تكنولوجيا الإعلام والاتصال ومفهوم الدولة

يحيى اليحياوي

 

 

قد يتبادر للذهن للوهلة الأولى أن المقصود هنا هو مقاربة مفهوم الدولة أو الدولة/الأمة، على شاكلة ما فعله علماء الاجتماع أو المنظرين السياسيين، أو الإدلاء بالرأي في إشكالية معقدة شغلت الفكر والمفكرين منذ بدأت المجتمعات تتكون وتتقنن، وظهرت السلطة "كمؤسسة" لضبط الأفراد والجماعات.

والحقيقة أننا لا نملك الأدوات المعرفية ولا الإطار المعرفي الكافي (ولا التخصص) كي نتطلع إلى تأريخ تشكل الدول (أو الدول/الأمم) أو صيرورتها التاريخية و لا كيفيات توظيفها لإيديولوجية العنف أو تحالفاتها الداخلية مع رأس المال ومع النخب وما إلى ذلك من التنظيرات ووجهات النظر فقد كتب الكثير لدرجة نعتقد معها أن المفهوم قد استنفذ كل طاقاته التحليلية والتفسيرية.

 

ما يهمنا هنا بالأساس هو مساءلة المفهوم (مفهوم الدولة) على ضوء الطفرة التكنولوجية الكبرى التي عرفتها العقود الثلاثة الأخيرة للقرن العشرين سيما في ميدان تكنولوجيا الإعلام والاتصال(1).

ومساءلة المفهوم تنطلق في اعتقادنا من اعتبارين أساسيين اثنين:

+ الاعتبار الأول ويتعلق بإشكالية حركية المفاهيم وعدم قاريتها. فمصداقية المفهوم لا تتحقق إلا بثبوت وقارية "الظاهر القيمية" التي عبر عنها وتمأسسس من خلالها.

+ الاعتبار الثاني ويرتبط بتصاعد المعايير العالمية بحكم الممارسات ذات الأبعاد الكونية وتراجع الخطاب ذو القاعدة القطرية.

وهما الاعتباران اللذان جعلا من لدولة (ومفهوم الدولة) مجرد مرجعية جغرافية ليس إلا.

 

حركية مفهوم الدولة: عن المتغيرات الأساسية

 

عندما نتحدث عن الحركية (حركية مفهوم الدولة) فإننا لا نقصد الحديث عن تركيبة المفهوم الإبستمولوجية ولا عن طبيعة الدولة التي من شأن المفهوم أن يقاربها وينظر لها، إنما نقصد التغيرات الأساسية التي أسهمت في خلخلة مكوناته وإعادة رسم فضائه وتدفع باتجاه تشكيله ليستقطب الواقع الجديد.

ونعتقد أن هناك على الأقل ثلاثة متغيرات مركزية لا بد من الإشارة إليها ولو بعجالة:

+ هناك من ناحية أولى متغير الثورة التكنولوجية العميقة التي عرفها قطاع الإعلام والاتصال بعناصره الثلاثة (الاتصالات والمعلوماتية والسمعي-البصري)، وقد تحدثنا في أكثر ما من مناسبة عن حجم وطبيعة التحولات التكنولوجية الكبرى التي عرفتها هذه العناصر منذ ثمانينات هذا القرن على وجه التحديد.

ومعنى هذا أن هذه التحولات وما نتج عنها من تصاعد لظاهرتي التدويل والعولمة قد حدت من الطابع الوطني للدولة القطرية، إذ لم تعد مرجعيتها مطلقة بالنسبة لمصادر المعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد، أي أن المستوى الوطني لم يعد المقياس الاستراتيجي الساسي كما كان عليه من ذي قبل. فهناك "تهميش تدريجي لمبادئ ونظم وأنماط التنظيم والتقييم للمصادر المادية واللامادية المرتكزة سابقا حول وحدانية وتناسقية النظام الوطني (دولة وطنية، اقتصاد وطني، عملة وطنية، قانون وطني، سيادة وطنية، بنك وطني، تربية وطنية، سكك حديدية وطنية، ثقافة وطنية...الخ"(2).

