"حصار
الديموقراطية"
ليس
المقصود
بحصار
الديموقراطية
في هذا المقام، تلك الحالة
التي تنقض
المؤسسة
العسكرية في
ظلها على السلطة
السياسية، فتجمد
بموجبها
القوانين
السارية
والمؤسسات القائمة، وتعطل
على إثرها
الحياة
المدنية
لفائدة " قوانين
جديدة" تسن
بقوة السلاح والبارود، وتحاصر
جراءها مختلف
مظاهر الحياة
العادية، لصالح
قوانين في
الطوارئ أو في
الاستثناء
تبدو مؤقتة، لكنها
تغدو مع الزمن
القاعدة التي
لا مناص من
التعامل معها.
وليس
المقصود بها
حالة
الاستبداد
الكليانية
التي ترتهن في
ظلها (لفائدة
رأس الدولة
ومحيطه) كل
المستويات
التمثيلية
المدنية منها
كما العسكرية، وتصادر من
بين ظهرانيها
جل الحقوق
والحريات القائمة
(أو المراد
إقامتها)
وتقيد جراءها
كل اشكال
التعبيرات
المباشر منها
كما غير المباشر
سواء بسواء.
وليس
المقصود بها، فوق كل ذلك، حالات النظم
السياسية
التي تسوق الادعاء
بالديموقراطية
(عبر التعددية
الحزبية أو
عبر سعة
القوانين
المصاغة أو ما
سواها) في حين تحتفظ
لنفسها بالحق
في استصدار
مضمونها، أو التلاعب
في الإجراءات
المحيلة
إليها،
أو تعمد
إلى تلغيمها
بقوانين
ولوائح
وتشريعات
تضمن
استمرارية "الشكل
الديموقراطي"
المعتمد، ولا تخرج
إلا فيما ندر
عن المتاريس
المحددة
والخطوط الحمر المرسومة.
هي
كلها حالات
معروفة،
مثبتة،
متعارف
بشأنها
ومسوغة،
فضلا عن ذلك، باعتبارات
تدلل في
أحسنها على
أنه حتى لو تم
اللجوء إلى
السلوك
الديموقراطي
في جانبه
الإجرائي
الخالص (عبر
الانتخابات
أو تعددية
الأحزاب
والهيئات
السياسية)، فإن تعثر
المضمون
الثقافي
للديموقراطية
(أي
الديموقراطية
كثقافة وليس
كمجرد إجراء)
يجعل هذه
الأخيرة في منأى
عن التداول
السلمي
للسلطة،
المرتكز على
مبدأ
الاحتكام إلى
محك صناديق
الاقتراع حتى
وإن أفرزت
الصناديق
إياها انقلابا
جذريا في
الوضع
السياسي
السائد،
أو تغييرا
جوهريا في موازين
القوى
القائمة.
وعلى
هذا الأساس، فإن حصار
الديموقراطية
الملمح إليه
في هذا المقام، إنما تلك الحالة
أو الحالات
التي يتراضى
الفرقاء
السياسيون بموجبها
على " قواعد
لعبة محددة"، يتم في ظلها
التباري على
السلطة،
لكنها قد لا
ترضي الطرف
المنهزم
بالمحصلة، فيطعن في
النتائج
ويتنكر
للقواعد
المحددة ويرتد
(سيما إذا كان
محتكرا للسلاح)
على مخرجات
العملية جملة
وتفصيلا، أو في أحسن
الأحوال يسلم
بالهزيمة، لكنه يملي
على الطرف
المنتصر رزمانة
شروط تقوض أسس
العملية
برمتها وتنسفها
جهرا وعلانية:
+
فجبهة
الإنقاذ
الإسلامية
بالجزائر
حققت،
في ثمانينات
القرن الماضي، انتصارا
انتخابيا
جارفا كاد أن
يبوئها سبل
النفاذ إلى
مراكز الحكم
والسلطة، لكن خطيئتها
تمثلت في
كونها لم " تبعث
إشارات
طمأنة"
للنفوذ
العسكري
المتجذر ولا
إلى أصحاب
المصالح
المادية
والرمزية
(بالجزائر كما
بفرنسا كما بالولايات
المتحدة كما
بدول الجوار)، فحوصرت
التجربة
ونسفت
مقوماتها، وتم إجهاض
المسلسل
برمته،
لتدخل
الجزائر في
أعقابه حربا
أهلية أتت على
الأخضر
واليابس
ولأكثر من عقد
من الزمن، ولا تزال
تداعياتها
قائمة لم
تندمل لحد الساعة.
