عندما يرتد قانون الاجتثاث على أصحابه

 

في أواسط شهر أبريل من العام 2004, أياما معدودات فقط على دخول الجيش الأمريكي للعاصمة بغداد, اعتمد الجنرال تومي فرانكس قرارا بحل حزب البعث, دونما الانتباه (أو بإدراك مسبق) إلى أن حل حزب سياسي من لدن قائد قوات احتلال عسكري, ينفي الصفة القانونية على قراره, حتى وإن سوغ له الشكل, أو برر له المضمون.

 

وعلى الرغم من لاقانونية القرار إياه, فإنه لم يثر كثير لغط ولا عظيم شكوى, ولا كان لمستويات الحزب "المنحل" من سبيل للتظلم, أو التمنع أو رفض الامتثال:

 

+ فالدولة تهاوت عن آخرها, بعدما "تبخر" الجيش, ولزم قادته وجنوده منازلهم بانتظار المجهول القادم, أو فروا لبلدان الجوار, أو اختبأوا بعدما تأكد لهم بالواضح الحي, أن لا مجال حقا للمكابرة, اللهم إلا مجال الانتحار المؤكد, أو الاعتقال.

 

+ ومؤسسات البلاد, ذات الرمزية الكبرى, كما ذات الأهمية المتوسطة, كما العديمة الأهمية حتى, استبيحت على مرأى ومسمع من الجنود الأمريكان, فنهبت محتوياتها, ودمرت مرافقها, وتم إضرام النيران في العديد مما تبقى من معالمها.

 

+ ورأس النظام, كما مقربيه ومعاونيه وأركان حكمه, سلموا بالأمر الواقع, فانصرفوا من أرض المعركة, ليتركوا الرعاع والغوغاء يسلبون وينهبون فتات ما تركت عصابات متخصصة وفرق تدمير, أحل لها كل شيء إلا وزارتي الدفاع والنفط, حيث استبدلتا بوزارتين لهما افتراضيتين, أقيمتا بالكويت من مدة, وتم نقلهما لبغداد بعد الاحتلال.

 

ولما كانت المنظومة برمتها (دولة ومؤسسات ومجتمعا) مرتكزة على وحول حزب البعث, الحزب/القائد برؤية منظره ومؤسسه, فإن قرار حله إنما أتى للتأشير على أن الذي صهر العراق دولة ومجتمعا ولعقود طويلة مضت, قد ولى إلى غير رجعة, وأن الحل إياه إنما هو إيذان بأن "العراق الجديد" لن يكون بالقطع نفس العراق الذي عهدناه منذ ستينات القرن الماضي, تاريخ وصول حزب البعث للسلطة.

 

وعلى الرغم من أن قرار حل الحزب قد كان له وقع نفسي كبير, فإن القرار إياه لم يكن له مضمون قانوني يعتد به, ليس فقط لأنه صادر عن سلطات احتلال لا يجوز لها والبلد تحت الاحتلال, وبمنطوق المواثيق والأعراف, استصدار قرارات ذات طبيعة جوهرية, ولكن أيضا لأن ذات الحل لم يكن مصحوبا بتدابير عملية أو إجرائية أو قضائية, يكون من شأنها ترجمة القرار بأرض الواقع, أو منع الحزب قانونيا من الممارسة, أو يحول دون إعادة تنظيمه تحت مسمى من المسميات.

 

صحيح أن العديد من المنتمين للحزب قد تم فصلهم من وظائفهم, أو تجريدهم من سلطاتهم, أو إحالتهم على "التقاعد", لكن العملية بقيت برمتها هلامية, مشوبة بالغموض, اختزالية في الشكل وانتقائية بالمضمون.

ولما كانت كذلك وأكثر, فقد تمت الاستعاضة عنها بعبارة "أدق وأوضح", حتى وإن لم تكن  الاختزالية والانتقائية منتفية من بين ظهراينها: عبارة الاجتثاث التي استحدثها الحاكم المدني للعراق بول برايمر, واعتمدها سبيلا لتصفية البعث.

 

وكلمة الاجتثاث تدل على القطع والقلع, وتحيل على جسم البشر في وضع الموت, مما يعطيها طابع القسوة والبطش. يقول بن مندور في لسان العرب: "اجتثه, اقتلعه", و"الجث: القطع, وقيل قطع الشيء من أصله". والجثة هنا تحيل على الجسد في وضع قعود أو نوم.

