"الإغواء بالعولمة"

 

ألكسندر بانارين, منشورات اتحاد الكتاب العرب (ترجمة عياد عيد), دمشق, 2005, 372 ص.

1- بمقدمة هذا الكتاب ("محتالو «الأممية الجديدة» ونصابوها") يقول الكاتب: "العولمة حاليا هي الكلمة الأكثر حداثة في الفكر الليبرالي المتقدم. مع أننا سنذهل من ابتذالها إذا ما محصنا محتواها الموضوعي الذي ترمز إليه. في الواقع, كتب الباحثون منذ بداية القرن التاسع عشر عن الفضاء العالمي الواحد, المتكون بفضل حضارة السوق التبادلية. فما الذي أضافته الحقبة المعاصرة من وجهة النظر هذه؟ بضعة معايير كمية وحسب: ازدادت, على نحو غير مسبوق, سرعة التواصل واتسع نطاقه, شاملا المجال المعلوماتي. مهما أذهلت مخيلتنا ثورة المعلوماتية المعاصرة, فإنها لم تضف سوى القليل إلى جوهر مفهوم حضارة التبادل العالمية".

 

ويتابع الكاتب القول: إن "الأمر المكتوم هو أن جانب العولمة الحميمي, ينحصر في موقف التخلي المنهجي عن المصالح والمعايير والتقاليد المحلية كلها. وإذا كان فضاء الدولة/القومية ما فوق الإثني الموحد, قد وقف في فجر الحداثة في وجه المصالح الإقطاعية الضيقة, في مرحلة تشكل القوميات الأوروبية الكبرى, فإن هذه الدولة نفسها قد انحطت الآن لتصير حاملة للمصالح الضيقة".

 

من الذي جعلها تنحط؟ يتساءل المؤلف. إنها, بنظره, النخب المعاصرة, الاقتصادية والسياسية والفكرية, التي جعلت نفسها "في حل من المصالح والآمال الوطنية...بعدما كانت الشعوب من قبل, تضع أفضل آمالها عليها", لأنها كانت "خلاصة التجربة الشعبية, والمعبرة عن إرادة الأمة, وسعيها نحو المستقبل الأفضل. أما الآن, في عصر العولمة, فأن تكون نخبة فهذا معناه, في الحقيقة, العضوية في أممية سرية ما, غير مرتبطة قط بالمصالح الوطنية المحلية".

 

إن النخب المعاصرة, يقول الكاتب, إنما "هي عبارة عن شيء شبيه بناد دولي مغلق, ذي أخلاق فئوية, لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد, بالأخلاق السياسية والأهلية العادية, التي تلزم الفرد بخدمة بلده وشعبه ودولته. يعكس جانبها الخارجي كليشيهات عصر الحداثة السابقة كلها, أي التقدم والرخاء العام وحقوق الإنسان, أما الجانب الداخلي المعبر عنه بلغة النخبة السرية, والمفهومة من قبل المتنورين فقط... فهو قادر على التسبب بتشويش حقيقي للوعي".

 

وهذا معناه أن عصر العولمة قد وضع "النخب الوطنية في منتصف المسافة بين شعوبها ومراكز السلطة العالمية...فبقدر ما تنمو نظريات العولمة, يقل أكثر فأكثر إنصات النخب الوطنية السياسية والاقتصادية إلى صوت ناخبيها, وتربط نفسها أكثر فأكثر بقرارات الأممية الجديدة, المتخذة من وراء ظهر الشعوب...لقد قدم العصر الكلاسيكي منورين عظماء, بينما ينجب عصرنا محتالين ونصابين عظماء. إن عصر العولمة من الناحية السياسية, هو عصر الإقطاعية الجديدة: "إنه يدفن الديمقراطية بمعناها المباشر كتعبير عن السيادة السياسية للشعب, الذي ينتخب سلطته ويراقبها, ويستبدل بهذه الديمقراطية سلطة وجهاء دوليين...لقد ولد رجالات الاقتصاد الوطنيون المنتجون, من الجذور ذاتها التي ولد منها الديمقراطيون الوطنيون العظام, من الأخلاق الوطنية, التي تستوجب احترام أبناء البلد, وتحرم الاستخفاف بهم, باعتبارهم أناسا غير مكتملي الإنسانية".

 

إننا نرى اليوم, يتابع الكاتب, "كيف تترافق أخلاق العولمة الجديدة, التي ولدت اغتراب النخب الاقتصادية المنهجي عن المصالح القومية المحلية, مع نهوض المراباة الجديدة. وكما في عهد المراباة السابق, يجري اليوم فصل رأس المال الممول, عن الاقتصاد المنتج. لقد طغى ربح المضاربات والمراباة على الربح الاستثماري السابق, والدليل على هذا سيادة البنك على المؤسسة, وسيادة دياسبورة المضاربين الماليين الدولية على الأمم, التي فقدت استقلالها الاقتصادي". بالتالي, فإن ليبيراليي العولمة لا يعملون على حماية المستثمرين, بل حماية المضاربين بالأموال, فينسفون بذلك, مواقع المنتجين الحقيقيين, بناة الثروة الوطنية. "إنهم يحمون امتيازات حيتان الاقتصاد الدوليين, المدعومين من مراكز سلطة العولمة السياسية والاقتصادية, الحالمة بالسيادة المطلقة على العالم, والمسماة اليوم عالم القطب الواحد".

 

إن تقويض دعائم الدولة الوطنية, باعتبارها ذاتا تدافع عن الاقتصاد المحلي ضد الأطماع المالية الدولية, سيؤدي حتما, برأي الكاتب, إلى الأولغرشية والاحتكار على النطاق العالمي, وإلى الاستعاضة عن نظام التعددية الاقتصادية والسياسية, بالشمولية العولمية لقطب العالم الأوحد: إن إستراتيجية هؤلاء الأخيرين العولمية, "تنضوي على حقيقة لاحداثاوية كامنة وغير متوقعة, ومرتبطة بالسعي إلى تدمير براعم الحداثة والتنوير في البلدان غير المنتمية إلى عداد الدول النخب".

 

من هنا, يلاحظ المؤلف, فإن العولمة, المرتكزة على دياسبورا الحيتان المالية الدولية, التي لا وطن لها, إنما تهدد العالم بالتراجع: في الاقتصاد, عن المبدأ الإنتاجي نحو مبدأ المضاربة وإعادة التوزيع, ومبدأ المراباة, وفي السياسة عن منظومة التوازن الدولي التعددية, المرتكزة على مبدأ السيادة الوطنية, نحو الإملاءات الوقحة من قبل أصحاب "القطبية الأحادية".

