فظاعات الجيش الأمريكي بالعراق المحتل

 

لم أكن أستبعد (بالمطلق أو بالتحليل النسبي حتى) أن يعمد الجيش الأمريكي (بمعية ما استقدمه معه من عساكر حليفة) إلى ارتكاب فظاعات بالعراق المحتل، وينكل منذ اليوم الأول بتراثه وحضارته وعلمائه، ويؤجج من بين ظهرانيه النعرات الإثنية والطائفية والدينية ويعتدي على كرامة أهله بالإهانة والاغتيال والسجن وليترك (بسيناريو المحصلة النهائية) عراقا شبه مقسم عمليا، مقطع الأوصال تقريبا، يكاد يشارف على التحول إلى دويلات لن يطول الأمد حتى تلتحق بدويلات الخليج المجهرية فضاء جغرافيا وساكنة وتبعية للأجنبي.     

 

والحقيقة أنه لو سلم المرء تجاوزا بأن الجيش إياه كان محملا بمهمة صارمة ومحددة مؤداها قلب النظام الشرعي لينعم الجنود، فيما بعد أو بموازاته، بورود العراقيات تتناثر عليهم حيثما حلوا وارتحلوا بالعراق، فإنه لن يستطيع التسليم بأن اندلاع المقاومةالعراقية أياما معدودات فقط على سقوط عاصمة الرشيد، قد جعل ذات الجيش " يفقد أعصابه" ويخرج عن منطوق "الرسالة الحضارية في تحرير العراق" التي حملها إياه القائد الأعلى للقوات المسلحة الأمريكية... ويلجأ إلى الأساليب التي فطم عليها وتربى في كنفها واستنفرت لديه الخاصية العدوانية التي طبعت تكوينه وتدريبه وما تلقاه بإعلام يختزل الكون برمته في الأمة الأمريكية، ويختزل  العلاقات بين البشر في جانب العنف الذي يحتكم على فائض كبير منه.

 

وإذا كان من المتعذر لدرجة الاستحالة الاطلاع بالتدقيق على ما قام به الجيش الأمريكي (ولا يزال يقوم به لحد الساعة من فظاعات)، فإن ما " تتكرم" به وسائل الإعلام (بعلم من البنتاغون أو بتواطؤ مضمر معه أو في غفلة منه في القليل النادر) إنما يجعلنا بإزاء جرائم كبرى ضد الإنسانية وجرائم ضد الجنس البشري، ناهيك عن جرائم الحرب التي قيل إن عملياتها الكبرى قد انتهت بسقوط بغداد وتنصيب العملاء الذين زينوا للإدارة الأمريكية السياسة والخط:

 

+ فالمئات من المنازل دمرت من على رؤوس أصحابها (بالطائرات والمدافع) بدعوى إيوائها لعناصر "إرهابية" أو على خلفية من كونها تتستر على مناهضين للاحتلال... ليتم الاعتراف فيما بعد بأن المنطقة قصفت خطآ أو أن "الإرهابيين" غادروا المكان أو أن المعلومات الاستخباراتية لم تكن دقيقة بالدرجة المطلوبة... أوالقول في الغالب الأعم، بأن المنطقة قد "طهرت" تماما منهم... كما طهرت الفلوجة من على سطح الأرض.  

 

+ والمئات من البيوت الآمنة تم دهمها بأنصاف الليالي ليهان في أعقاب ذلك رب الأسرة أمام عائلته ويقيد وينكل به أمام زوجته وأبنائه أو يقاد معصوب العينين، مقيد اليدين إلى السجن أو إلى جهات مجهولة ليعود بعد مدة لأهله ودويه جسدا وروحا(مكسر الجناح، مدمر النفسية) أو يعود لهم جسدا دون روح أو يقيد، فيما بين هذه أو تلك، بسجلات المشرحة تحت رقم " يمنحه" صفة مجهول الهوية الواسعة الانتشار وليدفن بمقابر جماعية صممت لذات الغرض بكل محافظات العراق.

 

+ والمئات من السجناء بمعتقلات الاحتلال كما بسجون الداخلية (والتي لا يعبر أبو غريب إلا عن مظهرها المموسط إعلاميا) أهينوا في رجولتهم قبل كرامتهم ودفع بهم، تحت الإكراه النفسي والجسدي، للخروج عن آدميتهم وركوب سلوك تتقزز منه الطبيعة البشرية وتستهجنه الأخلاق والأديان ونواميس الخلق (من قبيل جعل معتقل يعذب معتقلا أو يستبيح رجولته أو تكويم المعتقلين أو تشبيك أجسادهم بخيوط الكهرباء أو ما سوى ذلك).

 

+ والمئات من النساء انتهكت أعراضهن أمام أزواجهن وبمرآى من أولادهن في بعض الأحيان أو بالسجون حيث خرجت العديدات منهن (من أبو غريب ومن غيره) وهن حاملات لأجنة في أحشائهن أو مبتوري البكارة أو بعقد نفسية يستعصي على عالم النفس فكها إذا لم يفكها سبيل الانتحار أو قتلهن من لدن العائلة لغسل العار (تدل الإحصاءات أنه منذ احتلال العراق يختطف أسبوعيا ما بين 10 إلى 15 امرأة في حين كانت النساء تتجول في عهد الرئيس صدام حسين حتى الفجر دون خوف).

 

+ والمئات منهن تتم معاكستهن بالشارع العام (لو بقي ثمة بالعراق شارع عام) حتى إذا لم تستسلمن وتظلمن من ذلك لدى أهلهن تمت مباغتتهن بأنصاف الليالي لتغتصبن وتقتلن رفقة أهلهن (كما كان الحال مع عبير قاسم) وتكاد النار تضرم في أجسادهن بعدما تغتصب الأجساد ثانية والروح أضحت بين يدي باريها.