 

هذا "النظام" الوطني بدأ يتآكل وبسرعة نتيجة التداخل المستمر والمتسارع بين الدول والاقتصاديات والثقافات وإنتاج الخيرات خارج البلد/الموطن للفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.

وبقدر ما يتآكل النظام الوطني على المستوى المحلي، بقدر ما يتسع ويتعاظم على المستوى العالمي (أو الدولي) باتساع وتعاظم دور الفاعلين "الجدد" (وفي مقدمتهم الشركات المتعددة الجنسيات) والذين أصبحوا "مركز السلطة الجدد"(3).

ومركز السلطة هذا إنما "يستجلبونه" من امتلاكهم لقوة القرار، قرار توزيع الموارد الاقتصادية والتكنولوجية على المستوى الكوني.

 

+ وهناك من ناحية ثانية متغير التكتلات الجديدة التي بدأت تميز طبيعة العلاقة بين الدولة و "الفاعلين الجدد" على اعتبار تراجع "مؤسسة" الدولة وتضاؤل هامش القرار من بين يديها.

وقد لا حظنا خلال السنين الأخيرة كيف أدت عمليات الهيكلة الصناعية وعمليات المضاربة المتوحشة إلى الخلاصة بأن الشركات الكبرى بإمكانها زعزعة الأنظمة وموازين القوى الاقتصادية بين الدول والمجموعات.

فالواقع الجديد لا يتمثل في معرفة هل الشركات هي المسيرة والدول هي التابعة (ويعني غرفا لتسجيل القرارات المتخذة من طرف الآخرين) بل في حركية التحالفات الجديدة تربط والشركات على اعتبار تكنولوجيا الإعلام والاتصال نتج عنها وفي ظلها تدويل فالدول ليست بل لا زالت نشيطة وربما أكثر على الساحة التكنولوجية والاقتصادية العالمية لكنها لا تحدد لوحدها قواعد اللعبة. والشركات لم تعد الفاعل الخصوصي في مواجهة الدولة لكنها لا تتبع عموما الدولة ما دامت (هذه الشركات) تتفوق عليها وتتعداها.

 

والمقصود هو أن الظاهرة أعمق مما عهد من ذي قبل، إذ الشركات أصبحت مركز الحاكمية(4) في الاقتصاد العالمي بتزكية من الدولة "المحلية" صغيرة كانت أو كبيرة.

 

وشروط هذه التحالفات إنما تكمن حسب ريكاردو بتريلا في:

"+ التداخل المتزايد بين التكنولوجيا (معلوماتية واتصالات وإلكترونيات دقيقة وتكنولوجيا بصرية...الخ) والقطاعات (فلاحة، كيمياء وطاقة، تليماتيك ووسائل إعلام) وهذا ما يضطر الشركات للبحث عن الوسائل الكفيلة ب "تغطية" (مباشرة أو بطريقة غير مباشرة) مجموع القطاعات القادرة على التأثير على التطور المستقبلي لمدان نشاطها.

وبالنظر إلى قوة الدولة في الاقتصاد، فإن التحالف مع الدول في البلدان التي يحسب لها حساب، من شأنه أن يحقق تغطية كافية.

+ المصاريف المتزايدة للبحث والتطوير ( يجب ثلاثة ملايير دولار من أجل تصميم وتطوير جيل جديد من طائرات بوينغ 747 وتطوير نظام جديد للتقاسم الهاتفي الرقمي يستدعي توفر ثلاثة ملايير أيضا) وتزايد هذه المصاريف في محيط غير مستقر يدفع الشركات للبحث عن مساعدات لدى الشركات الأخرى (أجنبية غالبا) وكذا لدى الدولة.

