يحيى اليحياوي
والواقع أن المفارقة في هذا لا تكمن في طبيعة المغالطات تلك وأنصاف الحقائق هاته أو في خلفيات الدافع بها ولا في مسوغاته في ذلك حتى، بل وتكمن أساسا في الوتيرة التي انتقلت وتنتقل بها هذه المغالطات وأنصاف الحقائق بالمنتديات العالمية والإقليمية الكبرى كما بقنوات البث التلفزي العابر للقارات كما بالشبكات الألكترونية كما بالمجلات والصحف، الملموس منها كما المقتني لذات الشبكات سواء بسواء.
لن يقل عن ذلك مفارقة الاعتقاد (اعتقادنا الخاص على الأقل) بأن المنتديات هاته كما القنوات الفضائية تلك كما الشبكات كما غيرها، لم تختلق ذات المغالطات بقدر ما أسهمت في تبريرها، في التأسيس لها وفي إشاعتها على نطاق أوسع...أضحت بحكم التكرار وقوة الكلمة والصورة ولكأنها حقائق لا مجال للمزايدة بشأنها أو الطعن في مضمونها أو في "صدقية ومصداقية" منتجيها أوالعاملين على ترويجها شكلا وفي الجوهر.
ولئن كان جزء من هذه المغالطات وأنصاف الحقائق يحظى ببعض من "التبني" ويستجلب له " شرعية أممية" من نوع ما بهذا المنتدى أو ذاك دونما اختلاف كبير (كما كان الشأن عندما ضم العراق الكويت)، فإن الجزء الآخر (كما في حالة العدوان الحالي على العراق) لا يحتكم على الحد الأدنى من الشرعية ولم يستوجب الاصطفاف الأممي المرغوب فيه، اصطفافه المطلق أواسط يناير 1991.
والفارق بين الحالتين لا يتمثل في الدرجة أو في مستوى التأييد الذي تسنى للولايات المتحدة إبانه وهي، في الحالة الأولى كما في الثانية، طليعة العدوانين معا دونما جدال، بل وأيضا في اصطفاف معظم دول العالم وراءها " لتحرير الكويت" دونما تحفظ أو استنكار يذكران، في حين أن الموقف في العدوان الحالي تعدى التحفظ ليبلغ مستويات متقدمة من التنديد والاستنكار.
لكن الجامع بينهما في المقابل إنما يتمثل في مستوى ودرجة الاصطفاف الذي سجل على "المؤسسة الإعلامية" التي ارتهنت مقوماتها وأدواتها ومصداقيتها دونما حدود أو متاريس مهنية تذكر في الحالة الأولى كما في الثانية.
هناك، فيما نعتقد، خمس مغالطات كبرى لطالما رددها الرسميون بشأن العراق وأشاعها الإعلام بكل مكوناته (عن دراية أو دونما تدقيق في خلفياتها) قبل العدوان الحالي ودونما أن يكون شنه واردا من عشر سنوات خلت أو أكثر:
+ الأولى وتتعلق بمسألة ضم الكويت ذاتها من لدن العراق أوائل تسعينات القرن الماضي ومسألة شرعية ذات الضم لدولة مستقلة، قائمة، عضوة بالجامعة العربية كما بالمؤتمر الإسلامي كما بالأمم المتحدة كما بغيرها.
لا أستطيع التسليم بأن دخول العراق للكويت وتحويلها إلى محافظة من محافظاته قد تأتى بسبب اعتقاد ما من لدن العراقيين بأن ذات الدولة كانت، إلى حين عهد ليس بالبعيد، جزءا من بلادهم فصلها الاستعمار عنهم دونما مسوغ أو موجب حق، بقدر ما أعتقد أنه كانت نتيجة سلوك من لدن الكويت (بشأن آبار للنفط بالحدود تحديدا) لطالما حذر منه العراق ولمح لمخاطره وتبعاته تحت مسوغة " قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق".
لم يكن المطلوب في حينه (من لدن الولايات المتحدة بالتحديد) التدقيق في ذات المسوغة أو التعامل مع حالة الضم كنتيجة لسلوك لا كسبب، بقدر ما تم الترويج إبانه (من لدن الساسة كما من لدن الآلة الإعلامية) بأن ما تم إنما هو، بكل المقاييس، غزو واحتلال لا مجال بشأنه لإعمال مبدأ التفكير، بل بتفعيل الصناعة العسكرية المتلهفة للحروب المباحة دونما حاجة للجوء لسبل أخرى قد تستهلك المال والوقت قبل أن يتم لها افتعال النزاعات.