 

ليس ثمة ما يدعو للشفاعة حقا على ما قام به الجيش الأمريكي بالعراق (وميليشيا الطوائف من بين ظهرانيه أيضا) وعلى ما ثوى خلفه من اغتيال للعراقيين بدم بارد والتنكيل بهم وبأزواجهم وأبنائهم وإلحاق شتى أصناف الإهانات بهم... ناهيك عن جرم استصدار استقلال بلدهم وتنصيب العملاء "من أبناء طينتهم" استبسلوا (حكومة وأحزابا وطوائفا) في غض الطرف عن ذلك أو تجاهله أو "الدعوة إلى عدم تضخيمه" أو اعتبار كل ذلك (جملة وتفصيلا) " ثمنا عاديا للتحرير والتخليص من الديكتاتورية" ... إنه "الاغتصاب الديموقراطي" بكل تلاوينه، يقول الكاتب وليام بود.   

 

وإذا كنا نعتقد جازمين أن ما يصلنا من فظائع يقوم بها الجيش الأمريكي بالعراق إنما هي غيض من فيض، فإننا نعتقد بالجزم أيضا أن الفظائع إياها هي جزء من استراتيجية ومن ثقافة عسكرية وليست، بأي حال من الأحوال، أعمالا فردية أو عرضية أو شاذة عن السياق:

 

°- فالفظاعات إياها باتت بحكم عنصر التشابه، القاعدة وليست الاستثناء إذ طرق المداهمات الليلية وأساليب الإهانة ووسائل الترهيب (بالكلاب وبأسلاك الكهرباءوبغيرها) هي متماثلة بين السجون والمعتقلات لدرجة لا يستطيع المرء إلا القطع بأنها ملقنة ومعتمدة ومرخص بها من لدن القادة الكبار... وإلا فكيف يتجرأ جندي ما (بكتيبة أو بفرقة أو بما سواهما) على عصيان إجراءات مؤسسة كالمؤسسة العسكرية خاصيتها الأساس (بل سر استمراريتها) الانضباط وطاعة الأوامر حتى وإن كانت مجانبة للقناعات الشخصية؟

 

°- والفظاعات إياها حزء من ثقافة عامة جوهرها العنف والترهيب واستبعاد كل سبل الرحمة في ميدان ينطلق فيه الجندي من مسلمة أنه "يا قاتل يا مقتول".

 

قد لا يهم اعتراف رامسفيلد بأنه رخص باستعمال الكلاب من باب التخويف بغرض الحصول على معلومات، لكنه من المهم بهذه النقطة ملاحظة أن سلوك الجيش الأمريكي بالعراق هو ذاته بأفغانستان كما بغوانتنامو كما بالصومال من ذي قبل كما بفيتنام من حوالي أربعة عقود.

 

تماثل الأسلوب وتشابه الأداة يؤكد حتما أن الأمر خلفه دونما شك استراتيجية (بل قل إيديولوجيا ثابتة) اعتمدت على مستوى عال ولا يقوم الجنود إلا على تصريفها بالوقائع على الأرض بالعراق كما بغيره من مستعمرات أمريكاالجديدة.

 

°- وحتى لو سلم المرء بأن الفظاعات إياها إنما هي نتاج أعمال فردية، لا تؤسس للقاعدة العامة (قاعدة الانضباط العسكري) ولا "لأخلاق الجندي الأمريكي"، فإن تاريخ الاستعمار (وتاريخ هذا الجندي تحديدا) يبين أن ذات الفظاعات كانت ترتكب وفق منظور إذا لم يكن حربيا مباشرا، فلغاية الضغط النفسي الممارس على الخصم حتى تتهاوى نفسيته ويقترب من وضع الحيوان.

 

ألم يدمرالجنود الأمريكان العديد من القرى بفيتنام انتقاما لمقتل زميل لهم أو  جراء تدمير عربتهم أو تستر هذه القرية أو تلك على مقاومين؟ ألم يكن الرئيس أندرو جاكسون من عشاق التنكيل والتمثيل بالجثث لدرجة أنه كان يأمر (لمتعته الخاصة) بحساب عدد قتلاه  من الهنود بإحصاء أنوفهم المجدوعة وآذانهم المصلومة... وأبى إلا أن يحضر التمثيل بجثث 800 من الهنود الحمر من الرجال والأطفال والنساء في طقوس احتفالية تماما كما احتفل ستيفين غرين باغتصاب عبير قاسم (بالمحمودية في مارس الماضي) حية ثم ميتة وكان على أهبة إضرام النار في جسدها لإخفاء فظاعته وفظاعة المؤسسة العسكرية التي ينتمي إليها وفظاعة قائده الأعلى وفظاعة هذا الزمن الأمريكي الشاذ.

 

عن أي تحقيق يحدثونا بعد كل ذلك؟ أليس زملاء ستيفن غرين واشباهه هم من يقومون به ويشرفون عليه؟ كيف القصاص من هؤلاء وهم في نظر قادتهم (وعملائهم "بالعراق الجديد") "محررين" وفي "مهمة حضارية" كل شيء يهون بوجه تحقيقها؟

 

لو أجاز المرء ذلك بالمنطوق الأمريكي الصرف، فكيف يجيزه على لسان"مثقفي العراق الجديد"؟

لقد بلغنا حقا ما تنبأ به غسان كنفاني حينما قال: إنه سيأتي زمن تغدو الخيانة بموجبه وفي أجوائه رأيا...

 

يحيى اليحياوي

الرباط، 10 يوليوز 2006