تكنولوجيا الصفوة...
يحيى اليحياوي
من الثابت أن "التكنولوجيا المنقولة" لدول العالم الثالث لا يمكن لها آن تتماسس إن هي فرضت من فوق (من الدول الصناعية الكبرى وشركاتها المتعددة الجنسيات) وكرست كاختيار تكنولوجي من طرف النخب الحاكمة.
ومن الثابت أيضا أن شروط وظروف "النقل" حتى في حالاته المثلى، لا يمكنها أن " تموطن" التكنولوجيا إذا كانت التربة المستقبلة والإطار المؤسساتي ومستوى النمو الاقتصادي والتطور المجتمعي في معزل عن عملية النقل والتوطين، لا تفعل فيها أو تتفاعل معها.
وهو الانفصام الذي لاحظناه في معظم عمليات "النقل التكنولوجي". إذ لا يخرج هذا الأخير في صيرورته عن مبدأ الصفقات التجارية المحضة أو العقود الصناعية الخالصة شأنه في ذلك شأن باقي السلع والخدمات الرأسمالية.
بالتالي فمن الواجب إعادة صياغة طرفي هذه المعادلة على المدى الطويل والمتوسط من خلال إقامة بنية تحتية تكنولوجية حقيقية ومستقلة ما دام من المستحيل القيام بذلك على المدى القريب.
وما يصدق على التكنولوجيا كمعرفة وعلم، يصدق بالضرورة على تكنولوجيا الإعلام والاتصال وهي جزء من الأولى وذات كثافة علمية ومعرفية عالية.
إلا أن ما يلاحظ على أرض الواقع في دول العالم الثالث أمران اثنان:
+ الأمر الأول ويرتبط بعقدة الانبهار إزاء التطورات التكنولوجية الحالية نتجت عنها عقدة الاقتناء، اقتناء الجديد والرائج لدى الآخر بالتالي عقدة اقتناء "صفوة التكنولوجيا".
+ الأمر الثاني ويتعلق أساسا بالطابع النخبوي لهذه التكنولوجيا (صفوة التكنولوجيا) على اعتبار الشريحة التي تستفيد منها وتضغط من أجل اقتنائها وهي (أي التكنولوجيا) لا تعدو في نهاية المطاف كونها تكنولوجيا الصفوة صفوة القوم.
1- صفوة التكنولوجيا
من البديهي أن الاتجاهات الكبرى للتطورات التكنولوجية المعاصرة إنما هي نتاج مستمر وعميق لتظافر عمليات البحث والتطوير في أربعة روافد مركزية: تكنولوجيا اللالكترونيات الدقيقة، تكنولوجيا الاتصالات (الفضاء)، تكنولوجيا الأحياء (أو التكنولوجيا البيولوجية) ثم التكنولوجيا النووية.
ففي ميدان تكنولوجيا الإلكترونيات الدقيقة مثلا لم تتوقف التطورات عند مستوى اللالكترونيات الإنتاجية (إنتاج الأجهزة اللازمة لعمليات الإنتاج السلعي والخدماتي) أو المكونات الإلكترونية الأساسية (صناعة الوحدات الأولية الرئيسية المشتركة بين كل الأجهزة اللالكترونية ) بل تعدتهم إلى للإلكترونيات الاستهلاكية والمتمثلة أساسا في إنتاج الأجهزة المنزلية ومعدات التسلية والترفيه.
ما يسترعي الانتباه بشدة نهاية هذا القرن: الثورة العميقة التي عرفتها تكنولوجيا المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات. فبناء على "المعالجات الدقيقة وشرائح الذاكرة والحاسبات المصغرة، تم إحداث تطوير جذري في الاقتصاد والمجتمع الصناعي فيما يسمى ثورة المعلومات: أي تحقيق تغيير أساسي في تكنولوجيا المعلومات، إنتاجا وتجهيزا ونقلا وتوزيعا واستخداما على الصعيدين المحلي والعالمي"(1).