بالتالي فالمغالطة الأصل، في كل ما جرى بداية تسعينات القرن الماضي وما يجري منذ العشرين من مارس، إنما هي من اعتبار دخول العراق للكويت سببا في السلوك العراقي في حين أن الصائب، فيما نعتقد، إنما هو اعتباره كنتيجة لسلوك من الكويت ثابت وموثق.
+ المغالطة الثانية وتتراءى لنا كامنة في الاعتبار الرائج بأن النظام القائم بالعراق إنما هو "نظام قهر واستبداد" لطالما استشهد العالم بما فعله بجزء من شعبه إثر ضربه لمواطنية الأكراد بالأسلحة الكيماوية تحديدا واستثناءهم من مجمل اشكال الديموقراطية والتنمية وغيرها... كما يشاع.
هي مغالطة كبيرة، فيما نتصور، ليس فقط لأن تركيا مثلا أبادت من الأكراد (بعدما أهانتهم ولا تزال ...ودونما رد فعل دولي أو إشارة بالأصبع حتى من لدن معظم دول العالم)، أبادت منهم عشرات ما فعله النظام القائم بالعراق، ولكن أيضا لأنهم لم ولا يفتأوا الطعن في انتمائهم للعراق زمن السلم كما زمن الحرب أتوفرت لديهم في ذلك المسوغات أم لم تتوفر.
لو تسنى للمرء جدلا التسليم بمشروعية قضيتهم، نسبيا كما في المطلق، فكيف له أن يسلم ب "مشروعية" سلوكهم منذ عدوان العشرين من مارس عندما اصطفوا (ولا يزالوا) خلف الجنود الأنجلوأمريكيين لضرب مواطنيهم بهذه البلدة أو تلك...بهذه المدينة أو تلك؟ إذا لم يكن الكيماوي كافيا في حق سلوك كهذا في زمن يضرب فيه العراق جسدا وحضارة فبأي السبل يمكن "إعادتهم للصواب"؟
+ المغالطة الثالثة وتكمن في القول بأن علمانية النظام القائم لم " تتنكر" فقط لمستوى التدين المرتفع بالعراق، بل وحالت والعديد من الجماعات الدينية دونها ودون حقها في الممارسة السياسية...وهو قول يصدر من إيران كما من السعودية كما من غيرها.
وهو قول مردود بكل المقاييس إذ علمانية النظام لم تمنع التعددية الدينية ولا حالت دون ممارسة هذه الفئة أو تلك لطقوسها دونما إجبار أو إكراه.
لا يستطيع نظام سياسي ما (بالعراق كما بغيره) أن يمنع ممارسة الناس لطقوسهم الدينية أواعتمادهم لها كمرجعية لسلوكهم السياسي إذا لم يكن في العلن فضمنا بالتأكيد.
لم يكن العراق يوما وتحت أي نظام قائم، مكمن صراع بين الفرق الدينية بل سلم بذات التعددية، بنى عليها وشرعن.
بالتالي فالعلمانية ليست عيبا في حد ذاتها، بل قد تكون تقييما للعمل السياسي على خلفية من الدين...ما القول في تركيا إذا كان ما سبق من كلام خطأ؟
+ المغالطة الرابعة وتتمثل فيما راج ويروج حول امتلاك العراق لشتى أصناف أسلحة الدمار الشامل، الكيماوي منه كما البيولوجي كما النووي.
لئن تسنى للعراق أن ينفي في حينه عدم امتلاكه ذات الأسلحة وعدم تمكن فرق الإنموفيك ووكالة الطاقة الدولية من إثبات امتلاك العراق لها...فإن العدوان قد شن عليه على خلفية بل على أساس من " براهين" تدينه . بالتالي، وجب التدخل ل" تدميرها وتدمير البنية التحتية التي تقوم على إنتاجها".
