"إيديولوجيا الإعلام"

 

محمد بن سعود البشر, دار غيناء للنشر, الرياض, 2008, 67 ص.

 

 

1- بمقدمة الكتاب, يرد المؤلف تزايد الاهتمام بموضوع الإيديولوجيا في الدراسات الإعلامية الحديثة, إلى عاملين اثنين:

 

+ الأول, "أن الرسالة الإعلامية باتت متغيرا هاما في صياغة وعي الجمهور ومواقفهم, اتجاه القضايا التي تعرضها وسائل الإعلام بكرة وعشية", سيما بظل التطور الهائل في تقنيات وسائل الإعلام.

 

+ العامل الثاني, ويتمثل في "إدراك القائمين على الوسيلة الإعلامية وصانعي رسالتها, لهذا الاعتماد الكبير من الجمهور على الإعلام, وتأثيره في وعيهم ومعارفهم ومواقفهم واتجاهاتهم, وقدرته على صياغة الرأي العام, بالطريقة التي يريدها القائم بالاتصال. فكان الاهتمام بإيديولوجيا الرسالة الإعلامية, وما تحمله من عقائد وأفكار, في صدارة أولويات الوسائل الإعلامية, وبخاصة في المجالين الفكري والسياسي".

 

إن المقصود بإيديولوجيا الإعلام, يقول المؤلف, إنما "الأفكار أو المرجعيات الثقافية والحضارية, المتجسدة في الرسالة الإعلامية التي تنقلها وسائل الإعلام".

 

2- بالفصل الأول ("مفهوم الإيديولوجيا: المفهوم العام للإيديولوجيا ومفهوم الإيديولوجيا الإعلامية") يحدد الكاتب الإيديولوجيا انطلاقا من تعريف بيكر لها, باعتبارها "مجموعة من المرجعيات, تتكون من محددات قيمية متداخلة, تساعدنا في تحديد رؤيتنا إلى العالم, والتكيف معه".

 

ويحددها أيضا بالرجوع إلى تعريف هول: "الإيديولوجيا هي المرجعيات الذهنية, مثل الأفكار واللغة والمفاهيم, التي تعمل وفقها جماعات معينة في المجتمع, وتؤثر في رؤية الجماعات, أثناء حراكها المجتمعي".

 

بالتالي, يؤكد الكاتب, فإن الإيديولوجيا إنما "هي مرجعيات ذهنية, تتكون من مجموعة أفكار ومفاهيم يؤمن بها الفرد, ويترجمها إلى سلوك في واقعه الاجتماعي".

 

ليست الإيديولوجيا نوع واحد, يلاحظ الكاتب, بل هي أنواع, من بين أضلعها الديني والسياسي والاجتماعي وما سواها, إلا أن كل فكرة "أيا كان نوعها, تؤثر في رؤية الفرد أو الجماعة, وينتج عنها سلوك يتوافق معها, فهي نوع من الإيديولوجيا".

 

أما عن مفهوم الإيديولوجيا الإعلامية, فيستشهد الكاتب بالباحث يحيى اليحياوي, الذي يعتبر أنه "كلما كان هناك اتصال, فثمة حتما إيديولوجيا. هذه الإيديولوجيا إذا لم تكن جلية وواضحة, فإنها تكون خفية" في الرسالة الاتصالية.

 

ويتابع الكاتب سرده للباحث المغربي: "فالاتصال, تقنيات ومضامين, لا يستنبت في بيئة جرداء أو فضاء عقيم, بقدر ما هو إفراز لسياق ثقافي واجتماعي, مبني في شكله ومعناه, على تمثل محددات الذات, وتصورات معينة للكون والحياة".

 

بالتالي, فإن إيديولوجيا الإعلام إنما هي "نظام من الأفكار, يعبر عنه من خلال العملية الاتصالية, التي تشغل القائم بالاتصال, طريقة استخدامه للنص أو اللغة أو الصورة (الساكنة أو المتحركة), التي تنقلها الوسيلة الإعلامية, المطبوعة أو المسموعة أو المرئية".

 

3- بالفصل الثالث ("أنواع الإيديولوجيا: الإيديولوجيا المهيمنة, إيديولوجيا النخبة, الإيديولوجيا الإعلامية") يحدد المؤلف الإيديولوجيا المهيمنة, في تلك التي تشير إلى "الأفكار والرؤى, التي تمثل قائما مشتركا بين الأكثرية في مجتمع معين, مثل الإسلام والليبيرالية والاشتراكية والمادية الإلحادية وغيرها...".

 

أما إيديولوجيا النخبة, فهي "الإيديولوجيات أو التوجهات السياسية, ذات العلاقة بالحكومة أو السلطة, في زمن معين... وفي كثير من الحالات, يكون هذا النوع متفقا مع الإيديولوجيا المهيمنة (إيديولوجيا المجتمع)", لكنها مختلفة معها بالمجتمعات الإسلامية, حيث الإسلام هو السائد.