وتتجلى هذه الثورة بقوة في المعالجة الإلكترونية المحوسبة للمعرفة وليس للمعلومات كما كان الحال سابقا أو للبيانات كما كان الحال في السبق. وكذا الاتجاه المتسارع لزيادة أهمية "العنصر الناعم" مقارنة بتراجع الأجهزة أو "العناصر الصلبة". و "يتمثل ذلك في زيادة أهمية صناعة البرامج الجاهزة هندسة وإنتاجا وما يرتبط بذلك من تحليل النظم وهندستها بحيث أخذ هذا العنصر الناعم يستقطب الشطر الغالب من الإنفاق على البحث والتطوير والإنتاج في حقل اللالكترونيات الدقيقة".
وتتجلى الثورة بقوة أيضا في التغيير الجذري الذي عرفته طرائق ووسائط الاتصال" بغرض النقل المركب للصوت والصورة والكلمات المقروءة إما باستخدام الأجهزة الفضائية متمثلة في أقمار الاتصالات أو باستخدام كوابل الألياف البصرية تحت الماء والمحيطات حيث يحمل الكابل الواحد منها نحو 8000 مكالمة هاتفية مقابل 48 مكالمة للكابل النحاسي التقليدي".
واندماج تكنولوجيا معالجة المعلومات والمعارف (قواعد البيانات وبنوك المعطيات في الدول المتقدمة) مع تكنولوجيا الاتصالات (بالأقمار الصناعية الأخرى) قد نتج عنه ميلاد شبكات عالمية ضخمة تعبر الحدود والقارات و "تسقي" الدول (المجهزة بالأساس) بآلاف الخدمات والصور والبيانات والمعطيات بطريقة آنية ومنتظمة.
هذه الطفرة التكنولوجية الغير مسبوقة في تاريخ الإنسانية هي التي مؤسست على أساسها مصطلحات "اقتصاد الإعلام" و "مجتمع الإعلام" و "القرية الإعلامية الكوكبية"....الخ. وهي المعتقدات التي كرست "للاختيارات" التكنولوجية التي تبنتها دول العالم الثالث و لأطروحة "النقل التكنولوجي" وغيرها.
ما يشد الانتباه مباشرة عند قراءة الخطاب السائد لدى النخب الحاكمة في دول العالم الثالث، تبنيها المطلق لأطروحة مسايرة العصر وتكنولوجيا العصر، وتوظيف "مثقفيها" (اللقطاء يقول الجابري) لمصطلحات العولمة والتدويل والشمولية والعبر وطنية...الخ وكأن بلدانهم واقتصادياتهم جزء فاعل في الاقتصاد العالمي، يحدد مساره الراهن وآفاقه المستقبلية.
إلا أن محدودية الطرح لا تأتي من خطأ في فرضياته أو صواب في تنبؤاته بقدر ما تنبع من المضمون الإيديولوجي الذي يكتنفه ويمرر به بالتالي اختياراته. إذ لا أحد يجادل في ضرورة مسايرة العصر وتكنولوجيا العصر. ولا أحد أظن يرفض (ولو انتقاليا) معايشة عصره وأهل عصره. ولكن السؤال يكمن في كيفية مسايرة هذا العصر و"معايشته".
ففي غياب قيم الإبداع والتجديد (أو تغييبها) فقد ارتأت نخب العالم الثالث الارتكان إلى قيم غيرها قيم الآخر. وهو ما كرسته عبر "استجلابها" لكل ما جد لديه من "تكنولوجيا" متقدمة وما خرج من مختبراته من مستجدات.
ففي ميدان تكنولوجيا الإعلام والاتصال، لا نعتقد بوجود شبكة أو سلعة أو خدمة لم تعمل نخب العالم الثالث على استجلابها بدءا بالتلغراف والهاتف والتلكس والتلفزة والحاسوب وأجهزة الفاكس، وانتهاء بالشبكة الرقمية لتداخل الخدمات والانترنيت ومرورا بالفيزيزفون (الهاتف المرئي) والمنتيل الإلكتروني والتسوق عن بعد والتطبيب عن بعد والعمل عن بعد والسلسلة طويلة.
بمعنى ان ما نراه اليوم بالدول المتقدمة الكبرى من صفوة تكنولوجيا الإعلام والاتصال نجده بأغلب دول العالم الثالث حتى الفقيرة منها. ولعل الهاتف الخليوي أبرز الأمثلة على ذلك ناهيك عن العدد الهائل من المادة الإعلامية التي تأتي مباشرة عبر الأقمار الصناعية وتبث مباشرة عبر اصحون المقعرة والهوائيات الصغيرة الحجم وناهيك عن الحواسيب المحمولة ذات القوة الفائقة والتلفزات ذات الحجم السينمائي والتلفزات المشفرة والتلفزات التفاعلية وغيرها.
