤاد السنيورة. وعمد إلى السبيل ذاته, عندما قبل بمناقشة مسألة سلاحه في سياق حوار وطني, ثم في قراره توقيع "وثيقة تفاهم" مع العماد ميشال عون "على الرغم من أن ثمنها السياسي كان فك التحالف الرباعي" (أي التحالف مع ما أصبح قوى 14 أذار).

 

كل ذلك, لم يسهم فقط في تخفيف الاحتقان الداخلي, بل وأيضا في إسباغ الشرعية على المقاومة, سيما بالبيان الحكومي الذي على أساسه منحت حكومة السنيورة الثقة بالمجلس النيابي. وهي كلها خطوات محسوبة بنظر المؤلف, بحكم أنها بالمحصلة كانت "مصروفة لتأدية وظيفتها في الوقت المناسب, أي حين يقع ضغط كبير أو عدوان على لبنان".

 

ومعنى هذا, يقول عبد الإله بلقزيز بخلاصة أولية, إن الحزب قد نجح بامتياز في تهييئ نفسه عسكريا , ونجح في تحصينها سياسيا أيضا, لئلا يسقط في العديد من الفخاخ التي كانت منصوبة له تحت عناوين ومسوغات مختلفة.

 

وفي تقييمه للأداء العام للمقاومة, اعتبر بلقزيز:

 

°°- أن الأداء السياسي للحزب يعبر عن مثال رائد سواء بجهة الإدارة السياسية للمعركة, "أو في تهيئة الجبهة الداخلية وبناء مقومات تماسكها, أو في مخاطبة العدو واللعب على تناقضاته الداخلية, أو في مخاطبة العرب والمسلمين والعالم, أو في كسب الحلفاء والأصدقاء, وتحييد الخصوم والتشنيع على الأعداء". ولعل خطابات أمين عام حزب الله "في إطلالاته المتكررة على الرأي العام تلفزيونيا (وكانت بمعدل خطاب في كل خمسة أيام) المثال الأرقى لذلك الأداء السياسي المميز".

 

ويقف المؤلف عند خطب السيد حسن نصر الله, ويرى كيف أنها عمدت إلى التعبئة والتجييش, في توجهها بجهة مقاتلي الحزب وجمهوره بالجنوب, وبباقي القرى والبلدات. وكيف أنها تغيأت بالآن ذاته طمأنة الداخل اللبناني, بغرض "استدرار تماسكه ووحدته في مواجهة العدوان", والحؤول دون مجاراة رهانات العدو. وكيف أن هذه الخطب حملت معها منسوبا من النقد السياسي, ليس فقط "للسياسة الأمريكية المتواطئة مع العدوان الإسرائيلي والشريكة فيه", بل وأيضا للسياسة الرسمية العربية التي تماهت مع أهداف العدوان صراحة أو بالصمت. وكيف أن هذه الخطب وظفت الحرب النفسية, بإزاء مجتمع العدو وقيادته السياسية والعسكرية وجنوده ومستوطنيه, سيما وأن الرجل برع في المزاوجة بين القول والفعل طيلة أيام المواجهة.

 

°°- وأن الأداء العسكري كان باهرا بحكم صرامة التنظيم, وشيوع قيم الشجاعة والإقدام والبطولة, الملازمة لقيم "المؤسسية والعقلانية في التخطيط والإدارة" وما سوى ذلك. وقد بهر الحزب عسكريا, ليس فقط بفضل ما سبق, أو بفضل إتقانه لثنائية الحرب النظامية وحرب العصابات, وتمرسه عليها لأكثر من عقدين من الزمن, بل وأيضا لاحتكامه إلى منظومة معلومات استخباراتية عالية, نجحت في ضمان التنسيق بين عناصره, و"تجرأت" على اختراق نظم اتصالات العدو الفائقة الحساسية.

 

°°- وأن الأداء الإعلامي للحزب كان متميزا سيما أداة قناة المنار, التي ظلت لأكثر من 33 يوما نافذة "المقاومة على العالم الخارجي, ومصدر المعلومات الرئيس, وملتقى السياسيين والمثقفين للحديث في شؤون الحرب, وتحليل أوضاعها واحتمالاتها".

 

كل هذه المستويات مجتمعة, تجعل المؤلف يجزم بأن إسرائيل انهزمت دون مبالغة, وأن حزب الله انتصر دون منازع, ليس فقط باعتراف الخبراء العسكريين المحايدين, بل وأيضا من خلال ما صدر عن قادة إسرائيل السياسيين منهم, كما الجالسين على هرم الجيش.

 

+ بالفصل الخامس ("مطالعات استشرافية لبعض نتائج الحرب"), يؤكد بلقزيز أن لبنان شعبا ودولة ومقاومة ومقدرات, هم من أدى ثمن عدوان إسرائيل, لكنه يؤكد بالآن ذاته أن "بعض ذلك العبء وقع على مساحات واسعة من المجتمع العربي, فأطلق فيها تفاعلات سوف تتردد آثارها في مدى من الزمن السياسي والاجتماعي والثقافي مديد".

 

وإذا كان ثمة من عبر مما جرى بصيف العام 2006, يقول المؤلف, فإن أهمها أن لبنان المقاوم حرر العرب "من خوفهم على حقهم في رفع الصوت أعلى, في وجه نخب حاكمة تكفر من يتحدث بغير صوتها...وحررهم لبنان من أوهام السلام مع عدو فاشي عنصري, لا يرى في العرب إلا بعوضا يليق به الدوس عليه, والقتل من أجل تنظيم المكان لشعب الله المختار...وحررهم لبنان من ثقل الشعور بالدونية والصغار وزراية النفس, أمام الوحش الكاسر, وجيشه الذي لا يقهر".

 

ويجمل المؤلف القول بأن المقاومة اللبنانية "منحت المجتمع العربي والمواطن العربي, أثمن رأسمال يحتاج إليه في ظلمة الهزيمة الظلماء الطويلة: الثقة بالنفس. نعم, لقد دمر لبنان وكانت التضحية غالية. لكن لبنان الذي سيعيد إعمار ما تهدم, يعيد منذ الآن إعمار الوطن العربي نفسيا"... ويدشن لما يسميه المؤلف "العد التراجعي للمشروع الصهيوني, القائم على الثقة المفرطة بالقوة والتفوق".

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 21 يونيو 2007