عن النظام الدولي الجديد و عن "نظامه الإعلامي"

 يحيى اليحياوي

  

من الثابت نهاية هذا القرن أن تراجع الخطاب المطالب بإقامة نظام عالمي جديد للإعلام والاتصال، كامتداد طبيعي للمطالبة بإرساء أسس نظام اقتصادي عالمي جديد يكون الهدف منهما تقليص الاختلالات والتفاوتات التي تطبع العلاقات بين دول المال ودول الجنوب.

ومن الثابت كذلك أن تراجع الخطابين إنما جاء نتيجة للمعارضة الشديدة التي لقيها من لدن الدول الغربية الكبرى، عبرت عنها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بالانسحاب على اعتبار "أد لجة" المؤسسة (اليونسكو) التي تشبثت دول العالم الثالث في ظلها بالنظامين.

ومن الثابت أيضا أن الإحباطات التي لحقت الأبعاد الإقليمية لكلا النظامين، سيما بعده العربي باعتباره جسرا لتكريس فلسفة وأهداف النظامين على مستوى المنطقة العربية.

بالتالي فإن فلسفة  هذين النظامين وأهدافهما قد وظفا نتيجة هزتين كبيرتين في العلاقات الدولية (تفتت الاتحاد السوفيتي من جهة وحرب الخليج الثانية من جهة أخرى) في بروز وشيوع خطاب جديد مررت له الولايات المتحدة باسم النظام الدولي الجديد على الرغم من أن ما وجد فيه لا يعدو كونه التبني الأمريكي له.

 

وعلى الرغم من كون النظام الدولي الجديد لم يكتمل تشكيله وهيكلته بعد، على اعتبار نسبية استقرار مكوناته العضوية، فإنه قد خلق لنفسه نظاما إعلاميا برزت معالمه الأولى في تغطية حرب الخليج الثانية، موظفا في ذلك أقوى ما وصلت إليه تكنولوجيا الإعلام والاتصال، واثبتت الوقائع تهميشه الممنهج لمشاكل العالم الثالث وتشويهه الصارخ لقضاياه وتطلعاته المستقبلية.

ا-ا- يعتقد جانب كبير من الباحثين والأكاديميين أن اصطلاح النظام الدولي الجديد قد استعمل لأول مرة على لسان الرئيس السوفيتي السابق (الأخير) غورباتشوف في إطار حديثه عن النظام الذي أعقب الحرب الباردة مباشرة وأنهى احتمالات المواجهة بين الشرق والغرب، والمرتكز على مبادئ توازن المصالح عوض توازن القوى ونزع الطابع الإيديولوجي الذي ميز العلاقات الدولية...الخ.

إلا أن شيوعه "المدوي" لم يتأتى له إلا على لسان الرئيس الأمريكي جورج بوش إثر انفجار أزمة الخليج الثانية في غشت 1990. وقد استطاع الرئيس الأمريكي توظيفه بذكاء لحشد التأييد الدولي ضد العراق والحصول على غطاء الشرعية من منظمة الأمم المتحدة، بالتالي ردع "التطلعات الإقليمية" للعراق عبر تدمير آلة الحرب التي جعلت منه "رابع قوة عسكرية في العالم".

يقول جورج بوش، " إن حرب الخليج كانت المحك الأول لنظام عالمي جديد...وأن أركان النظام الدولي هي: تسوية المنازعات بالوسائل السلمية، والتضامن الدولي في مواجهة العدوان، والعمل من أجل تخفيض مخزونات الأسلحة وإخضاعها للسيطرة ومعاملة الشعوب معاملة عادية"(1).

يظهر من هذا أن النظام الدولي الجديد لم تكرس فيه حرب الخليج إلا جانبه "الاستقطابي" على اعتبار تني الاتحاد السوفيتي (سابقا) للطرح الأمريكي وعدم رسي المجموعة الأوروبية على موقف متجانس، وعلى اعتبار حياد اليابان وانضباط "المجموعة العربية" والطرح الجديد بحكم ولاء معظمها للولايات المتحدة الأمريكية.

 

ما يشد الملاحظ للتطورات العالمية التي واكبت خطاب النظام الدولي الجديد ملامحه التكنولوجية البارزة، والتي أهلت الولايات المتحدة بامتياز لاحتلال مركز الدارة بدون منازع في إعادة تشكيل بنية العلاقات الدولية لما بعد الحرب الباردة.