وفي غياب المعطيات الإحصائية المدققة عن عدد هذه الأعتدة والوسائط المعلوماتية والاتصالاتية بدول العالم الثالث، فإننا نتوقف باختصار عند ملاحظتين:
+ الأولى أن النخب الحاكمة بدول العالم الثالث لم ينحصر مشروعها في "استجلاب" ما هو ضروري ومطلوب اجتماعيا فحسب، بل تعدته إلى اقتناء أعقد ما وصلت إليه تطورات تكنولوجيا الإعلام والاتصال. بالتالي فهذه النخب هي اليوم في مأزق من أمرها على اعتبار أنها استهلكت مبكرا خطاب "الطرق السيارة للإعلام والاتصال" وهو ما زال في طور النشأة بالدول الصناعية نفسها.
+ الثانية أن هذه النخب لا تمرر لاختياراتها التكنولوجية من خلال طرح مسايرة العصر وتكنولوجيا العصر إلا من باب تجاوبها مع منطق النظام التكنولوجي الدولي وإرضاء للشريحة الدائرة في فلكها.
2- تكنولوجيا الصفوة
من شبه المؤكد أن وسائل الاتصال والتواصل كالهاتف والتلفزة مثلا كانت على حين عهد قريب حتى في الدول الكبرى حاليا، متمحورة حول النخبة (الصفوة) تتحكم فيها وتحتكرها بالقوة والقانون بالنسبة للهاتف، بالإمكانات المادية فيما يتعلق بالتلفزة: فخلال أكثر من "ثمانين عاما ساد الاعتقاد في الدول الأوروبية بان الهاتف إنما يستهدف جزءا جد محدود من المجتمع وحتى الستينات اعتقد بعض المسؤولين السياسيين الفرنسيين بأن الطلب على الهاتف لم يكن كافيا ليبرر طرح الهاتف الجماهيري"(2).
هذا الطرح هو نفسه الذي تبنته في سنوات 1890 شركة بيل الأمريكية للهاتف لحصر الاشتراك في هذه الخدمة على الشركات الكبرى وبعض الأفراد المحدودين على اعتبار الاعتقاد الضمني بأن هذه الوسيلة الجديدة إنما هي مخصصة لأغراض محددة (عسكرية بالنسبة للولايات المتحدة) لا يعقل معها "إسقاطه" في الميدان العام(3).
وسائل الاتصال والتواصل هاته لم تعد بالدول المتقدمة في الوقت الراهن حكرا على نخبة بقوة القانون ولا بقرار من الدولة المركزية. إذ تحولت مع مرور الزمن على وسائل جماهيرية قلما يحد القانون من استخدامها قدر ما تحد منها الإمكانات والموارد: فالهاتف والتلكس والفاكس والتلفزة والحاسوب وغيرها أصبحت وسائل اتصال جماهيرية بالدول المتقدمة واصبح إيصال العموم بشبكاتها ونظمها أمرا عاديا وتوظيف ما استجد من التكنولوجيا أضحى مسألة روتينية كتوظيف الحاسوب للتعلم عن بعد وتوظيفه والأقمار الصناعية للتطبيب عن بعد وتكريس التلفزة التفاعلية للتخاطب عن بعد واستعمال الهاتف المرئي للمحاورة عن بعد، وتوظيف تكنولوجيا البث المباشر لتتبع أخبار العالم بصورة مستمرة وآنية وهكذا.
وبقدر ما لا نتبنى هذا "الطرح المرحلوي" للقول بان ما كان نخبويا البارحة سيصبح جماهيريا اليوم وما هو نخبوي اليوم سيصبح جماهيريا غدا، بقدر ما لا نحاول المأسسة "لخطية التعامل مع التكنولوجيا". فالأمر أعقد من ذلك ويتطلب مبحثا لذلك.