 

إن إحدى أكثر مفارقات ما بعد الحداثة, يقر المؤلف, إنما تتمثل في أن النخبة العالمية تتمتع بنفسية السرية الطائفية, المنتزعة من المجتمع الطبيعي, وكل نظراته الطبيعية وأخلاقه وفكره السليم: إن طائفيي ما بعد الحداثة, يشعرون بأنفسهم مجربين حرين في المجال الثقافي والأخلاقي, وغير مقيدين بقواعد "معيدي بناء" العالم. إنهم "سريون حقيقيون في المجال الأخلاقي, ويستمتعون بحريتهم من الأخلاق الإنسانية العادية".

 

إن عالم العولمة, يقول الكاتب, هو عالم امتيازات ونخب. "العولمة هي الامتياز, الذي تم عقد العزم على الدفاع عنه, بغض النظر عن أي حواجز. أما الحواجز فهي: الدولة الوطنية وأخلاق المسؤولية والخدمة الاجتماعية السابقة, وأخيرا, الشعب نفسه, الذي ليس لديه سوى بلد واحد, هو بلده. وها نحن نصل إلى التعريف الجديد للعولمة: إنها عملية التحول إلى أممية النخب من وراء ظهر الشعوب, التي ما عادت تستطيع الاتكال على هذه النخب". عولمة الامتيازات هذه, التي تقوم على حساب تخلف الشعوب وتسطيح حياتها, تعتبر برأي الكاتب, التحدي الرئيسي في القرن الحادي والعشرين.

 

إن الرد المناسب على هذا التحدي إنما يرتبط, بنظر الكاتب, "بالرقابة الديمقراطية على عملية العولمة", وعلى نشاط النخب, صاحبة الامتيازات. الرد على هذا ينبغي أن يكون بعولمة الديمقراطية ذاتها. "إن على المنظومة الديمقراطية الجديدة أن تركز على مسائل الرقابة والاتصال المعاكس, المتعلقة بالممارسات التي تقوم بها, وتطورها النخب المعاصرة الأشد أمميةً". فالديمقراطية ليست بناء تأمليا, يؤكد المؤلف, بل هي رد محدد على مشاكل محددة.  بالتالي, ينبغي ربط البديل العملي بالجهود الموجهة إلى دمقرطة عملية العولمة, أي إلى تحويلها من لعبة ذات حصيلة معدومة, تصب في مصلحة أصحاب الامتيازات, إلى لعبة ذات حصيلة إيجابية, تكون الأغلبية فيها هي الرابحة".

 

2- بالفصل الأول ("السلطة الخامسة أو عولمة الدوائر الخاصة"), يلاحظ المؤلف أن أنموذج الديمقراطية الأمريكي, المتكون في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر, كان أنموذج ديمقراطيةَ الأقلية, "التي كان حاملها الأنموذجي هو البروتستانتي الأبيض, صاحب الدار. كان على ما يسمى المشاركة السياسية, أي أن تكون مسموع الرأي في عملية اتخاذ القرارات الاجتماعية الأهم, أن تظل من نصيب الأقلية الميسورة, حتى تظل الديمقراطية مستقرة".

وبمقدار ما كانت الديمقراطية تصير جماهيرية, كانوا يفرضون عليها أن تصير عسكرية, ومجندة لمواجهة العدو الخارجي. وقد خص هذا في الغرب في المقام الأول, الجمهورية الأمريكية, بعد أن صارت جمهورية إمبراطورية, وبعد أن صارت "روما الجديدة المتحاربة مع قرطاجة", فبدأت تفسر النظام العالمي العولمي والسلطة العولمية بأنه نظامها وسلطتها على العالم.

 

إن النظام الأمريكي, بهذا, قد خرج عن عولمة التنوير, التي أرسيت فكرتها منذ نبعت الحداثة الأوربية, والتي تقود إلى تكوين فضاء عالمي واحد, مؤسس على عموميات التقدم الموضوعة في متناول الكل بالتساوي, ودخل مرحلة العولمة الباطنية للنخب الحاكمة, التي تواطأت في ما بينها من وراء ظهر الشعوب, ثم إلى الحامل الاحتكاري لمنظومة العولمة أحادية القطب, سيما بعدما ابتلع بصمت تخفيض مرتبة روسيا ما بعد السوفييتية, "حين حولوا بلادنا من شريك إستراتيجي إلى دولة مهزومة, مجبرة على تقديم التنازلات من غير قيد أو شرط".

 

معنى هذا, أن القطبية الأحادية المنهجية, التي تحتكر فيها الولايات المتحدة الأمريكية إدارة العالم, غير متوافقة مع وجود دول ضخمة ذات سيادة, أينما وقعت هذه الدول. وواضح أن التفكيك المنهجي لهذه الدول, هو مأرب مهندسي العالم أحادي القطب: يبدو اليوم أن الليبرالية قد فقدت في كل مكان, في الغرب وفي روسيا, خيط التنوير الموجه, وهي ليست قادرة إلا على توليد مؤثرات مضادة للحداثة ومضادة للتنوير...ليس التاريخ هنا ما يلعب دور القدر المسلط على النخب المرتبكة والملتحمة بالنظام القديم, بل جور هذه النخب المرتكب بحق التاريخ ذاته".

 

3- بالفصل الثاني: ("«بند العولمة الخامس»: اليهود في عالم القطب الواحد"), يلاحظ المؤلف أن المسألة اليهودية محظورة اليوم. إن كل الذين ترهبهم حساسية هذا الموضوع يزجون به, عن قصد أو بغير قصد, في غياهب معاداة السامية. ويلاحظ أيضا "أن القدر قد حكم على اليهود أن يكونوا عالميين. فوضعهم مزدوج المعنى ذاته, باعتبارهم شخصيات وقفت منذ القدم على تخوم الثقافات, من غير أن تتطبع حتى النهاية في الوسط الذي أقامت فيه, ومن غير أن تتقبله حتى النهاية".

 

إن اليهود اليوم يحبون أمريكا حبا متعصبا, يقول المؤلف, وأي تشكيك بالحق الأمريكي في تنظيم كوكبنا, يلاقى بردة فعل الإحساس بالإهانة, حتى يكاد يخيل أن الولايات المتحدة الأمريكية هي "أرض ميعاد" اليهودية. في هذا القسم من الرأي يختلف الفرقاء, برأي المؤلف. يفترض بعضهم أن "اليهودية العالمية تستخدم الولايات المتحدة من أجل تحقيق أهدافها, وبعضهم الآخر, وأنا من بينهم, يفترض أن أمريكا في هذه الحال تستغل آمال اليهود وتخدع وعيهم". بالتالي, فإن الضمانات لليهود في هذا العالم المليء بالشك, مرتبطة بالحضور العولمي الأمريكي.

