في إيديولوجيا الاتصال

 

يحيى اليحياوي

 

 

1- كلما كان هناك اتصال فثمة حتما إيديولوجيا، إذا لم تكن جلية واضحة فضمنية مبطنة بالقطع.

والحقيقة أن الاتصال (تقنيات ومضامينا) لا يستنبت في بيئة جرداء أو في فضاء عقيم، بقدر ما هو إفراز لسياق ثقافي واجتماعي منبني بالضرورة، في شكله كما في الجوهر، على تمثل محدد للذات وتصور معين للكون.

 

وإذا كان من المسلم به، في تاريخ تقنيات الاتصال تحديدا، أن الأداة تبقى في الغالب الأعم وإلى حد بعيد براء من الاستخدام الذي يترتب عن استعمالها، فإنه من الثابت أيضا (وفق ما تقدمه سوسيولوجيا الاتصال) أنها تبقى، حين وضعها على المحك، مكمن حمولة رمزية تبني لما نسميه بهذا النص " إيديولوجيا الاتصال".

 

والإيديولوجيا التي نقصدها في هذا المقام ليست فقط لصيقة بالاتصال، ملازمة له على مستوى المضامين (مضامين الرسالة التي تطبع علاقة الباث بالمتلقي)، بل هي كامنة أيضا في البعد "الأدواتي" الذي يطبع ذات العلاقة ويؤسس لمرتكزاتها الأساسية.

 

ولئن كانت الخلفية الإيديولوجية لما يسمى ب " ثقافة البديهة" (وفي صلبها تقنيات الاتصالات والمعلوميات) غير جلية للوهلة الأولى، فإنها واضحة وطاغية بداخل التقنيات البانية لما يسمى ب" ثقافة التبرير" أي "ثقافة" التلفزة والسينما والإشهار وغيرها.

 

والفارق هنا بين "الثقافتين" لا يتمثل إطلاقا في الطبيعة (طبيعة الحمولة الإيديولوجية لكليهما) بقدر ما يكمن في الدرجة وحدة التجلي.

 

ومعنى هذا أنه إذا كان الجانب الأدواتي (قياسا إلى المضامين الممررة) هو السائد المتسيد  لدرجة الهيمنة بعالم الاتصالات كما بميدان المعلوميات، فإن ذات الجانب (الأدواتي أعني) لا اعتبار له كبير بالتلفزة كما بالسينما كما بالإشهار حيث تطغى المضامين وتغدو التقنيات حاملا للرسالة المبثوتة ليس إلا.

 

ومعناه تحديدا أنه لو كانت البنية والشبكة هي المحدد للاتصال في الحالة الأولى، فإن البنية تلك والشبكة هاته لا تخلقان الرسالة أو تصوغانها (على خلفية من الإيديولوجيا محددة) بقدر ما تضمن لها التجلي وتفتح لها في المجال للسريان.

 

2- لو كان لنا أن "نستخرج" البعد الإيديولوجي (لا الخلفية الإيديولوجية التي تحدثنا فيها في أكثر ما من مرة) الكامن خلف الاتصال، المميز له، لاستوقفتنا أربعة معطيات تبين لذات البعد على مستوى الأدوات كما على مستوى المضامين:

 

+  المعطى الأول، المبين للتوجه المستمر لإيديولوجيا الاتصال بجهة التكريس، ويتمثل في الطغيان المتزايد للاتصال على الخبر (على المعلومة أعني) لدرجة يعتقد البعض معها أن الأول  يذهب إلى حد تغافل الثاني قد يبلغ في ذلك مستوى الوأد التدريجي.

 

لا يروم التلميح هنا إلى طغيان الأداة على المضمون (سيما على ضوء ثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعلوميات) بل وأيضا إلى "هوس" الاتصال الذي أضحى ولكأنه ميزة "مجتمعات ما بعد الحداثة" بامتياز.

 

بالتالي، فلم تعد قيمة التواصل (حيث الحميمية والتفاعل) هي المقياس، بل غدا الاتصال (من أجل الاتصال نهاية المطاف) ولكأنه شرطا من شروط "الانخراط" في المجتمعات إياها.

 

وعلى هذا الأساس، فإذا كان للإيديولوجيا أن تتسيد على خلفية من تسيد الأدوات (الاتصالاتية والمعلوماتية) فهي (أي الإيديولوجيا) لا تطال المحتويات إلا بدرجات أقل على اعتبار "المحدد الأدواتي" الطاغي بهذا الباب.

 

+ أما المعطى الثاني فيكمن، فيما نتصور، في الطابع التوحيدي الذي تدفع به إيديولوجيا الاتصال وتجعل الأفراد والمجتمعات بموجبه "كتلة موحدة" منصهرة (أو يراد لها أن تنصهر) في فكر واحد وثقافة واحدة ونموذج للتمثل واحد.

 

لا تتغيأ إيديولوجيا الاتصال، وفق هذا التصور، خلق "إنسان واحد" بمواصفات واحدة فحسب، بل وتجنح (في تعذر ذلك) إلى استنبات مبادئ و "قيم" من ذات النموذج (الليبيرالي أساسا منذ مدة) بغرض خلق ثقافة للتوافق والتراضي تضمن لذات الفكر الانسياب بعدما تكن قد ضمنت له الأرضية والفضاء.

 

وإذا كانت " ثقافة التبرير" ( " ثقافة" التلفزة والسينما والإشهار بالأساس) هي المهيمنة في هذا السياق، فلأن لها القوة (والنجاعة فضلا عن ذلك)  لموسطة العلاقات الاجتماعية وصياغة الإحساس الجماعي بأنه إذا لم يكن موحدا (كما في حالة الإشهار) فهو حتما غير متباين بالحدة التي تدفع بها " نظريات الطبقات" (الممتطية للتلفزة وإلى حد ما للسينما).