ويوجز علي الدين هلال هذه الملامح في خمسة يعتبرها أساسية لفهم انتقال العلاقات الدولية من نظام تقليدي إلى نظام جديد:

+ الملمح الأول ويتمثل في "الثورة الهائلة في وسائل الاتصال ونقل المعلومات وسرعة تداولها عبر الدول، وما ترتب على ذلك من اختصار غير معهود للزمن والمسافات بين مختلف مناطق العالم، الأمر الذي جعل أفكارنا ومفاهيمنا عن الظواهر والأشياء تتأثر إلى حد بعيد بالأحداث الجارية والتطورات المتلاحقة على امتداد هذا العالم...وإلى الحد الذي حمل بعض المفكرين الاجتماعيين، مثل آلفن توفلر، إلى التساؤل بشأن مدى قدرة الإنسان على التكيف مع هذه الدرجة غير المسبوقة من السرعة في تداعي الأحداث وتلاحقها.

+ الملمح الثاني ويتجلى في خاصية الثورة العلمية والتكنولوجية التي أغرقت "المجتمعات" بالسلع والأجهزة والمعدات ووسائل إنتاج وتوزيع واستهلاك العلم والمعرفة: ف "إذا كان العالم قد انتظر ما يقرب من 1800 عام حتى تبدأ الثورة الصناعية الأولى، وأنه لم يدخل في عصر الثورة الصناعية الثانية إلا بعد مائة عام من ذلك التاريخ، واحتاج فقط إلى ما يزيد على ربع قرن ليدخل في عصر الثورة الصناعية الثالثة، إلا أنه أصبح اليوم وربما في أقل من عشر سنوات على مشارف ثورته الصناعية الرابعة".

+ الملمح الثلث ويكمن في تزايد الاعتماد الدولي المتبادل، سيما مع تصاعد ظاهرة الشركات المتعددة الجنسيات، إذ "أصبح من الشائع اليوم أن نجد العديد من المنتجات الصناعية (سيارات، أجهزة الكترونية ، حاسبات آلية...الخ) يتم تجميع مكوناتها في أكثر من دولة بحيث تقوم كل واحدة منها بالتركيز على/أو بالتخصص في صنع أحد هذه المكونات فقط".

+ الملمح الرابع ويستشرف من الخاصية العالمية (أو الكونية) للمشاكل الدولية الكبرى (كالتلوث والإرهاب والمجاعة...الخ) حيث لم يعد حلها "على النطاق الإقليمي لمجموعة من لدول بذواتها، وإنما اهتدت هذه الآثار وتلك النتائج إلى دول أخرى متباعدة جغرافيا...".

+ الملمح الخامس ويرتبط بالتبدل الكبير الذي طرأ على مبدأ السيادة الوطنية بمفهومها القانوني التقليدي. بمعنى أن القضايا القومية (الإقليمية) مما أصبح يتطلب لا معالجة فوق-قومية فحسب، ولكن تدخلا دوليا مباشرا كالذي وقع في الصومال لإنقاذ شعبه من المجاعة، وخصص له شعار "إعادة الأمل". وهو التدخل الذي بدأ يمرر له عبر مبدأ "التدخل الدولي لأغراض إنسانية"(2).

 

هذه الملامح الخمسة الكبرى هي التي مأسست "لأطروحة" النظام الدولي الجديد وكرست له بالتأكيد كمرجعية أولى في العلاقات الدولية "الجديدة".

 

ما يهمنا هنا هما الملمحان الأول والثاني ليس فقط على مستوى تكريس الخطاب "الجديد" ولكن أيضا وبالخصوص لكونهما يدلان على توظيف الولايات المتحدة لهما قبل وأثناء وبعد حرب الخليج الثانية... وقد تعدت الأدبيات في هذا المجال وتنوعت.

ما يقدم إشكاليتنا ليس تبني هذه الأدبيات للنظام الجديد، فقد تبناه جانب كبير منها وعارضه جانب آخر وتحفظ على طرحه جانب ثالث، ولكن توظيف تكنولوجيا ووسائل الإعلام والاتصال للترويج للنظام الجديد أثناء تغطيتها لحرب الخليج الثانية.