 

ويتصور المؤلف أنه "حتى إذا تخيلنا أن الاحتلال الأمريكي للعالم قادم فعلا, فهل تبدو السيطرة الأمريكية كافية للتدخل السريع والفاعل في جميع أطراف العالم, المحتلة بهدف الحؤول دون الأعمال المعادية للسامية, وضمان الرفاهية والاستقرار لليهود؟ ألن يكون لدى الإدارة العالمية الكثير من الهموم الأخرى, حتى تركز قواها كلها من أجل حل المسألة اليهودية وحدها؟".

 

يبدو الحل الحالي "الأحادي" للمسألة اليهودية, المرتبط بالتوجه الاستثنائي نحو الولايات المتحدة الأمريكية ورسالتها العالمية, أقل إيثارا من الحل التعددي التقليدي, المرتبط بتطبيع اليهود في بلدان إقامتهم, وبعلاقتهم الوفية بالسكان المحليين.

 

يجازف اليهود, المتكيفون مع وضع السيادة الأمريكية في العالم, بما هو أكبر من المخاطرة البراغماتية. إنهم يجازفون بتسخيف التاريخ اليهودي كله, ويغامرون بموت الأسطورة اليهودية في الثقافة: لقد بلغت معضلة التاريخ اليهودي الأزلية اليوم حدتها القصوى, يقر المؤلف.

 

إن الذي نلحظه اليوم إنما محاولة إعادة تشكيل بنية الحداثة ذاتها, عن طريق تحريك جهود التقدم كلها, من المستوى القومي الأوسط إلى المستوى العولمي. والذي ينشط هذه المحاولة هو, بنظر الكاتب, المجمع الإمبراطوري الأمريكي, والدياسبورة اليهودية المؤيدة لـه في المناطق. "يدك الأمريكيون حصون الدول المستقلة الكبيرة القومية, بآلتهم الصناعية, العسكرية والمالية والدبلوماسية, أما الدياسبورة اليهودية, فتنخرها بـتهكمها الذي يطال كل شيء ويفتته. بالتالي, فالخصوصية المميزة للمركبة اليهودية هي أنها لا تكتفي بالممارسات الشاذة فعليا, فطباعها وغطرستها تجبرانها على البحث عن شرعنة هذه الممارسات بوسائل التعاليم الجديدة, التي تستخف بمعايير الأخلاق الخجولة القديمة".

 

يشجع العولميون الأمريكيون بكل الوسائل, روح الانفصالية والتطرف القبلييين, في سعيهم إلى تفكيك الدول المستقلة الضخمة, باعتبارها حاملة لمبدأ السيادة القومية "المتقادم".

 

إن الخيار اليوم لا يبعث على السرور, يتابع المؤلف: إما انتصار حاملي العولمة أحادية القطب, القاسمين العالم إلى جنس السادة القادرين على التكيف والأغلبية المنبوذة غير القابلة للتكيف, مما يعني تحول القسم الأكبر من الكوكب إلى أحياء يهودية محاصرة(غيتو), وإما مقاومة ناجحة من قبل الأغلبية المعبأة من جديد, وملاحقة لا ترحم للعولميين مع كل أعوانهم من السكان الأصليين. وسيعني هذا وذاك ثأر اللاحداثة من الحداثة, وحلول غسق التنوير التام على كوكبنا. يغامر التاريخ اليهودي ضمن هذا الأفق, بالانقطاع. ففي حال نجاح الرسالة العولمية الأمريكية, اليهود مهددون بالذوبان في المجتمع الاستهلاكي الأمريكي, الذي تغذيه موارد العالم المحتل كلها. وفي حال الفشل, سينتظرهم تسديد حسابات هذه المغامرة المزلزلة للعالم كلها".

 

 4- بالفصل الثالث ("العولمة الأمريكية"), يقول المؤلف التالي: "إن جريمة الولايات المتحدة الأمريكية بحق الديمقراطية المعاصرة, تكمن في أنها حولتها إلى وسيلة من أجل تحقيق أطماعها الخاصة كدولة عظمى, وبذلك حطت من قدرها. حين كانت تقاومها دولة عظمى تساويها بالقوة, كانت تتحدث عن النظام العالمي الجديد, وعن التعددية والمركزية التعددية, وعن المشاركة المتساوية في الحلول, وعن المبادئ العمومية للديمقراطية والعدالة. لكن ما أن انهارت منظومة الموانع والتوازنات المرتبطة بالنظام ثنائي القطب, حتى صارت الدولة العظمى, المرشحة للعب دور الطليعة الديمقراطية العالمية, تستعرض على الفور مبدأ قوة الغاب, وتستبيح الضعفاء, معلنة على نحو مكشوف عن ادعاءاتها بالسيادة الكاملة على العالم...إننا نتعامل من جهة مع غدر غير مسبوق من دولة لم تنتصر بقوة السلاح, وإنما بقوة الشعارات الديمقراطية, التي رمتها جانبا في الحال ما إن أنجز العمل". لا يتسم الوعي الأمريكي بالانسلاخ البارد عن العالم المتبقي, بل بالمواجهة الجدلية, التي يمكن أن تغذي تارة سياسة الانعزالية القاسية, وتارة النزعة التدخلية المسيحيانية.

 

من هنا, فقد صارت "الأخلاق" و"الثقافة", مثل "الوطنية" و"الوطن", كلمات بذيئة في الإيديولوجية الجديدة, المعادية للذهنية القومية. ومن هنا أيضا "تتدنى, تحت تأثير الليبرالية المركزية الأمريكية, مكانة الثقافات القديمة في جميع القارات تدنيا مستمرا, وتتعرض جميعها للشك, باعتبارها عائقا أمام الثورة الاقتصادية والسياسية القادمة, التي ستجلبها الطليعة الأمريكية للعالم, التي تعتبر أن التوسع المساحي شرطا تفقد من غيره أخلاق الإنجاز الأمريكية أساسها".

 

إن الولايات المتحدة الأمريكية, ولكي تبقى داخل نفسها مفتوحة ديمقراطيا, ومجتمعا مزدهرا مؤكدا توقعات أخلاق النجاح, ستتحول إلى مجتمع إمبريالي احتلالي, مستعد لوضع يده على موارد العالم المتبقي, ولأن يقمع مقاومة هذا الأخير بالقوة. سيعيد هذا "تاريخ الغرب إلى أنموذج إمبراطورية روما القديم, التي ما كانت تستطيع تنفيذ وعودها أمام دهمائها وإخماد استيائهم, إلا عن طريق الفتوحات الإمبراطورية الجديدة, وإعادات تقسيم العالم". لهذا تحديدا صارت نهاية الحرب الباردة, نقطة انطلاق مشروع امتلاك العالم العولمي, عوضا عن أن تصير أساسا لنزع سلاح أمريكا, ورفض أساليب استخدام القوة في السياسة.