+ وتقلص الدورة الحياتية للسلع (من ستة أشهر إلى ثمانية، من اثنين إلى ثلاث سنوات في ميدان الأتمتة والمعلوماتية. للتذكير ف 15 بالمائة من السلع المعروضة في السوق سنة 1987 من طرف هاو ليت باكارد لم تكن موجودة ثلاث سنوات من قبل"(5).

 

وهناك من ناحية ثالثة المتغير المتمثل في مستوى تنظيم "المجتمعات الإنسانية" في ظل الثورة العلمية والتكنولوجية وتصاعد قيم العولمة والشمولية.

هذه المجتمعات لم تعد محلية أو بالأحرى وطنية، وفق معطيات محلية/جهوية، إقليمية ودولية بالتالي فالدولة لم يعد لها أن تتهيكل وتعمل على المستوى الإقليمي والدولي وفق نفس التنظيم والمنطق الذي تهيكلت به وعملت على أسسه في إطار الدولة/الأمة أو الدولة الوطنية.

هذه المتغيرات الثلاثة إنما سقناها للتدليل على مسألتين أساسيتين اثنتين:

° المسألة الأولى وترتبط بحركية الفضاء و "منظومة القيم" التي بدأت تحكم منطق الدولة، وهو ما سيؤثر حتما على حركية المفهوم باتجاه إغنائه وإثرائه.

° المسألة الثانية وتعلق بالوظيفة الجديدة التي بدأت تلبسها الدولة المحلية وتتبناها وتتمثل في كون الدولة لم تعد لا فاعلا ولا حكما لا في إنتاج وإعادة إنتاج القيمة على المستوى الدولي فحسب (قد تلعب الدولة هذا الدور لكن هامشيا وبصورة غير مباشرة) ولكن في المنافسة الدولية بحكم تصاعد أدوار الفاعلين "الجدد".

 

حركية مفهوم الدولة: عن تصاعد "المعايير العالمية"

 

ويتمثل تصاعد هذه المعايير من بين ما يتمثل فيه في:

+ سقوط ما يسمى ب "محرمات الوحدة الترابية" لا بحكم ممارسات الشركات العبر وطنية وإسهامات تكنولوجيا الإعلام والاتصال فحسب، ولكن أيضا بحكم تراجع القواعد والنواميس التي كانت إلى حين عهد قريب، تحمي الدولة القطرية وتضمن سيادتها: ف "القواعد التي كانت تحصن الدولة ضد الانهيار وتحمي حدودا انهارت وشاهدنا سقوط إمبراطوريات من دول متعددة القوميات وولادة دول جديدة، ونعيش انفجارا ضخما في عدد الدول، وصار مقبولا إعادة رسم حدود دولة أو تقسيم أخرى بعدما كانت موازين وقواعد معينة تحمي دولا هشة من هذا المصير.. ومع سقوط قدسية الدولة ككيان سقط بالطبع ما هو أسهل من ذلك وهو قدسية السيادة وصارت هنالك جرأة أكبر مع المعطيات الجديدة للتدخل تحت عناوين كثيرة أو لتبرير التدخل وتقييد سيادة الدولة"(6).

 

ومعنى هذا أن الحدود الجغرافية التي كانت إحدى مقومات الدولة والسيادة، بدأت تتآكل بحكم الاتجاهات الحاصلة نحو تقنين السيادة المحدودة وكذا انتصار "قيم ومعايير عالمية" تدفع باتجاه "تقزيم" الدولة والسطو على مكونات سلطتها (الجغرافية والبشرية وكذا احتكار العنف الشرعي) من قبيل بروز قانون دولي لحماية البيئة وحماية الجماعات المستضعفة والمضطهدة وغيرها.

 

+ انتصار القيم اللليبيرالية ومبادئ الحرية وحقوق الإنسان لدرجة دفع معها البعض للحديث عن "نهاية التاريخ"(7) بانتصار هذه القيم والمبادئ والحقوق.