 

وتغطية أزمة الخليج هاته في ظل النظام الدولي الجديد تسائل الباحث والمتتبع على أكثر من مستوى:

°- المستوى الأول: لم يسبق في تاريخ الإنسانية أن "تمتعت" الصراعات والحروب بين الدول والشعوب بالسرعة التي حسمت بها ولا التغطية الإعلامية الشاملة والمستمرة كالتي شهدتها حرب الخليج الثانية.

فإذا كانت الحرب قد حسمت لصالح التحالف "العربي/الغربي" في فترة جد وجيزة من الزمن، فذلك راجع بالأساس للتطورات العميقة التي عرفتها التكنولوجيا الحربية عتادا وبرامجا في مجال الدفاع وبناء القدرات العسكرية (توظيف الرادارات، استعمال السواتل في نقل المعلومات، استخدام الإلكترونيات في تحديد الأهداف...الخ).

وإذا كانت دول العالم قد تمكنت من متابعة أطوار الحرب على مدى 24 ساعة متكاملة، ف "الفضل" في ذلك يرجع لتكنولوجيا الإعلام والاتصال ذات البث المباشر والسرعة الفائقة في تغطية مجموع نقط الكرة الأرضية.

°- المستوى الثاني: لم تكرس حرب من حروب ذي قبل التلفزة كوسيط أسمى يعلو بامتياز على باقي الوسائط السمعية-البصرية كالذي كرسته حرب الخليج الثانية. فحرب الخليج هي الأولى من نوعها التي تمكنت من ترسيخ هيمنة التلفزة على باقي وسائل الإعلام المنافسة سيما المكتوبة منها والتي أرغمت للتكيف مع واقع الأمور، مهملة في ذلك دورها التثقيفي والفكري.

ولعل الشبكات الأمريكية الكبرى كشبكة س.ن.ن (الذائعة الصيت في تغطيتها المباشرة والمستمرة لحرب الخليج) من الشبكات التي رسخت تربع التلفزة على قمة وسائل الإعلام والاتصال الأخرى.

°- المستوى الثالث: لم توصف حرب من ذي قبل بحرب التضخيم والفرجة كالتي وصفت بها تغطية حرب الخليج الثانية. فلم يكن الهدف الأساسي من النقل المباشر والحي لوقائع الحرب وتطوراتها تنوير الرأي العام (الأمريكي منه على وجه الخصوص) قدر ما كان يعرض للحرب في إطار من الإخراج التلفزي والسينمائي على النمط الهوليودي كما يستلطف ذلك الشعب الأمريكي: أن يقدم رجل إعلام تقريره الصحفي على متن ناقلة جنود أو على مثن سيارة حرب (شار)، أو أن "يخرج" صحفي آخر استجوابا من قلب بغداد مع الرئيس العراقي، فكلاهما ضرب من ضروب التضخيم والفرجة التي "تتلذذ" بإخراجها وإذاعتها، لجمهور متعطش، القنوات التلفزية ذات البث الكوني المباشر لدرجة تقديم الحرب "كمزيج بين لورنس العرب وحرب النجوم".

°- المستوى الرابع: لم يسبق لسلطة، اصطلحت على نفسها السلطة الرابعة، كسلطة وسائل الإعلام والاتصال (على اعتبار استقلاليتها ورفض رضوخها للضغوطات) أن رضيت المؤسسة التنفيذية عنها كما رضيت أثناء تغطيتها لحرب الخليج الثانية.

تقول مارلان فيتز ووتر، الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض في عهد جورج بوش، إن "الرئيس قد رأى في التغطية الإعلامية لهذه الحرب شيئا ممتازا"(3).

°- المستوى الخامس: لم يسبق لوسائل إعلام واتصال في حرب سابقة أن كيفت ونمطت سلوك "الاستهلاك الإعلامي" كالذي مارسته عليه هذه الوسائل أثناء حرب الخليج الثانية. فلأول مرة ينفصل التعليق عن التحليل على أعلى مستوى، ولأول مرة يتحول الصحفيون إلى "صناع تاريخ" على اعتبار ما روجوه كقولهم بأن عقدة فيتنام قد انمحت وأن الجندي الأمريكي قد استرجع كرامته.

°- المستوى السادس: لم يسبق لسلطة، تدعي كونها سلطة رابعة، أن خضعت خضوعا شبه مطلق للتعليمات العسكرية كالذي لامسناه أثناء تغطية هذه السلطة لأطوار حرب الخليج الثانية.