 

ما التغيرات الداخلية التي سيتعرض لها المجتمع الأمريكي المتحول إلى "مجتمع عسكريتاري مستنفر؟ يتساءل المؤلف. إن كل الخطابية الليبرالية, الديمقراطية المعتادة عن الديمقراطية التمثيلية, وفصل السلطات, والتعددية واحترام حقوق الأقلية, لا تفعل شيئا اليوم سوى أنها تخفي هذه الوقائع الجديدة, التي لا تمس الارتقاء الأمريكي الداخلي وحده, بل تمس أيضا مصير العالم كله, الموضوع أمام خيارين: إما أن يستسلم وإما أن يتهيأ للمقاومة.

 

ليس ثمة شعب واحد ولا ثقافة واحدة قادرة على العيش إذا كان الدافع السائد والمطلب الملح هو الربح, يقر المؤلف. العولمة الأمريكية هي هذه السلطة الاقتصادية (سلطة الأولغرشية المالية بالدرجة الأولى), التي تستهدف كبرياء الكوكب. "إن خصوصيات إستراتيجيتها تكمن في ارتباطها بمفهوم السلعة, باعتبارها معيارا عموميا شاملا لكل شيء. وما دام كل شيء على الأرض لم يتحول إلى سلعة لها ثمنها ومعروضة للبيع, لا يمكن أن تعتبر السلطة الاقتصادية شاملةً, تامة وتطال كل شيء. لهذا السبب تعتبر الليبرالية السائدة كل ما ليس له وضع السلعة, وما ليس له قيمة تبادلية معترف بها, من مخلفات التقليدية. يتم تصور ختام الحداثة على أنه ختام عملية تحول القيم القديمة إلى سلعة عادية, لها بائعها ولها شاريها".

 

إن الإستراتيجية الأمريكية المعاصرة, الهادفة إلى احتلال العالم, مرتبطة تحديدا بمنطق السلطة الاقتصادية هذا. وما دام المفكرون الوطنيون والزعماء والقادة السياسيون يناهضون أمريكا, فإن العالم يبدو غير عقلاني ومخالفا للحساب ومليئا بالمفاجآت.

 

تكمن مفارقة أمريكا الديمقراطية, التي تخوض هجومها العولمي, في أنها تنبذ على نحو منهجي, مفهوم سيادة الشعب السياسية الأساسي للديمقراطية. يتلخص الأمر في أنه "أين ما وجدت مثل هذه السيادة, فإن المصالح القومية لا يمكن أن تكون, وفاقا لتعريفها, مادة للبيع والشراء. ولكي يتم ذلك, على النخب الحاكمة أن تخصخص هذه السيادة, لتحصل على الحرية الكاملة, والابتعاد عن الرقابة على تصرفاتها في السياسة الدولية. ينبغي أن تصير المصلحة القومية سلعة, أن تصير النخبة الحاكمة مالكتها غير المقيدة, بأية وثائق أوامرية من جهة الأمة": من غير إضعاف عالمي لمادة تاريخية, كالشعب, ومن غير تفتيتها, يستحيل الوصول لا إلى خضوع النخب الوطنية السابقة للسلطة المالية العولمية, ولا لجعل علاقات البيع والشراء شاملة, بإخضاع كافة مجالات الوجود الاجتماعي وكافة ظواهر النشاط الإنساني لها.

 

5- بالفصل الرابع ("البرجوازيون الجدد في العالم العولمي"), يقول الكاتب: "تتلخص فاعلية ماكس ويبر اليوم, في أنه عمل ضمن قياس المركزية الثقافية الرائجة اليوم. فإذا كان ماركس قد فسر نشأة الرأسمالية بمنطق تطور التبادل والقيمة التبادلية, فإن ويبر استطاع أن يجذر الرأسمالية في الثقافة, وبذلك رفع عنها أهم اتهام تتهم به, وهو عداؤها للتقاليد الثقافية والأخلاقية كلها". طرح المفكر الألماني قضية نشوء الرأسمالية من روح التقشف البروتستانتية. بذلك, وباعتبارها نواة ثقافية للحضارة, لم تبرز التقاليد الأخلاقية/الدينية على أنها شيء ما من خارج الرأسمالية, لا ينفك يوجه اللوم لها, بل على أنها أساسها.

 

يقدم ماكس ويبر تفسيرا مغايرا تماما للتراكم الأولي. فالتراكم لديه ليس عملية نهب لملكية الآخرين, ولا نتيجة "الفطنة" اللاإنسانية لدى شتى أنواع الأنذال, بل هو, على العكس من ذلك, امتناع معلل دينيا عن شتى أنواع التبذير والإسراف.

 

وهكذا يرتبط التراكم البرجوازي بالتضحية, أي بالامتناع عن مسرات الروح الاستهلاكية المنفلتة, مما لا يتطلب إيمانا دينيا متوقدا فحسب, بل إرادة دينية أكبر. مأثرة مثل هذه الإرادة, مطلوبة للانتقال من تلقائية الاستهلاك اللامسؤول إلى قسرية التراكم.

 

فسر ماركس عداء البرجوازية "لفروع الانتاج الروحي", المعروفة ببخلها المعهود, وانحطاط الطبقة البرجوازية, التي لا تعترف إلا بالتناول النفعي للواقع. أما ويبر, فسيفسر هذا العداء بالاستناد إلى التقليد التقشفي, الملزم بالنظر بعين الريبة إلى شتى أنواع الإسراف الكمالي الثقافي, المضعف للإرادة الدينية, والمحفوف بالإغراءات الخطرة جميعها.

 

من هنا, فقد قلب ويبر بطريقة خاصة أفق الماركسية, معلنا فعليا أن أساس الثروة الاجتماعية ليس استغلال البروليتاريا, بقدر ما هو التقشف الذاتي البوريتاني للبراجوازية الصغيرة البروتستانتية, التي حولت الطاقة الدينية إلى طاقة استثمارية, لا تلتهم ربحها بل تراكمه منهجيا وتستثمره.

 

إن عملية المراكمة مرتبطة بحظر الرغبات الاستهلاكية, وهذا ما مكن منه خصوصا التقشف البروتستانتي. لقد ارتبط الفرق نفسه بين إنتاج وسائل الإنتاج وإنتاج مواد الاستهلاك, بإستراتيجية حظر الرغبات. فلولا تقييد نبضات المجتمع اللذوية, لما كان بالإمكان تطوير إنتاج وسائل الإنتاج, وزيادة معدل التراكم. إن تدمير جو التقشف هذا, ورفض فكرة "السعادة المؤجلة", باسم التلبية الفورية للرغبات الاستهلاكية, قد قوض العقلانية الاقتصادية بدلا من أن يوفرها.