 

هي إذن عبارة متضمنة جهارة للقسوة, والعنف, والتطرف في فعل الاقتلاع والقطع. وهو حتما ما قصده برايمر وهو يعتمد القرار. يقول برايمر بمذكراته: إن اجتثاث البعث هو "القضاء على أطر الحزب, وطرد قيادته من مواقع السلطة والمسؤولية في المجتمع العراقي. وكان الهدف من ذلك ضمان أن الحكومة المنتخبة الجديدة للعراق, لن تقود إلى عودة البعثيين".

 

بالتالي, وعلى العكس من صيغة الحل المبهمة, والتي ذهب بجريرتها الآلاف من ألأبرياء في أعمال انتقامية شائنة, فإن صيغة الاجتثاث "دقيقة", ومحددة بوثائق مجلس الحكم الانتقالي, كما بوثائق السفارة الأمريكية ببغداد, كما بقانون إدارة الدولة, كما بالدستور الذي استقى من هذا الأخير مادته ومفاصله الكبرى.

 

بسن قانون اجتثاث البعث إذن, وباعتماده من لدن سلطات الاحتلال, أنشئت لجنة شبه حكومية خاصة بتطبيقه, أوكل أمر رئاستها لأحمد الجلبي السيء الذكر, وأطلق عليها إسم "الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث".

 

لم تعمد الهيئة إياها إلى الاجتثاث, اجتثاث حزب البعث, على أساس حزبي خالص فحسب, بل امتد دورها ليطاول البعد الوظيفي أيضا. أي أنه سرى على المراتب الحزبية الأربع الأولى (عضو فرقة فما فوق), كما على الموظفين "الذين يشغلون الدرجات الأربع العليا في التنظيم الحزبي: قيادة قطرية, وقيادة فرع, وقيادة شعبة, وقيادة فرقة".

 

وإذا كان من المتعذر حقا, لدرجة الاستحالة ربما, معرفة كم عدد من طاولهم القانون (سيما بعدما أحرقت مراكز التوثيق, ونهبت مصالح الإحصاء والمعلومات, ودمرت أرشيفات العديد من المؤسسات الحكومية), فإن مذكرات برايمر حددت عددهم في حوالي عشرين ألفا, أي ما نسبته 1 بالمائة من منتسبي البعث, منهم من كان موظفا بإحدى الدرجات الأربع, ومنهم من كان أستاذا بالجامعة, أو باحثا بإحدى المراكز, أو منتميا لسلك القضاء والعدل...لا تمييز في ذلك بين من كان انتماؤه للحزب مترتبا عن قناعة لديه قائمة, وبين من كان انتماؤه وسيلة لضمان لقمة عيش أبنائه.

 

وبقدر ما لا يستطيع المرء تحديد كم عدد الذين شملهم "إحصاء" هيئة الاجتثاث, فإنه لا يستطيع بتحصيل حاصل, حصر عدد الذين فصلوا من وظائفهم, أو اغتيلوا على مرأى ومسمع من أبنائهم, أو اختطفوا وعذبوا, وتم التشنيع بذواتهم.

 

حلت المؤسسات إذن وانتهت بماي من العام 2006, دارت خلالها عجلة الاجتثاث بقوة, لتطلع الحكومة العراقية بغشت 2006 (وتحت مسوغ "المصالحة الوطنية") بقرار يروم ترتيب أوضاع 700 ألف شخص شملهم قرار برايمر "ظلما وعدوانا", ولكأن القانون أراد التكفير عن ذنب اقترفته, أو إصلاح خطأ ارتكبته.

 

لا يبدو لنا أن في العملية ذرة نية بتكفير عن ذنب, أو رغبة ما في تصحيح خطأ:

 

+ فعملية الاجتثاث, في منطوقها الأصلي, صنيعة برايمر لوحده, لم يشرك فيها إلا شكليا مجلس الحكم. هو (برايمر أعني) الذي سطر مضمونها, وحدد السقف الذي لا يمكن للحكومة أو هيئة الاجتثاث أن تتجاوزه. والدليل على ذلك أن الهيئة عملت, طيلة السنوات الثلاث الأولى, على فرز و"دراسة" أكثر من 60 ألف ملفا, ضمنهم 40 ألف عضو فرقة, ليخرج عليها الأمريكان بقرار مفاده أن أعضاء الفرق غير مشمولين بالاجتثاث, "لتضيع في لحظة واحدة, جهودا اجتثاثية مضنية دامت ثلاث سنوات, استغرقتها في دراسة 40 ألف ملف".