 

بالتالي، فتموقع إيديولوجيا الاتصال بين الجماعة وواقعها لا يعطي السلطة المتحكمة إمكانية صياغة الأحداث صياغة واحدة فحسب، بل ويمنحها سبل تحويل ذات الصورة إلى حقيقة لا تقبل الطعن أو المزايدة أو التشكيك.

 

+ المعطى الثالث، المبين للبعد الإيديولوجي في الاتصال القائم، ويتمثل في الطابع الكلياني الذي يصطبغ به الاتصال زمن "انتصار" الليبيرالية واقتصاد السوق بمركز العالم كما بهوامشه.

 

ومعنى هذا أن الاتصال والسوق، على الأقل منذ نهاية القرن الماضي، أصبحا "وحدتان" مترادفتان إذا لم يكن في آليات الاشتغال فبالتأكيد على خلفية من طبيعة الفاعلين بداخلهما.

 

ومعناه أيضا أنه،  في ظل طغيان السوق وهيمنة المنطق التقنوعلمي، فإن الاتصال لم يعد محكوما إلا باعتبارات حرية التعبير التجارية حيث تضحو الآلة كما المضامين المبثوتة عبرها حاجات اقتصادية خالصة لا رغبات نفسية تتغيأ التواصل كتفاعل اجتماعي وثقافي.

 

بالتالي، فنظام الاقتصاد الحر، ككل الديكتاتوريات، إنما يجنح باستمرار بجهة توظيف الأداة (والمضامين سواء بسواء) لتمرير العنف الرمزي الكامن بإيديولوجيا الاتصال بما هي جزء ورافد من روافد إيديولوجيا الليبيرالية المهيمنة منذ عقدين من الزمن أو أكثر.

 

+ المعطى الرابع ويخال لنا كامنا، من لدن إيديولوجيا الاتصال،  في اعتبار هذا الأخير سبيلا (ولربما السبيل الأوحد) للتطور الاجتماعي سيان في ذلك طبيعة المجتمع المراد إقامته وطبيعة الجماعة المطلوب صياغتها.

 

ولئن كنا، بهذه النقطة بالذات، لا ننكر جدلية العلاقة القائمة بين الاتصال (أدوات ومضامينا) أو نستبعدها حتى، فإنه من المتعذر على الأقل من جانبنا، التسليم بعمودية ذات العلاقة وائتمان النتائج المترتبة عنها فيما يخص مبدأ التطور الاجتماعي.

 

واعتراضنا على ذلك إنما يكمن في انتفاء "المحدد الأدواتي" الصرف في صياغة وجهة التنمية أو التطور الاجتماعي بوجه عام حتى وإن كان محددا ضمن محددات مركزية أخرى.

 

وتبريرنا لذلك إنما القول بأن الاتصال (سواء اعتمدناه كتقنيات أم غلبنا بعد المضامين ضمنه) لا يسري في التطور الاجتماعي في غفلة عن تباين الظروف الموضوعية واختلاف مستويات ذات التطور داخل الفضاء الواحد وبين الفضاءات... وهو ما تستبعده الإيديولوجيا عموما وتنفيه لدرجة الإلغاء.

 

3-  إلا أن التساؤل يبقى مع ذلك مطروحا وضاغطا: فلو كان كل ما أوردناه من معطيات  إنما هو  مجرد مسلمات قائمة لم نعمل فيما قدمناه إلا على إعادة طرحها، فهل يصح الاعتقاد بأننا حتما بإزاء "إيديولوجيا جديدة" (إيديولوجيا الاتصال أعني) لها منظومتها وتصورها القائمين أم ترانا لا نغدو غير كوننا بإزاء رافد من روافد السياق الإيديولوجي العام الذي استنبته نظام اقتصاد السوق الحر وعملت (الإيديولوجيا) الليبيرالية على إشاعته وتعميمه؟

 

ليس ثمة شك، في تقديرنا، في أننا حقا بإزاء طغيان للاتصال (تقنيات وبرامجا، أدوات ومضامينا، بنى تحتية ومعارفا...) وأننا قطعا بهذا الطغيان بإزاء إيديولوجيا تتغيأ توحيد الأفراد والجماعات ونفي التباين ضمنهم جملة وتفصيلا، وأننا، فضلا عن كل هذا وذاك، بإزاء توجه للليبيرالية الجديدة بجهة فرض نموذج موحد في الثقافة والفكر يعتبر الاتصال، حالا واستقبالا، أداتها ووسيلتها بامتياز.

 

إذ بقدر إدغام الإيديولوجيا الليبيرالية لإيديولوجيا الاتصال وتحويلها إلى عنصر من عناصر تكريسها، بقدر إدماجها لذات العناصر بغرض تجديدها وتجديد ينابيع التأقلم بصلبها...بالتالي، فليست إيديولوجيا الاتصال من هنا إلا رافدا من روافد الإيديولوجيات السائدة وفي مقدمتها الإيديولوجيا الليبيرالية.

 

إذا لم يكن الأمر كذلك، فبم تفسير إخضاع أدوات الاتصال والمضامين الممررة عبرها لمؤسسات ترفع السوق والليبيرالية لمرتبة القداسة كما هو الحال بمنظمة التجارة العالمية كما بالعديد من المنظمات الناسجة على منوالها؟

 

جريدة العلم، 5 يناير 2002.