يقول أحد الصحفيين إن "الرئيس بوش والعسكريين قد نجحوا في مراقبة الخبر لدرجة أنهم لم يمرروا إلا للأشياء التي أرادوا تمريرها. والأدهى من ذلك أن الصحافة والجمهور قبلوا بالبث المنتقى"(4).

 

وقصد القول إن تحرك "الآلة الإعلامية" إنما كرس وبامتياز لخدمة الأغراض الحربية والدعائية التي رسمتها المؤسسة العسكرية والحيلولة دون تكرار تجربة التغطية الإعلامية التي واكبت حرب الفيتنام(5).

وقد ذهبت الرقابة العسكرية لدرجة منع بعض "المحللين الموضوعيين" من التعبير عن رأيهم في الشبكات التلفزية الرسمية، أو تبرم هذه الشبكات عن بعض الوجوه البارزة كالذي جرى للقس جسي جاكسون لاشتباه علاقاته مع كبار المسؤولين العراقيين.

 

هذه المستويات الستة إنما سقناها للإشارة ليس إلا إلى طبيعة وأهداف "النظام العالمي الإعلامي" الذي واكب حرب الخليج الثانية وطرح "النظام الدولي الحديد".

وميزة "إعلام النظام الدولي الجديد" الأساسية خضوعه الشبه المطلق، أثناء حرب الخليج، للمؤسسة العسكرية والسلطة التنفيذية وبالتالي تراجعه كسلطة رابعة مستقلة نزيهة وموضوعية.

وميزة هذا الإعلام أيضا تهميشه وتشويهه "المعقلن" بعد حرب الخليج، لمشاكل وقضايا دول العالم الثالث وإجهاض تطلعاتها في علاقات دولية جديدة كما وعد بذلك النظام الدولي الجديد.

 

1-2- أن نتكلم عن "إعلام" النظام الدولي الجديد بعد انتهاء الاتحاد السوفيتي وحرب الخليج الثانية لا يعني أن النظام و "إعلامه" قد مؤسس لهما نشأة وتشكلا، واستقرت مكوناتهما البنيوية ليصبحا مرجعية أولى في العلاقات الدولية.

ما يهمنا من خطاب النظام الدولي الجديد (والإعلام أحد مكوناته البنيوية الأساسية) أو هيكله ولا مستوى التزام الدول به كمرجعية لهذه العلاقات (وسببنا في هذا تراجع الخطاب المروج له مند وصول الديموقراطيين إلى السلطة في الولايات المتحدة) ولكن ما يهمنا بالأساس، تداعياته ودرجة احترام القيم التي تبناها واضعوه.

فعلى الرغم من تقلص الخطاب (الذي ساد طيلة حرب الخليج وبعدها) على إثر انهزام جورج بوش في الانتخابات الرئاسية، فإن الظروف الدولية الراهنة لا تزيده إلا تكريسا على مستوى الممارسة لا فيما يخص العلاقات السياسية بين الدول فحسب، ولكن أيضا اعتبارا للعلاقات الاقتصادية والإعلامية الدولية السائدة.

 

ما يشد انتباه الملاحظ لطبيعة العلاقات بين الدول، منذ سقوط الاتحاد السوفيتي وانتهاء حرب الخليج، التراجع الخطير الذي عرفته هيئة الأمم المتحدة في ظل النظام الدولي الجديد. فبغض النظر عن تزكية المنظمة (بمعنى تزكية أعضاء مجلس الأمن الدائمين) لحرب الخليج وتواطؤها الصارخ في تشديد العقوبات الاقتصادية على العراق، فإن قراراتها غالبا ما تسير والرؤية الأمريكية ومصالحها الخاصة.

 

وخاصية التراجع هاته توازيها خاصية أخرى أشد خطورة: خاصية التهميش في حل النزاعات والمشاكل الكبرى. فقد انفردت الولايات المتحدة (إلى حد ما بتنسيق مع حلفائها الغربيين) بالعمل على حلها بعيدا عن تعقيدات "البيروقراطية الأممية". ولعل التدخل الأمريكي في الصومال ("لاعتبارات إنسانية") تحت إشراف أممي خير دليل على ذلك، بالإضافة إلى "صنع العملية السلمية" في الشرق الأوسط وكذا فض "النزاع" بين جمهوريات يوغوسلافيا السابقة وغيرها.