 

بهذه النقطة, وبصرف النظر عن سقف الاجتثاث, الحزبي منه كما الوظيفي, فإنه لا أحد لحد الساعة حقا, يعلم علم اليقين, القوانين أو المعايير أو المقاييس التي اعتمدها برايمر بقانون الاجتثاث, ولا الأهداف المضمرة والباطنة التي ثوت خلف صياغته.

 

+ وعملية الاجتثاث لم تكن تتغيأ (على الأقل بالقياس إلى عدد المنتسبين), لم تكن تتغيأ اقتلاع البعث, بقدر ما هدفت إلى اقتلاع من هم عصاة على الاستقطاب من لدن المشروع الأمريكي, ومن لدن الساسة "الجدد" الدائرين بفلكهم. وهو لربما ما أدركه العميل أحمد الجلبي, بمنتصف الطريق, حين تأكد لديه بالملموس القاطع, أن الأمريكان "غير مهتمين بما سيؤول إليه انتماء البعثي المجتث, ما يهمهم هو موافقته على المشروع الأمريكي والانخراط في تنفيذه". من حينه بدأ الحديث لا عن البعث كحزب, بل عن "البعث الصدامي", بإشارة إلى من يقاوم الاحتلال باستحضار لفكر وروح الرئيس/الشهيد.

 

هي إذن عملية ارتداد على الاجتثاث بامتياز, تأتت من تأكد الأمريكان بضرورة استعادة الأطر البعثية العليا, لإدارة مفاصل الدولة, بعدما تبين لهم أن الذين جاؤوا بهم من على ظهور الدبابات, هم أناس عديمو الثقة, ضعيفو الخبرة والقدرة على التدبير, ناقصو الإخلاص, معدمو الكفاءة... وما سوى ذلك.

 

+ ويبدو أيضا أن عملية الارتداد هاته, إنما مصدرها حاجة الاحتلال الأمريكي إلى توليد "بعث جديد", بنفس وجوه البعث التاريخي, لكن مرتبط بمشروعهم, منضبط لتوجيهاتهم, ينفذ ما يؤمر به, دونما التساؤل في الغاية أو الهدف من ذلك...ولربما لهذا السبب بقيت صيغة حل الحزب مبهمة, ليصاغ قانون اجتثاثه بدقة متناهية, حتى وإن بدت للعيان مبهمة.

 

وإذا كان الاحتلال قد استطاع استقطاب بعضا من أعضاء البعث قسرا أو طواعية, أو غض الطرف عن بعضهم, أو لمح إلى استعداده لمحاورة فصيله المقاوم, فلأنه أحس ليس فقط بحاجته لهؤلاء لتسيير دولة منفلت عقالها, منخورة بالفساد والاحتراب الطائفي وما شابه, بل وأيضا لأنه اقتنع بأن تحريم حزب حكم لأكثر من ثلاثة عقود ونصف من الزمن, أمر شبه مستحيل, وأن اجتثاث حزب نصف الرجال البالغين به أعضاء, هو أمر متعذر الإدراك بكل المقاييس.

 

إن أعضاء كثر من حزب البعث هم منذ اليوم الأول, منتظمون بصفوف المقاومة (تماما كجنود وضباط الجيش العراقي "المنحل"), وهم بهذه الصفوف ليس فقط لأن حزبهم حل وعشرات من الآلاف من منتسبيه قتلوا أو شردوا أو جوعوا, بل وأيضا لأن البلد الذي لطالما دافعوا عنه واحتموا بظله, بات تحت الاحتلال, فوجب العمل على تحريره بمنطوق الشرع والأخلاق والمنطق.

 

صحيح أن البعث صهر الدولة والمجتمع في بوتقة الحزب, وقام عليهم مجتمعين (حزبا ودولة ومجتمعا) بقوة النار والحديد...لكنه ضمن مقابل ذلك أو عبره, أمن العراقيين وأمانهم, وصان وحدتهم, وضمن لهم مستويات عليا في التطبيب والتمدرس والشغل والتنقل والعيش الكريم.

 

ألم يغدو العراق اليوم مكمن الاجتثاث برمته؟ ألم يبدأ الناس في الترحم على زمن الرئيس/الشهيد صدام حسين منذ اليوم الأول؟ ألم تعد حكومات الاحتلال لنظام البطاقة التموينية التي سنها نظام البعث, فضمن بها كرامة العراقيين وهم تحت الحصار؟ لم لم تنجح الحكومات إياها في استوظاف بطائق سنها غريمهم, فلم تفرز على أيديهم إلا أيتاما,  عراة, مقيدي الأيادي على الأسرة, تتناقل الفضائيات عوراتهم البريئة؟

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 16 يوليوز 2007