ما نلاحظه، بغض النظر عن هذا الطرح طرح المرحلوية، أن من وسائل الاتصال والتواصل هاته ما كان نخبويا بدول العالم الثالث وبدأ يتطور باطراد باتجاه ما هو جماهيري كالتلفزة والهاتف وغيرهما، على اعتبارهما الوسيلتان الأكثر جماهيرية في وقتنا الحاضر، شانهما في ذلك شأن انتقال السيارة مثلا من مرحلتها النخبوية السابقة إلى مرحلتها الجماهيرية الحالية وهكذا.
هل يعني هذا أن تكنولوجيا الإعلام والاتصال لا بد لها أن تكون نخبوية قبل أن تتحول إلى جماهيرية؟
بمعنى آخر: ألا يمكن لتكنولوجيا معينة أن تكون جماهيرية في تكوينها وتروج على هذا الأساس؟
ليس من الهين ادعاء بإمكانية الجواب على هذه الإشكالية المعقدة والمركبة ولا نعتقد أن طرحا بهذه الصيغة يقدم الإشكالية في شيء.
إنما الملاحظ في علاقة التطورات التكنولوجية بالبنى الاجتماعية (إنتاجا واستهلاكا وفكرا) في الدول المتقدمة أن من التكنولوجيا ما يصمم خصيصا لشريحة اجتماعية واقتصادية معينة فتكون بذلك تكنولوجيا نخبوية كحصر استغلال الانترنيت لمدة طويلة على مستوى وزارة الدفاع الأمريكية، شأنه في ذلك شأن الهاتف والتلغراف والتلكس في بداياتهم الأولى. ومن هذه التكنولوجيا ما يصمم على أساس الرواج الاستهلاكي الواسع كالذي عرفه المنتيل بفرنسا أو الهاتف الخليوي بدول أوروبا الشمالية.
والقصد هو أن "الطابع النخبوي" لتكنولوجيا الإعلام والاتصال بالدول المتقدمة إنما يخضع لظاهرة الشيوع التكنولوجي(4) إذ كلما ازداد هذا الشيوع واتسع كلما تراجع الطابع النخبوي لهذه التكنولوجيا والعكس صحيح. بالتالي فمع تسارع التطورات التكنولوجية تتقلص الفترة الزمنية التي تفصل بين "احتكار الأقلية المترفة" لهذه التكنولوجيا وبين شيوع هذه الأخيرة على مستوى جماهيري يتسع بتحسن إمكانات الفرد المادية وبقوة الحملات الإعلانية وكذا تجذر التكنولوجيا في الثقافة والمجتمع.
من هنا يمكننا القول إن الواقع هو الذي جعل التكنولوجيا أن تكون محصورة على عدد محدود من الشرائح الاجتماعية قبل أن "تسقط" في الميدان العام وتكرس جماهيريا: بمعنى أن التكنولوجيا في الغرب لم تخلق نخبوية ولم يكن لها أن تكون نخبوية. إنما اعتبارات الدولة ومنطق الاحتكار الذي ميز الشركات المتخصصة الأولى هي التي طبعتها بذلك. ولما تسارعت المنافسة وأزيح الطابع الاحتكاري عن ممارسات هذه الشركات كرس الواقع الجديد الطابع الجماهيري لهذه التكنولوجيا.
ما نلاحظه عموما بالنسبة لتعامل دول العالم الثالث مع التكنولوجيا عموما وتكنولوجيا الإعلام والاتصال بوجه خاص أن عمليات "النقل" العشوائي لا تعدو كونها استجلابا من طرف النخبة ومن أجل النخبة: اقتصار التلغراف والهاتف على المقيم العسكري وحاشيته في مرحلة الاستعمارات ومركزيتها في يد السلطة السياسية كأحد عناصر تثبيت مشروعية الدول الناشئة في المرحلة الأولى للاستقلالات السياسية، إلى جانب احتكار الإذاعة والتلفزة كأحد مكونات نشر الإيديولوجيا الجديدة فيما بعد...الخ.
لكن انتشار وسائل "الإعلام الجماهيرية" فيما بعد (صحف، إذاعة، تلفزة...الخ) على نطاق شبه واسع (على الرغم من كون نصيب الفرد من هذه الوسائل بدول العالم الثالث لا يزال ضعيفا) لم يكن له أن يتمأسس إلا في ظل الثورة التكنولوجية لبداية الثمانينات بحكم تعدد الوسائط وتشعبها وتراجع مكانة وسائل الإعلام الجماهيرية، بالتالي ترفع النخب عن الارتكان إلى وسائل لم تعد مقصورة عليها.