 

إلا أننا نرى, يلاحظ المؤلف, أن البرجوازية المالية المعاصرة, المجسدة لمفهوم النهج البرجوازي الأحدث بمجمله, لا تتطابق, ولو بمعيار مهم واحد, مع الصورة التي رسمها لها محامي الطبقة البرجوازية, الملهم ماكس ويبر. لقد "تصور ويبر التوافق بين البرجوازيين وبقية المجتمع, على أساس الأخلاق البروتستانتية. كان في مقدور البرجوازية المتقشفة, المضحية بمسرات الحياة الخاصة باسم المراكمة, أن تطلب من المجتمع تضحيات مماثلة, وحينئذ كان لديها الحظ في أن تحظى بتفهمه لها. لا يمكن لأحد أن يصف الثروة البرجوازية الجديدة بأنها غير طفيلية. لقد فقدت كل صلة تربطها بكل ما يمكن أن يحظى بالاعتراف من قبل المجتمع, أو ما يستحقه. يعني هذا كله, موت الأسطورة الويبرية في الثقافة السياسية المعاصرة. إن أدلة البراءة التي منحها ماكس ويبر للبرجوازية لا يمكن استخدامها سلفا, مع البرجوازيين المنتمين إلى التشكيلة المالية المضارباتية الجديدة".

 

ما كانت الثورة الثقافية للبرجوازيين الجدد لتنجح لو لم تجد لها صدى في الجو العام لعصرنا, يؤكد المؤلف. سمت فلسفة العصر الرائدة هذا الجو, جو ما بعد الحداثة. تعني ما بعد الحداثة بالدرجة الأولى "تحلل الذات الحداثوية, تلك الذات المتماسكة والمعتمدة على ذاتها, والتي قدر لها أن تصوغ المشاريع الجريئة للمستقبل, وأن تحققها في الحياة. يبين لنا صرف الانتباه عن الربح الصناعي, نحو الربح الناجم عن ألعاب المضاربات المنفلتة, والانتقال من الاستثمار الكلاسيكي الممل, إلى الولع ببناء الأهرامات المالية وغيرها من أنواع النصب, نمطَ الشهوانية ما بعد الحداثوية المعروفة اللامنضبطة. إنهم تملصوا من الرقابة ومن طغيان المعايير".

 

6- بالفصل الخامس ("السياسة ما بعد الحداثوية: كيف تظهر الأنظمة الكومبرادورية"), يقول المؤلف: "لقد دلت التجربة على أن العالم العولمي ليس عالما مترابطا, كما يؤكد لنا الليبراليون الجدد, بقدر ما هو تابع, أي مدار من قبل مركز واحد. في الوقت نفسه تعني العولمة شيئا أكبر: إنها تشير إلى أن الزعيم العالمي المعاصر يرتكز إلى مكتسباته الاقتصادية والثقافية, أكثر مما يرتكز إلى المكتسبات العسكرية التقليدية".

من هنا يدور الحديث عن تجربة التبادل العولمي غير المتكافئ, والذي لا يفترض نهب الأطراف الاقتصادي وحسب, بل السلطة الروحية عليها أيضا, أي تلك السلطة نفسها التي يمكنها أن تكسب السمعة والمهابة أو الخزي والعار, التي تقدس أو تدنس, التي تضفي الشرعية أو تحرم منها.

 

حين يحدث الاستسلام في مجال الثقافة, أي الاغتراب عن تجارب الآباء, وعن التقاليد الوطنية لصالح أخرى مستعارة, فإن الاستسلام السياسي يصير مسألة وقت لا أكثر. هذه هي الجذور السوسيوثقافية العامة, والآليات النفسية الاجتماعية للعولمة المعاصرة, الموالية للغرب وأمريكا.

 

بدأت عمليات "التفكيك الشامل" و"اللامركزة" و"اللاتنظيم" في الفضاء الإمبراطوري الواحد, وبرزت السلطة الفيدرالية الجديدة بنفسها, باعتبارها صاحبة المبادرة في عمليات التقطيع واللامركزة والتفكيك, التي لا حصر لها, وقد التقت في الأعلى قوتان وراحتا تتعاونان: المتحمسون الديمقراطيون الذين لا يعرفون غالبا ما يصنعون, وماجنو الخصخصة الذين أظهروا مقدرات رائعة في تحويل الحريات الجديدة إلى أكبر ما يمكن من الحصص, غير الخاضعة للرقابة.

 

اليوم نمتلك تجربة التفكيك ما بعد الحداثوي لجميع المؤسسات المرتبطة بالعملقة العقلانية وهي لا تقل إثارة للبكاء وللإحباط. لقد جرى إحباط ذات التنوير المتحمسة وسلب إرادتها لإفساح المكان للعديد من الممارسات الفوضوية والخاصة.

 

العولمة ما بعد الحداثوية قادرة, مرة أخرى باسم الاختراقات الأحدث, على الدفع نحو السقوط باتجاه سلفية ما قبل الحضارة وما قبل الدولة عموما, التي "تبدو على خلفيتها الشمولية السوفييتية, ذروة الانضباط التنويري والعقلانية. يتلخص الأمر في أن العولميين المسلحين بمخزون علم الثقافات, قد قرروا فيما بينهم أن ما يقف وراء الدولتية الوطنية, التي يرون فيها عائقا في وجه العولمة, هو المنظومات الثقافية الوطنية, التي تدعمها وتغذيها. لذلك جذرت مشروعها التفكيكي بأن ضمت إليه مخططات تدمير الثقافة".

 

حتى لو افترضنا أنهم سينجحون في هذا الأمر, فهل سنحصل بالنتيجة حقا على نظام أكثر تحضرا وإنسانية من الأشكال السابقة للدولتية الوطنية, أم أن ما ينتظر أغلبية البشرية هو مصير الغيتو, الذي ستحول فرق الحماية المدججة بالسلاح دون تسربه إلى الفضاء المعقم, المحفوظ من أجل الأقلية الموفقة؟ إن هذا النمط من معاداة الطوباوية الشاملة ضروري اليوم, برأي الكاتب, ضرورة وقائية للبشرية المخدرة بالطوباوية الليبرالية العولمية.

 

تكمن وقاحة فاتحي العالم المعاصرين غير المسبوقة, في استعدادهم لتفكيك نظام قيم الحداثة الديمقراطية العظيم, الذي أضفى طابعا غير شرعي على أي شكل من أشكال الظلم الاجتماعي, وأي شكل من أشكال اغتصاب السلطة من قبل الأقلية, صاحبة الامتيازات التي ترغب في ديمومة امتيازاتها.