 

ما يميز" النجاحات" الأمريكية المذكورة (سيما في الشرق الأوسط ودول البلقان) تغييبها الواضح لدور الأمم المتحدة وتفعيلها لدبلوماسيتها الخارجية، وهو ما لم يكن ليتسنى لها في ظل القطبية الثنائية وظروف الحرب الباردة(6).

ما نلاحظه باستغراب، إلى جانب كل هذا، التحييد النسبي لدور وسائل الإعلام في تغطية مراحل المفاوضات التي عموما ما تسبق حل الأزمات، إذ غالبا ما يتم الإعلان عن حل أزمة معينة يوم إمضاء الاتفاق بالأحرف الأولى في طقوس من الإخراج التلفزيوني المحض. والإشارة هنا بالخصوص للطقس الذي ميز التوقيع على اتفاق الحكم الذاتي الفلسطيني بواشنطن والتوقيع على اتفاقية دايتون حول يوغوسلافيا السابقة بباريس.

 

وتهميش الأمم المتحدة وتغييبها كمنظمة عالمية، هدفها تكريس السلم والتعاون الدوليين، إنما هو أيضا تهميش لأغلبية الدول الأعضاء (دول العالم الثالث) على المستوى الاقتصادي، بالتالي فالواقع الذي يسود في ظل النظام الدولي الجديد هو الذي جاءت المطالبة بالنظام الاقتصادي العالمي الجديد للحيلولة دون تعميقه: واقع الاختلالات  والتباينات في العلاقات الاقتصادية بين دول الشمال ودول الجنوب، وهي الفجوات التي يرجع الإعلام السائد أسبابها إلى ضعف قدرة التكيف التي تميز اقتصاديات دول الجنوب.

فقد كشف تقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة عن معطيات إحصائية لا مجال للتعليق عليها إذ:

+ أن 20 بالمائة من سكان العالم يحصلون على 82،2 بالمائة من مجموع دخل العالم بينما ال 20 بالمائة من سكان العالم الأكثر فقرا يحصلون على 1،4 بالمائة من دخل العالم وال20 بالمائة الأقل فقرا يحصلون على 1،9 بالمائة من دخل العالم وهناك 20 بالمائة ثالثة فقيرة تحصل على 2،3 بالمائة من دخل العالم. وهذا يعني أن 60 بالمائة من سكان العالم يحصلون على 5،6 بالمائة منن إجمالي دخل العالم...

+ أن الدول الغنية تستهلك حوالي 70 بالمائة من الطاقة العالمية و 75 بالمائة من معادن العالم و 80 بالمائة من أخشابه و 60 بالمائة من طعامه. وفي الوقت نفسه يوجد في الوقت الراهن حوالي 2300 مليون من البشر يفتقدون إلى خدمات الصرف الصحي و 1300 مليون لا يستطيعون الحصول على مياه الشرب الصالحة ناهيك عن انتشار المجاعات في العديد من الدول الإفريقية..

+ وعن فوارق الغنى والفقر يقول التقرير إنه "في عام 1960 كان دخل الفرد بالنسبة لل 20 بالمائة من سكان العالم (الذين يعيشون في الدول المتقدمة) أكثر من دخل الفرد بالنسبة لل 20 بالمائة الذين يعيشون في الدول الأكثر فقرا بحوالي 30 ضعفا. وفي عام 1989 تزايدت الفجوة ليصبح الفارق بين دخل الفرد في المجموعتين حوالي 60 ضعفا...

+ ويضيف التقرير أن "خسارة دول الجنوب نتيجة الأوضاع غير المتكافئة في العلاقات التجارية والمعاملات المالية الدولية تمثل أضعافا ما تحصل عليه هذه الدول من معونات خارجية إذ تكلف دول الجنوب حوالي 500 مليار دولار سنويا"(7).

 

والتهميش فضلا عما سبق أخطر بكثير لو نحن تأملنا المشهد الإعلامي الدول السائد ولو بإيجاز.