هي
حالة حصار
للديموقراطية
نذر مثيلها في
التاريخ حقا، وإلا فما
مسوغ أن يقبل
المرء بحكامة
ثنائية الربح
والخسارة
ويعتمدها
مسلكا
للتداول السلمي
للسلطة،
حتى إذا خسر
الرهان أحل
لنفسه التنكر
لمنطوق
الثنائية
إياها،
واستباح حرية
المنتصرين
وأرواحهم
ليزج بهم في
غياهب السجون، ويزج بشعب
بأكمله في
متاهات مجهول
أفرز مئات
الآلاف من
الضحايا
الأبرياء
بذنب معلوم أو
دونما ذنب
يذكر؟
وهي
حالة حصار
للديموقراطية
أيضا تشي، في عمقها، بأن الذين
راهنوا على
صناديق
الاقتراع
راهنوا عليها
كإجراءت براء
مما قد يترتب
عنها من مخرجات، ولم يراهنوا
على أن
الصناديق
إياها هي
المدخل
الضروري (لكن
غير الكافي)
لبلوغ
الديموقراطية
كثقافة
وكأداة في
الحكم أيضا.
+
وحركة حماس
قبلت
ب"اللعبة
الديموقراطية"
(المتعارف على
آلياتها
عالميا) فدخلت
الانتخابات
طوعا وعلانية، وربحت
رهانها
واعترف لها
خصمها المباشر
بالانتصار، فكونت في
أعقاب ذلك
حكومة شرعية، أدت القسم
أمام
"الرئيس"
وباشرت العمل
بناء على ما ائتمنها
عليه ناخبوها، وباتت من
تاريخه حكومة
فلسطين دونما
أدنى منازع.
لكن
لا أحد
بالعالم قبل
بها، حتى
وإن قبل خصمها
المباشر بذلك
ورضي لنفسه
وضعية المعارضة
لها تماما كما
تجري الأمور
بأعتى
ديموقراطيات
العالم.
لم
تحاصر "حكومة
حماس" (كما
جبهة الإنقاذ
بالجزائر من
ذي قبل) على خلفية
من تزويرها
للانتخابات، ولا لكونها
سيطرت على
السلطة
بانقلاب مسلح، بقدر ما
حوصرت لأنها " لم
تبعث رسائل
طمأنة"
لإسرائيل
(بجهة الاعتراف
بها تحديدا)
ولا للولايات
المتحدة
والغرب عموما، بجهة
التنازل عن
مبدأي
المقاومة
والمطالبة بفلسطين
التاريخية.
لم
يقتصر حصار
حكومة حماس
(المتأتية من
أعتى الآليات
الديموقراطية
المتوافرة
عالميا) لم
يقتصر على مستوى
منع المعونات
عنها وتجميد
أرصدتها والحيلولة
دون بلوغ
التبرعات
والهبات
الخيرية
إليها،
ولا على مستوى
مقاطعة
أعضائها
سياسيا
(بالغرب وعلى
مستوى الدول
العربية أيضا)، ولا على مستوى
دفعها إلى
حالة من العجز
في صرف أجور
موظفيها
الجياع،
بل ذهب الأمر
بإسرائيل
(بمباركة
الغرب... كل
الغرب) إلى
تعمد اختطاف
نواب ووزراء
ومسؤولين
منتخبين ديموقراطيا
بتهمة
الانتماء إلى
"منظمة
إرهابية"، دونما
أدنىاعتبار
للقاعدة
الجماهيرية
الواسعة التي
حملتهم
للسلطة
وارتضتهم
حكاما لها
بالجملة
والتفصيل.
وإذا
كان الغرب قد
وجد في سلوكه
هذا المسوغات والدفوعات
"الموضوعية"
أو بعضا منها، فإن الذي
يتعذر على
المرء فهمه أو
تفهمه حقا، إنما حالة
الحصار
"الجديدة"
التي بدأت
حركة فتح
(وضمنها
الرئيس) تدفع
بها تحت مسوغ
"حكومة الوحدة
الوطنية" أو
تحت طائلة
المطالبة " بانتخابات
سابقة
لأوانها"، على أمل
إسقاط
الحكومة
الحالية
والإتيان بحكومة
"أكثر
واقعية" تضمن
للشعب الخبز
أولا وترفع
عنه الحصار، وتتابع ما
بدأته من
مفاوضات
ولقاءات
ووعود وتطمينات
وما سوى ذلك.
نحن، بهذه الحالة، لسنا فقط
بإزاء حصار
للديموقراطية
لا يتوانى الغرب
في الجهر به
والعمل على
تشديده،
بل وأيضا
بإزاء ارتداد
علني عما
أفرزته العملية
الديموقراطية
من لدن طرف
قبل على مضض بنتائجها، وجاهر
بمحاربة ما
أفرزته،
ولم يتوان مع
الزمن في
المطالبة
بالانقلاب عليها
سرا وعلانية
تحت مسوغات
عدة، لعل
أبرزها مسوغ
"أن لا
ديموقراطية
دونما مقومات
مادية ترفدها
وتترجمتها"...
أي لا
ديموقراطية
دون رغيف خبز يقول
البعض.