 

ويلاحظ المؤلف أنه عندما تختلف إيديولوجيا النخبة عن الإيديولوجيا المهيمنة, فإن إيديولوجيا النخبة يكون لها الانتشار والتأثير المباشر, على عمل وسائل الإعلام".

 

أما الإيديولوجيا الإعلامية فتعني, بنظر الكاتب, "المحددات المرجعية, التي تؤثر في عمل القائم بالاتصال, وعادة ما يكون هذا النوع من الإيديولوجيا معززا لإيديولوجيا النخبة".

 

ويلاحظ الكاتب أيضا, أن الممارسة الإعلامية إنما هي "نتاج رؤية إيديولوجية...تتجسد صورتها في المنتج الإعلامي, عبر وسائل الإعلام المختلفة". القائم بالاتصال هنا, إنما هو مروج بهذا الشكل أو ذاك, لرؤية إيديولوجية ما, قد تكون مرجعيتها ثقافية أو اجتماعية أو دينية أو سياسية, أو مبنية على موقف شخصي.

 

بالتالي, يقول المؤلف, فإن الرسائل الإعلامية إنما هي "نتاج رؤى وإيديولوجيات, ينطلق منها القائم بالاتصال, أو المؤسسات الإعلامية, أو كلاهما معا". القائم بالاتصال هنا إنما يحدد ما ينشر وما لا ينشر, وفقا لمحددات القيمة المهنية والسائدة في المجتمع, وفي هذه الحالة, فإن "وسائل الإعلام تقوم بوظيفة تعزيز الإيديولوجيا السائدة في المجتمع".

 

4- بالفصل الرابع ("أنواع الإيديولوجيا") يقف الكاتب بالتفصيل عند أربعة أنواع منها:

 

+ إيديولوجيا النص الإعلامي, والذي وأيا يكن نوع الوسيلة التي تنقله للجمهور (مكتوبة أو مسموعة أو مرئية), فهو "يتضمن إيديولوجيا مباشرة أو غير مباشرة, ظاهرة أو خفية, أي مقاسة بمدى إحساس الجمهور بها".

 

إن هذه الإيديولوجيا, يقول الكاتب, قد يستطيع القارئ استبيانها, إما من خلال المعالجة الإعلامية المعتمدة, أو عبر شخصيات كتاب الرأي والزوايا الثابتين, أو من معرفة المعايير المعتمدة في النشر وإبداء الرأي.

 

وكذلك الشأن بالنسبة للوسيلة المرئية أو المسموعة, سيما بزاوية اختيار الضيوف في الحوارات, أو كيفية التعامل مع الأخبار الجارية, أو الحيز الذي يرصد لها, وهكذا.

 

+ وإيديولوجيا الصورة (الساكن منها والمتحرك) التي باتت "سيدة", بتسيد التلفزيون, الذي منحته التطورات التكنولوجية سبلا واسعة للتأثير في المتلقي بهذا الشكل أو ذاك, بحكم شموليتها, وقدرتها على مطاولة كل الشرائح الاجتماعية: إن الصورة, يقول الكاتب, إنما باتت "إحدى أدوات المعرفة والترويج للإيديولوجيا المهيمنة أو النخبوية, ومنحتها فرصة التحول من الهامش إلى المحور في الرسالة الإعلامية, ومن الحضور الجزئي إلى موقع الهيمنة والتأثير".

 

ومن نماذج الصور التي طبعت الرأي العام في العالم, استهداف أمريكا بالعام 2001, وطريقة إعدام الرئيس العراقي صدام حسين, وإهانة بعض من الصحافة الدنماركية لشخص الرسول (ص)...الخ.

 

الإيديولوجيا هنا هي التي تمنح هذه الصورة معاني ودلالات, وبغيابها لن يكون لها من قيمة إعلامية تذكر.

 

+ وإيديووجيا اللغة. هذه الإيديولوجيا يقول المؤلف, هي إيديولوجيا اللغة الإعلامية, المهنية والغير منفكة عن الإيديولوجيا بوجه عام. بالتالي, فإن أية لغة تمرر للخطاب الإعلامي, هي حتما حمالة مضمون إيديولوجي بهذه الطريقة أو تلك, على الأقل من زاوية أن اللغة هي أساس تكوين المعنى, وبالتالي الرؤى والتصورات الذهنية.

 

وعليه, فإن اللغة الإعلامية كانت ولا تزال, هي الأداة الأكثر تأثيرا في الترويج لكثير من الإيديولوجيات.

 

+ ثم إيديولوجيا الإعلان, باعتبارها مكمن رسالة (تجارية أو سياسية) يراد إيصالها للمستهلك أو الجمهور, والمرتكزة على تقنية ومهارة الإقناع.

 

كل هذه الإيديولوجيات, يقول الكاتب, لا تريد فقط إقناع الجمهور بسلعة أو خدمة أو ما سواهما, بل تريد الفعل في مخياله الدفين, الذي لا يمكن لأحد أن يحركه سوى الإعلام, بأشكاله المختلفة, المكتوب منها كما المسموع كما المرئي.

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 12 فبراير 2009