فعلى مستوى تمركز الأقطاب الإعلامية والاتصالاتية العملاقة نلاحظ "أنه من بين ال 300 أول شركات الإعلام والاتصال 114 أمريكية، 80 غرب أوروبية، 49 يابانية. وضمن ال 75 أول شركات السمعي-البصري، نجد 39 أمريكية، 25 غرب أوروبية و 8 يابانية. وفي قطاع خدمات المعلوماتية والاتصالات، نجد أن ضمن ال 88 أول الشركات، 39 أمريكية، 19 غرب أوروبية و 7 يابانية. وفيما يتعلق بالتجهيزات نجد أن من بين 158 أولى الشركات، 75 أمريكية، 86 غرب أوروبية و 33 يابانية، والباقي يوجد بدول الشمال كأستراليا أو كندا..."(8).

 

وما يصدق على مستوى تمركز القوة الاقتصادية لوسائل الإعلام والاتصال بين يدي الدول الكبرى، وخصوصا منها الولايات المتحدة، يصدق أيضا على تعامل هذه الوسائل (كمحتويات) مع قضايا العالم الثالث عموما، والوطن العربي بوجه خاص.

وتعامل وسائل الإعلام والاتصال الغربية مع قضايا العالم الثالث (والوطن العربي بالخصوص) في ظل النظام العالمي الجديد يسائلنا على أكثر من مستوى:

°- المستوى الأول ويتعلق بتغافلها الصارخ لتطلعات دول العالم الثالث في علاقات اقتصادية وإعلامية دولية متوازنة ومنصفة وهو ما لم تكف هذه الدول عن طرحه طيلة السبعينات والثمانينات، في إطار حركة الانحياز وخصوصا داخل منظمة اليونسكو.

°- المستوى الثاني ويرتبط بتوظيف الدول والشركات المتعددة الجنسيات لوسائل الإعلام والاتصال على اعتبار ما لها من جاء في تكريس الأمر الواقع (واقع القطبية والهيمنة الغربية)، وما تتمتع به من قوة في تنميط ثقافات العالم الثالث كمرحلة أولى لتعميم نمط الاستهلاك الغربي على مستوى الكرة الأرضية.

°- المستوى الثالث ويتجلى إلى جانب النقطة السابقة فيما يمكن تسميته ب "التعاون الانتقائي" الذي تمارسه الدول الكبرى ووسائل إعلامها في تعاملها مع مشاكل وقضايا دول العالم الثالث.

ولعل إحدى ملامح هذا النوع من التعامل، إشراك دول العالم الثالث في مشاريع التعاون "من أجل تحقيق الأمن الجماعي" أو إشراكها في قرارات مواجهة الإرهاب والهجرة السرية ومحاربة ظاهرة المخدرات وقضايا البيئة...الخ.

أن تهاب مجتمعات التخمة هذه الظواهر أمر قد يفهم، أن تزكيه وسائل إعلامها قد يفهم أيضا، أن تتبناه مجتمعات (ودول) تبحث عن سبل للبقاء فذاك أمر يثير الاندهاش.

 

 

هوامش

 

(1)- في خطاب للرئيس الأمريكي السابق بالكلية الحربية بقاعدة ماكسويل الجوية. أورده: علي الدين هلال، "النظام الدولي الجديد: الواقع الراهن واحتمالات المستقبل3، مجلة عالم الفكر، المجلد 23، العددان 3-4، يناير/مارس-أبريل/يونيو 1995.

 

(2)- علي الدين هلال، "النظام الدولي الجديد..."، مرجع سابق.

 

(3)- ورد في شبكة س.ن.ن بتاريخ 26 يناير 1991.

 

(4)- Wicker.T, « An unknown casuality », The New-York Times, 20 Mars 1991.

 

(5)- للتذكير فقد كان لوسائل الإعلام والاتصال دور كبير في توعية الرأي العام الأمريكي وتجنيده ضد حرب اعتبرت برأي العديدين "دون جدوى كبرى".

 

(6)- نلاحظ، فضلا عن تهميش الولايات المتحدة لدور الأمم المتحدة، تهميشها أيضا لدور المجموعة الأوروبية واليابان وباقي التجمعات الإقليمية الأخرى.

 

(7)- البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، التقرير الثالث عن "التنمية البشرية لسنة 1992"، أورده حسنين توفيق إبراهيم، "النظام الدولي الجديد في الفكر العربي"، مجلة عالم الفكر، المجلد 23، العددان 3-4 ، يناير/مارس أبريل/يونيو 1995.

 

(8)- Decornoy.J, « Aux ordres du Nord », In Manière de Voir, n° 14, Février 1992.