نحن
إذن (بحالة
جزائر
ثمانينات
القرن الماضي، كما بإزاء
حالة فلسطين
الراهنة) إنما
بإزاء حصار
حقيقي
للديموقراطية
لم يبلغ في
الحالتين معا
درجة
الانقلاب
المبرح عليها
فحسب،
بل وكذلك درجة
قصوى من
الارتداد
عليها ما دامت
نتائجها غير
آبهة ب"التوازنات
القائمة"، "متنكرة
للواقعية
السياسية"
و"متمردة على
القائم من
واقع الحال".
وإذا
كانت تجربتا
الجزائر
وفلسطين هما
النموذج
الصارخ
لحالات
الانقلاب
والارتداد
على الديموقراطية
دونما وجه حق
أخلاقي يذكر، فإن ثمة
حالات أخرى
عديدة بالوطن
العربي يعتبر
فيها حصار
الديموقراطية
القاعدة/الأساس
لنظم الحكم.
لا
يروم التلميح
هنا نظم الحكم
(القائمة
بالخليج
تحديدا) ذات
الطبيعة
الأبوية
الخالصة أو
ذات النزعة الإقصائية
الواضحة
(للبدون
وللنساء أيضا)، أو الآخذة
ببعض من الأساليب
الديموقراطية
دون غيرها، بقدر ما
نلمح
إلى حالتين
يبدو لنا
الحصار في
ظلهما لينا
وناعما:
+
الحالة
الأولى
وتتمثل في
هيمنة الحزب
الوطني على
الحياة
السياسية
بمصر وتحايله
على القوانين
واللوائح
والتشريعات، ليس فقط
بجهة إقصاء
منافسيه
ومحاصرتهم
بالزوايا
الضيقة (كما
هو الشأن مع
تنظيم
الإخوان المسلمين)، ولكن أيضا
بجانب ضمان
استمرارية
الهيمنة
إياها إلى ما
لا نهاية... وهل
ثمة أفق نهاية
حقا لو اعتمد
التوريث وتكرس، وتحول
الفضاء
السياسي بمصر
إلى مجرد أداة
لتكريس
وشرعنة
وإعادة إنتاج
" ديموقراطية
الحزب
الواحد"؟
هو
حصار للديموقراطية
استباقي يقول
البعض. إذ فتح
سبيل بلوغ
السلطة
لتنظيمات
"غير مضمونة
السلوك"
ومحذر من
"دهائها
السياسي" فضلا
عن ذلك، إنما هو
سلوك استباقي
بامتياز، ميزته أنه مقتنع
بأن بعضا من
الديموقراطية
(حتى وإن كانت
شكلية) أفضل
بكثير وأسلم
من الدخول في
مجهول قد يترتب
عنه (أو هكذا
يزعم) استنبات
حالة الجزائر
أو، ببعض
من أوجه
التشابه، حالة الحصار
على حماس.
+
أما الحالة
الثانية فهي
حالة تعامل
النظام السياسي
المغربي مع
بعض الأحزاب
ذات المرجعية
الإسلامية، والتي
قبلت
ب"اللعبة
الديموقراطية"
وارتضتها
وسيلة لتداول
السلطة على
المستويات
المحلية
والجهوية كما
على المستوى
الوطني العام.
لا
يكمن الحصار، بهذه الحالة، في القوانين
الانتخابية
المقلصة من
إمكانية
"اكتساح" ذات
الأحزاب
للأغلبية
الساحقة (عبر
سيناريو
تحديد حجم
مشاركتها
بانتخابات
العام 2007
وبالتراضي
معها)،
بل وأيضا في
سن قوانين
تقطيعات
انتخابية من
شأنها بلقنة
المشهد
السياسي
لدرجة يتعذر
على المرء معها
معرفة من
سيتحالف مع من
ضد من.
وعلى
الرغم من
خاصية
الاعتدال
(لدرجة الانصياع
أحيانا للأمر
الواقع) التي
تطبع سلوك
الإخوان
المسلمين
بمصر وحزب
العدالة
والتنمية بالمغرب، فإن
النظامين
السياسيين
القائمين
بمصر والمغرب
(مع التجاوز
على الفروقات
القائمة) "لا
يطمئنان لنواياهما"
ولا يأخذان
كثيرا
بوعودهما، ولا يرتكنان
إلى "الخطاب
التطميني
الصادر عنهما"، ليس فقط
كسلوك
احترازي
"مشروع"،
ولكن أيضا
إعمالا
لمبدأي
التدرجية
والواقعية
اللذان يدفع
بهما كلا
النظامين.
قد
تكون
التدرجية
والاعتدال
أمرا محمودا، وقد يكون
التحوط من
الانزلاقات
أمرا واجبا، وقد يكون
السلوك
الاستباقي
أمرا نافعا، لكن كيف
للمرء أن يصدق
ذلك مع نظم
سياسية أدمنت
حصار
الديموقراطية، وفصلت
الثروة
والسلطة على
مقاسها ومقاس
من يأتي بعدها
من أبناء
وحفدة.
يحيى
اليحياوي
الرباط، 9 أكتوبر 2006