 

كانت العولمة السابقة تشدد على المشكلات العولمية, التي تفرض على البشرية أشكالا جديدة من التقشف, وتنظيم الذات تنظيما عاقلا. أما "العولمة الجديدة", فتشدد على الطابع العولمي للموارد ذاتها, التي ينبغي أن تكون, في "المجتمع المفتوح" المعاصر, متاحة للأقلية المختارة, التي تحسن التصرف بها على أفضل وجه كما يقولون.

 

ثمة أحد أمرين, يؤكد الكاتب: إما التكيف الفردي مع الحاضر وتعييب الأسوأ وغير القادرين على التكيف, وإما الاتكال الجماعي على المستقبل, لأن المكان اللائق في الحاضر لا يكفي الجميع. أي, إما الاستسلام أمام العنصرية الجديدة, المؤمنة بالاصطفاء الطبيعي, أو أن نجد أنفسنا ونحن نلعب دور الطوباويين الشموليين المريب, الذين لا يرغبون في الاعتراف بحقوق الواقع.

 

يمكن, يقول المؤلف, أن تتلخص العولمة الإنسانية البديلة في التركيب الجديد لتجربة حضارتي الشرق والغرب, من غير التخلي عن إرث التنوير الأوربي, لكن بعد تصحيحه انطلاقا من الحقائق العولمية الجديدة. إن ثورة الوعي المنشودة لا تتطلب رفض الواقعية التنويرية الغربية لصالح الصوفية, أو رفض القيم الديمقراطية لصالح التسلط. إنها تتطلب تأكيد هذه القيم على المستوى العولمي, "الذي يمس سكان كوكبنا جميعهم".

 

7- بالفصل السادس ("كيف نعيد للمستقبل حقوقه؟"), يقول المؤلف: "إن الأكثر أصالة في الوجود, هو ما يعتبر الأكثر تاريخية فيه, أي المتسامي من الحاضر نحو المستقبل. بهذا المعنى تحديدا, يتحدث هايديغير عن مطابقة الوجود والزمن".

 

علينا الاعتراف, يؤكد الكاتب, بأن الإغواء (المدعم بإمكانات المنتصرين الحقيقية) باستغلال موارد الحضارة باعتبارها موارد مجانية, قد ازداد بحدة في ظروف العالم العولمي المعاصر. وبمقدار ما "تنطلق الشركات العبرقارية إلى ما وراء القسم الغربي من المعمورة, تتحول علاقات الشراكة بين العمل ورأس المال إلى استغلال غير حضاري للسكان الأصليين ومواردهم. هذا يخص أيضا رأس المال الكومبرادوري, الذي يفعل فعله في وطنه الذي ما عاد يعتبره وطنا له".

 

إن تحويل العلم والتواصل والتعليم والثقافة مثلا, إلى تجارة يشوه في الكثير من الجوانب ثمار الحضارة هذه.

 

تتطلب المشكلات العولمية قفزة قوية جديدة. "تتطلب تحولا نوعيا في ممارساتنا, على أساس اقتحام جديد من قبل المنظومة المسماة عبقري (بالمعنى الكانطي للكلمة) للمنظومة المسماة منتج". يدمر العولميون الحاليون, من جهة, منظومة "العبقري", مفرغين مخازن الثقافات الوطنية, ويمارسون من جهة أخرى إعادة توزيع موارد العالم, من أجل رمي هذه الموارد الإضافية في أتون حضارتهم التقنية, مخلصين إياها بذلك, من إعادة الهيكلة التي حان وقت الشروع بها منذ زمن.

 

إن الحديث يدور عن العودة الجديدة من المجتمع ما بعد الصناعي, الذي تتغذى قدراته الكامنة على الثورات العلمية, إلى المجتمع الاستعماري, المرتبط باستغلال الموارد المنتزعة من الشعوب غير الغربية, الفاقدة سيادتها الوطنية الاقتصادية. ومع الحديث عن النظام الديمقراطي العالمي, صمت أولئك الذين رفعوا صوتهم من أجل حماية الطبيعة.

 

يلح على ذهن الكاتب هنا الاستنتاج التالي: وحده النضال الجديد ضد الاستعمار, وتضامن كل من يعاني من استبداد "القطبية الأحادية", قادران على وضع الغرب أمام خيارين لا ثالث لهما: إما إيجاد منابع جديدة للانطلاقة نحو المستقبل, أو أن يرفض التساهلات مع المجتمع الاستهلاكي, وينتقل إلى منظومة التقشف القسري إلى حد ما. من الواضح تماما أن لا هذا ولا ذاك ممكن الحدوث بالشكل الكامل, يقر المؤلف.

 

إننا نتعامل اليوم في حقيقة الأمر مع نمطين من الأصولية: "أصولية الغرب العدوانية, غير الراغبة في أن تغير تغييرا نوعيا, برنامج الثقافة الفاوستية الكوكبي, وأصولية الشرق المضادة (الإسلامية خصوصا), التي لا ترى مخرجا آخر غير تدمير الحضارة الغربية باعتبارها المنبع الرئيسي للقلاقل الأرضية".

 

إذا لم يشأ الغرب أن يتجمد على شكل منظومة إمبراطورية قادرة منذ الآن على النمو التوسعي فقط, وبالتالي على الاستيلاءات والاحتلالات وحدها, عوضا عن الاندفاعات إلى أبعاد تاريخية جديدة, فإن عليه أن يعيد توليد فئة المثقفين. لكن هذه الفئة ستكون فئة مثقفين خاصة. ستكون علامتها المميزة الأساسية الانفتاح نحو الشرق, باعتباره منبعا للممارسات السوسيو ثقافية البديلة. "إن تقبل الأفكار العامة المنتمية إلى التقاليد الشرقية الكبيرة, ونقلها, وإعادة بنائها بهدف إعادة تشكيل تقاليد الغرب ذاته, هي المهمة المائلة أمام فئة المثقفين الجديدة هذه".

 

8- بالفصل السابع ("الحسية العولمية في عصر الثورة المعلوماتية"), يقول الكاتب: "لو صرفنا الانتباه عن اشتطاطات العولمة المتطرفة هذه (وهي مميزة في المقام الأول للفضاء ما بعد السوفييتي وروسيا) ففي مقدورنا أن نقر عموما, بأن العولمة المعاصرة تؤدي إلى خرق التوافق الوطني القائم بين النخب وجماهير الشعب, وتمثل تحديا للمجتمع المدني الموحد ذي النمط الكلاسيكي. يمكن الحديث في حقيقة الأمر عن حرب أهلية عالمية قائمة (لا زالت باردة في قسمها الأعظم) بين النخب المتعولمة باندفاع, وجماهير السكان الأصليين الشعبية. وفي هذه الحرب, تبدو النخب جاهزة لها أفضل بكثير, وتستغل بنجاح عنصر المفاجأة. أما الجماهير المعتادة على الاتكال على نخبها الوطنية, فتجد نفسها اليوم في حيرة تامة وعزيمة خائرة".