ومعنى هذا أن اندحار الإيديولوجيات والشموليات إنما يعكس ضمنيا "الاعتراف بالتعددية وعصر حقوق الإنسان" وانتصار اللليبيرالية والديموقراطية على الشمولية والقطعية وصعود مفاهيم العلم والتقنية والاتصال. بالتالي خضوع هذه القيم الجديدة لا لمعايير وطنية محدودة ولكن لقواعد عالمية يتبناها "المجتمع الدولي" ويدافع عنها. وهو ما بدأ ينظر له في إطار طرح: كبرى المشاكل عالمية وأنجع الحلول لا يمكن إلا أن تكون عالمية. ولعل التطور الحاصل في مجال الحماية الدولية لحقوق الإنسان إحدى هذه النماذج.

 

وقصد القول إن "المضمون العالمي" لممارسات الدولة القطرية بدأ يتزايد ويتسع بتزايد واتساع فضاء هذه الدولة وتدويل الأسواق والتكنولوجيا بالتالي تزايد "مسؤوليات" الدول إزاء بعضها البعض.

 

+ وحتمية التكتلات الاقتصادية الكبرى بين الدول والفضاءات الجغرافية وما ترتب عن ذلك من نتائج تمثلت بالأساس في انهيار حاجز المسافات بينها" مع ما يعنيه ذلك من تزايد إمكانيات التأثير والتأثر المتبادلين وإيجاد نوع جديد من التقسيم الدولي للعمل الذي يتم بمقتضاه توزيع العملية الإنتاجية الصناعية بين أكثر من دولة بحيث يتم تصنيع مكونات أي منتج نهائي في أكثر من مكان واحد. وقد انعكس كل ذلك بلا شك في تراجع بعض مفاهيم علم الاقتصاد التقليدي ونظرياته وتضاؤل دور الدولة من خلال سياسات الاقتصاد المخطط وإحلال دور القطاع الخاص محل القطاع العام في العديد من الدول"(8).

 

والتطور باتجاه التكتلات الاقتصادية العملاقة (التكامل الأوروبي في إطار الاتحاد الأوروبي، العمل الجماعي لمنطقة المحيط الهادي، منطقة التجارة الحرة الشمال أمريكية أو النافطا...الخ) إنما هي تعبير عن تبدل طبيعة القضايا والمشاكل التي بدأت تتجاوز آثارها ونتائجها الحدود السياسية (والاقتصادية) للدولة القطرية فرادى أو كوحدات مستقلة.

ما قصدنا إثارته هنا إنما هو الحاجة إلى ضرورة تجديد مفهوم الدولة بالنظر إلى ضخامة حجم التغيرات التي باتت تحدث في العالم وسرعتها الفائقة وتلاحقها المستمر.

 

هوامش

 

(1)- سنتوقف بالخصوص عند "الفضاء" الجديد الذي ترتب عن هذه الثورة.

 

(2)- Petrella. R, « Technologie et compétitivité, implications pour les politiques publiques », FAST, Juin 1990.

 

(3)- وهو متغير لا يعبر عن طبيعة جديدة لعلاقة الدولة برأس المال ولكنه يعمقها ويكرسها أكثر.

 

(4)- La gouvernance

 

(5)- Petrella. R, « technologie et compétitivité… », Art. Précité.

 

(6) ناصيف يوسف حتي، "أي هيكل للنظام الدولي الجديد؟"، مجلة عالم الفكر، المجلد 23، العددان 3-4، يناير/مارس- أبريل/يونيو 1995.

 

(7)- فرانسيس فوكوياما، "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" (ترجمة فؤاد شاهين و جميل قاسم، رضا الشايبي)، مركز الإنماء العربي، بيروت 1993.

 

(8)- علي الدين هلال، "النظام الدولي الجديد: الواقع الراهن واحتمالات المستقبل"، مجلة عالم الفكر، المجلد 23 مرجع سابق الذكر.

 

 

جريدة "الاتحاد الاشتراكي"، 14 أكتوبر 1996