ولئن تعذر على المرء إنكار حق العراق في امتلاك ذات الأسلحة (شأنه في ذلك شأن غالبية دول العالم حتى المتخلف منها)، فإنه لن يتعذر عليه التصديق بصدق نية اعتراف العراق بعدم امتلاكه لها سيما بعد اعتراف لجن دولية ذات مصداقية بذلك.
هي مغالطة دونها السقوط في اللامعقول، لكنها كانت الأرضية التي على أساسها شن العدوان لإسقاط نظام لم تعد الولايات المتحدة تستلطفه سواء امتلك ذات الأسلحة أم كان براء منها.
+ المغالطة الخامسة وتكمن، قبل شن العدوان أساسا كما في بداياته الأولى، في الاعتقاد بأن الجيش العراقي سيستسلم لمجرد وصول قوات التحالف الأنجلوأمريكي وبأن الشعب العراقي سيستقبل ذات التحالف بالورود والترحاب والزغاريد.
وهي مغالطة استراتيجية كبرى لم تستحظر طبيعة الشعب العراقي (وتذمره من كل أشكال الاحتلال) بل ولم تعر أدنى حساب لوطنية هذا الجيش وتمترسه الموضوعي للدفاع عن العراق كائن ما يكن القائم على هرم السلطة...الرئيس الحالي ام سواه.
بالتالي، فهذه المغالطة لم تتحطم على أرض الواقع فحسب، بل تحطمت خلفياتها على حائط التلاحم الأسطوري الذي جمع رأس الدولة بالجيش، بالعشائر، بالاستشهاديين، ببسطاء الشعب في وجه قوات تدعي " تحرير العراق" وضمان الغذاء والدواء لشعبه...وهي في كل ذلك براء بل قل إن قصفها للأبرياء يفضح ذات "الرسالة" ويعريها.
لو كان لنا أن نختزل أضداد هذه المغالطات لاستخراج العبر الكبرى لوقفنا تحديدا عند ثلاث منها تبدو لنا أساسية:
+ الأولى، أنه ليس من المغالطة فقط أن يبني تحالف قوي كالتحالف الأنجلوأمريكي استراتيجيته على أحكام القيمة السائدة أو على خلفية من الاستهتار بالجهة المعادية: فالعراق ليس جمهورية موز أو دولة مصطنعة، هو عمق تاريخي بكل المقاييس لحضارات لربما ولت لكن تراثها ومعالمها لاتزال قائمة...بالتالي، فشعب من هذه الطينة لا يرفض الاحتلال فحسب، بل يرى في محاربته وسيلة لاسترجاع حضارته ومجده..وهذا ما لا يمكن لدولة كالولايات المتحدة تعدم لديها الخلفية الحضارية حتى في قوتها الحالية...لا يمكنها أن تدركه.
+ الثانية: ليس من المغالطة فحسب، إطباق الحصار على أمة كالعراق خبرت الحرب والحصار...بغرض إركاعها، بل المغالطة الفظة حقا هي أن يطلب مما تعتبره زعيمها وقائدها "أن يقوم بنفي نفسه وأفراد من عائلته" وإلا فدونه ودون ذلك الخراب والدمار...إذا لم يكن لسلفادور أليندي أن يستسلم سنة 1973 لطغمة من العسكر متمردة تحاصره بعدما ضمنت له نفيا بالخارج، فكيف لرئيس أن ينفي نفسه بنفسه؟...لو كان لذلك أن يتم فالإهانة لن تطال الشخص في حد ذاته، بل ستطال حتما كل العراقيين مشايخا وقبائلا وعشائرا...
+ الثالثة: قدلا يكون من المغالطة في شيء أن يأتمر الجندي (الأمريكي كما الإنجليزي كما غيرهما) بأوامر رئيسه فيقبل أن يزج به في أتون الحروب والمعارك...لكنه من المغالطة الحق أن يدفع به إلى العراق تحت مسوغة " تحريره" ليجد نفسه ممرغا في الوحل، مورطا حتى الرقبة في المستنقع ووجها لوجه مع الردى دونما قدرة لديه على المواجهة ولا سبيل له في التراجع...
إنه نتاج مغالطات كبرى قد يدفع بموجبها حياته دونما أن يدري وإذا تسنت له النجاة والخروج من هذا المستنقع فإن " لعنة العراق" ستطارده حتما في الحل كما في الترحال.