 

إن خصوصية وسائل الإعلام تكمن, بنظر المؤلف, في إنتاج المعرفة غير المدحوضة بالجملة. "إن لها الحق في إكساب هذه الظاهرة أو تلك صفة الحدث: يصير ما تتحدث عنه بإلحاح وسائل الإعلام حدثا هاما, بغض النظر عن الأبعاد الحقيقية لما حصل, أما ما تصمت عنه لسبب من الأسباب, فلا يصير حدثا قط, ويبدو الأمر وكأن ما حدث لم يحدث, فنحن فلا نعرف عنه شيئا. ويعتبر الصحافيون والمعلقون العاملون في وسائل الإعلام, المفسرين لمغزى ما حدث, والمفككين لشيفرته, مسترشدين باعتبارات مختلفة (أوامر السلطة, إرادة الزبائن الأغنياء, أو مالكي وسائل الإعلام, أو صانعي الدعاية فيها, أو المصالح الداخلية في الشركة)". ومهما كان الأمر, فإن الخاسر هو القارئ والمشاهد العادي. فهو, "بخلاف المرجعيات المذكورة أعلاه, محروم من إمكان صياغة طلبه للمفسرين من وسائل الإعلام. لذلك فإن مخيلتهم التفسيرية لا تحصل على النبض الملائم, وتتجه في وجهة مختلفة تماما".

 

وعلى هذا النحو أو ذاك, فإننا لا نتعامل في حال وسائل الإعلام مع صوت الواقع نفسه, بل مع تحويل هذه الأشكال أو تلك إلى لوبيات, مما يتعارض مع مبدأ التمثيلية. "إننا نتعامل مع ظاهرة جديدة بديلة لتلك التي ميز ظهورها الحداثة".

 

إن جميع النخب الحاكمة (الاقتصادية والسياسية والفكرية), قد ربطت نفسها اليوم بالمعرفة الافتراضية وبالممارسات الافتراضية, يقوا المؤلف. تنظر النخب الجديدة إلى سهولة اقتناء الخيرات, عن طريق إعادة توزيع الموارد العولمية على أنها امتياز شرعي لها".

 

يدل هذا كله, على وجود قوى هائلة في العالم المعاصر ليس لها مصلحة في التطهير الإبستمولوجي للحقل الإعلامي المعاصر, أي العودة عن المعرفة غير المدحوضة, إلى المعرفة البديلة العلمية والموضوعية.

 

لهذا الغرض يحتاج نمط العقلانية الغربي إلى لقاح ثقافي ما من الخارج. "تستحق إعادة إنشاء الأحكام الذهنية المتكونة إسم الإصلاح. فكما أنجز الإصلاح الديني في أوربا, باعتباره محاولة للعودة الجديدة إلى النص الأولي, أي الكتاب المقدس, كذلك يمكن اعتبار إصلاح المعرفة العلمية ممكنا, على أساس العودة إلى كلاسيكية العهود القديمة الطبيعية الفلسفية, وكذلك من خلال التوجه إلى الكلاسيكية الشرقية".

 

إن المضاربين المعاصرين يحاولون إحباط العزائم بخيارات كاذبة: إما الديمقراطية أو الشمولية, إما السوق أو المنظومة الإدارية الأوامرية. و"في حقيقة الأمر, ليس لدى الديمقراطية والسوق اليوم أنداد. لكن البديل الحقيقي موجود داخل الديمقراطية ذاتها, وداخل منظومة السوق. إننا نفهم الديمقراطية بمعناها الاجتماعي (وليس الطبيعي), أي باعتبارها قواعد لعبة حضارية, تهيئ إلى حد ما فرصا متساوية للجميع, وتحمي بذلك المجتمع من تطرف اليمينيين واليساريين".

 

كذلك الحال في ما يخص الاستثمار في السوق, "فالمسألة لا تنحصر في إن كنا نقبله أم لا, بل تنحصر في إن كنا نتعامل مع الاقتصاد المنتج, باعتباره لعبة ذات محصلة إيجابية, أم مع اقتصاد المضاربات, الذي يستولي فيه رجال الأعمال والمحتالون, الذين لا ينتجون أي شيء حقيقي, على ثروات المجتمع غير المحمية".

 

9- بالفصل الثامن ("هل التوافق الأهلي ممكن في ظروف العالم العولمي؟"), يقول الكاتب: "عام 1998 حدث في مختلف المناطق العالمية, من روسيا حتى منطقة المحيط الهادئ الأسيوية, انهيار الهرم الاقتصادي الليبرالي ... لقد أعلنت القرصنة الاقتصادية العولمية, المستغلة إمكانات رأس المال قصير الأمد, ذي القدرة الكبير على الحركة, والذي يتدفق في لحظة, فيقص قسائم الأرباح ويتبخر في اللحظة ذاتها, التحدي في وجه حب العمل لدى مئات الملايين من البشر, المراقبين لثرواتهم, وهي تفقد شكلها المادي, وتسبح خارجة إلى ما وراء الحدود. تحولت أزمة عام 1998 المالية, إلى درس قاس للمصدقين زيادة عن اللزوم, أي لأولئك الذين صدقوا مسلمات الليبرالية الاقتصادية, المدافعة عن إلغاء أي رقابة وطنية على رؤوس الأموال".

 

الآن, حين نراقب العواقب الفعلية للبرلة السوق اللامحدودة, من المهم أن نتعرف على سر جاذبية نظرية السوق. "تكمن هذه الجاذبية في الحق بالخمول الأهلي: أوتوماتيكية السوق مبنية على نحو عجيب, بحيث أنها تعطي من تلقاء ذاتها أفضل النتائج الاقتصادية, من غير أي توتير للإرادة السياسية والأخلاقية, وعلى الرغم من السلبية الاجتماعية التامة من قبل المواطنين والدولة. ما إن اختفت منظومة الموانع والتوازنات العالمية التي تمثلت بالبنى ثنائية القطب, حتى اكتسحت الموجة المحافظة الجديدة داخل البلدان التي شملتها اللبرلة, حواجز الدولة الاجتماعية, وحزمت الطبقة البرجوازية أمرها على الثأر الذي انتظرته طويلا. لقد خرجت على نحو غادر من منظومة التوافق المدني السابقة, المتأسسة على التنازلات المتبادلة بين جماهير العمال, الملتزمة بالحفاظ على الانضباط الإنتاجي والاجتماعي, وأرباب العمل الملتزمين باحترام صلاحيات النقابات ومتطلبات الدولة الاجتماعية".