وبصرف النظر عن كون التلفزة والهاتف اصبحا من ضمن "السلع الجماهيرية" التي تمس معظم الشرائح المجتمعية فقد عملت النخب على "اقتناء" ما جد فيها واستجد: فنرى في العالم الثالث من يتطلع للاستفادة من مزايا التلفزة الرقمية والتلفزة التفاعلية والتلفزة بالأداء ثم الهاتف السيار والهاتف الخليوي مرورا بطلب كل ما توفره شبكات الاتصالات من خدمات كالهاتف المرئي والندوات عن بعد والتطبيب عن بعد وما إلى ذلك.
يقول محمد عابد الجابري إن "أحد أقطار الخليج العربي يستعمل أهله، وعددهم لا يتجاوز نصف مليون نسمة، من آلات هاتف الجيب ما يفوق ما يستعمله بلد مصنع كفرنسا. ومعلوم أن هاتف الجيب هو أداة اتصال داخل المعامل والمؤسسات التي يتم فيها العمل والإنتاج بوتائر لا تسمح بإضاعة الوقت في التنقل بضعة أمتار لإبلاغ هذا العامل أو الفني معلومة من المعلومات"(5).
والقصد هو أن ما "تستجلبه" دول العالم الثالث من تكنولوجيا عالية الدقة لا يهم الشرائح الاجتماعية قدر ما يخدم النخب الحاكمة والدائرة في فلكها. فالتكنولوجيا "المستوردة" إنما هي تكنولوجيا الصفوة: كيف للجماهير أن تستفيد من الهاتف المرئي والتلفزة التفاعلية والتلفزة الرقمية وغيرها، وهي لا تملك لا إمكانات اقتنائها و لا تتفاعل مع القيم الممررة عبرها؟ كيف لها أن توظف الهاتف السيار والهاتف الخليوي ومعظمها لا يعير الوقت مقياسا؟ كيف لها أن تتبنى خدمة العمل عن بعد والبطالة ضربت فيها الأطناب؟ كيف لها ان تتفاعل مع معطيات الانترنيت ومؤسسة "البحث العلمي" لا اعتبار لها؟ من أين لها الإمكانات لتتجهز كي تتفاعل مع الضخ الهائل المتمثل في قواعد وبنوك المعطيات؟ من أين لها لغة التواصل مع الآخر والأمية تنخر عقول أبنائها؟
هذه الأسئلة إنما سقناها هنا للتركيز على أمرين مهمين في اعتقادنا:
° أن ما يستجلب من تكنولوجيا (سيما في ميدان الإعلام والاتصال) إنما هو اختيار للنخبة من أجل النخبة تحت غطاء مسايرة العصر وتكنولوجيا العصر والجماهير العريضة الواسعة براء من ذلك.
° أن انتقال هذه "الوسائط التكنولوجية" من مرحلة النخبة إلى مرحلة الجماهير ليس خطيا و لا ضربا من ضروب المرحلوية المبشرة. بل هو تبرير لاختيارات تكنولوجية أقل ما يمكن وصفها به: انفصامها الصارخ عن الواقع وفشلها في صياغة البديل.
° وأن صياغة البديل لا تأتي بمرسوم أو بقرار ولا من الممارسات المظهرية البائسة... ولكن من تبني رؤية مستقبلية أولى مراحلها: تخليص الفكر والممارسة من النخبوية.
هوامش
(1)- محمد عبد الشافي عيسى، "العرب والعالم والتكنولوجيا المتقدمة"، مجلة الوحدة، العدد 86، نونبر 1991.
(2)- Flichy. P, « Vers un nouveau modèle de gestion des réseaux de communication », In Réseaux, n° 66, CENT , 1994.
(3) El Yahyaoui. Y, « Les télécommunications à l’épreuve des mutations : Etat , monopole, déréglementation et concurrence », Ed. Okad, 1995.
(4)- La diffusion technologique
(5)- محمد عابد الجابري، "المسألة الثقافية"، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1994.
جريدة "الاتحاد الاشتراكي"، 21 أكتوبر 1996