 

لقد اتجهت الرساميل كلها, التي امتصتها المنظومة المالية الهائلة, من الاقتصاد الحقيقي إلى لعبة المضاربات, عوضا عن أن تعيدها تلك المنظومة عبر قنوات أخرى. لا يعمل في الإنتاج الحقيقي سوى جزء ضئيل من رأس المال المصرفي. أما القسم الأكبر فلا يزال يدور في مجال الصفقات المضارباتية قصيرة الأمد. "إن رأس المال التمويلي, المتحرر من الرباط الوطني (العولمة!) يتحرر في الوقت ذاته من ارتباطه بالاقتصاد المنتج الحقيقي. وعوضا عن أن ينفق على الاستثمارات المنتجة, يهاجر من بلد إلى بلد, بحثا عن معدلات فائدة أكبر, وعن غيرها من فرص المضاربة. يحظى الرأسمال التمويلي المضارباتي المشترك في الألعاب العولمية, بحماية هائلة, متجسدة بالدولة العظمى المنتصرة, التي ترسي بحيوية نظام القطب الواحد العالمي. من الضروري تجنيد المخيلة للكشف عن الطيف الواسع لسيناريوهات التطور المحتملة".

 

ثمة سيناريوهيين تنبؤين, بنظر المؤلف:

 

°°- سيناريو إعادة بناء التوافق المدني, على أساس استبعاد دياسبورة الرحل, وذلك "عبر استنفار الطاقة الاجتماعية في النضال ضد المجمع المالي المضاراباتي, الذي يهدد بإعادة الرأسمالية من طورها الإنتاجي إلى المراباة القديمة".

 

يستجيب لهذه السمة نمط الرأسمالية الشعبي, أي نمط "مدمني العمل", الخارجين من سواد الناس, والذين قدر لهم أن ينظموا لأنفسهم عملا مستقلا غير كبير.  وانطلاقا من خطر الحرمان والإذلال, الذي يهدد به رجالات الاقتصاد الافتراضي جميع الشغيلة الشرفاء, يمكن لهؤلاء الأخيرين ألا يصيروا "ناخبين محتجين" وحسب, بل أن يحاولوا تجسيد احتجاجهم في شتى أنواع العصيان والتخريب السياسي والاقتصادي.

 

إننا, يقول الكاتب, نملك الحق اليوم في أن ننطلق من مقدمات مشابهة. "لن ينفي أحد وجود هاوية حقيقية الآن بين الطليعة الليبرالية الحالية وغالبية الشعب الصامتة, التي تعاني من عوز وحرمان لا مثيل له. إن الشعب اليوم مبعد عن المشاركة الحقيقية في السياسة ( تلبي السلطة نفسها حاجته إلى المعارضة السياسية, داسة الاستفزازيين بين صفوفه) وعن وسائل الإعلام. يصير صمت الشعب القسري في ظروف الاستياء المتنامي من سياسة الأوساط العليا أكثر دراماتيكية. يفترض الانقلاب السوسيوثقافي والسياسي المقبل على أقل تقدير, المساواة في التضحية, انطلاقا من روح الخدمة الاجتماعية والتقشف والمسؤولية. ويقع الخيار الحقيقي في مستوى مغاير, مرتبط بالاختيار بين ثقافة الاقتصاد الافتراضي الطفيلية, وثقافة الاقتصاد المنتج الحقيقي التقشفية التعبوية, هذا الاقتصاد القادر على المراكمات الاستثمارية الحقيقية, وعلى تحمل المسؤولية الاقتصادية طويلة الأمد".

 

°°- ثم سيناريو "العولمة البديلة", حيث العولمة اتجاها تطوريا لا ريب فيه, أي في الإمكان البحث عن البديل في إطار العولمة ذاتها, وليس خارجها أو بالضد منها.

 

يتلخص الرد على هذا التحدي في أن تستوعب المجموعات الاجتماعية الأخرى أيضا, من مواقعها ولمصلحتها إمكانات العولمة, فتعيد بذلك إقامة منظومة الموانع والتوازنات على مستوى جديد.

 

يفترض هنا توافر الحق لكل مجموعة اجتماعية, أو لأي نمط ثقافي, في أن يعيد على هواه تفسير الحداثة, وإقامة بدائله التي ينسجم معها. "فالتذمر من العولمة, التي تجسد اليوم السلطة العالمية للنخب المالية والشركات العبرقومية المتحررة من الرقابة الوطنية, شيء, وأن تحاول مواجهة منظمات رأس المال العولمية بمنظمة العمل العولمية, ومواجهة السلطة التنفيذية العولمية, المتمثلة بسيادة الولايات المتحدة الأمريكية الأحادية, بالسلطة التشريعية العولمية, التي توحد الآن سياسيا الأغلبية الضعيفة المنتمية إلى بلدان الأطراف العالمية, شيء آخر".

 

فإذا كانت قوى سياسية معروفة تصادر العولمة, فالمخرج لا يمكن أن يكون في مواجهة العولمة والجدل حول مبدئها, "بل بتوسيع المشاركة في هذه العملية, وتصحيح انحرافاتها في أثناء ذلك. بكلمات أخرى, لا يجوز أن نقف من العولمة موقف اللوديتيين, محطمي الآلات. ليست الحضارة التقنية باعتبارها تجسيدا للحداثة, منبعا لعدم المساواة الاجتماعية بقدر ما هي انعكاس له".

 

إن المشكلة تكمن في خلاص البشرية من شمولية السلطة الاقتصادية, التي حطت من شأنها بما فيه الكفاية, لعدم قدرتها على الأخذ بعين الاعتبار مصالح البشرية غير الاقتصادية, بما في ذلك أولويات الاستمرار البيئي والأخلاقي.

 

إن حقبة قاسية ومأساوية تنتظرنا في المستقبل. بالتالي, فثمة "حاجة إلى نمط شخصية مختلف, متنبه للمسؤولية عن الكوكب. ولبناء مثل هذا النمط, ثمة حاجة إلى سلطة روحية وسياسية كبيرة, أي إلى مدرسة التأهيل التقشفي الجديد. وهي كما هو واضح, سوف تكون عولمية تحديدا, وبديلة للمركزية الأمريكية الليبرالية الحالية...يفترض هذا نقلا جديدا لمركز العالم السياسي من القارة الأطلنطية إلى أوراسيا, لأن جو التقشف هو بالمعنى الجيوسياسي, جو قاري مختلف عن جو المحيطات. ففيه وحده يمكن تكوين الإنسان القادر على الوجود الأرضي المديد, في عصرنا المثقل بالمشاكل العولمية الحادة. ولكي لا تتهرب البشرية من هذه المشكلات, أو تؤجل حلها إلى مستقبل غير محدد, فإنها تحتاج إلى السلطة الروحية والسياسية".

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 25 شتنبر 2008