"إشكالية الاستقلالية الإعلامية"

 

عبارة الاستقلالية بالمغرب أضحت عبارة مستفزة, وتطلق على عواهنها هنا وهناك. الاستقلالية عمن؟ بالقياس إلى ماذا؟ على أي أساس؟ لأية غاية؟ هل المفروض أن يكون الإعلام مستقلا؟ وإذا كان كذلك, فعن أي مستوى بالتحديد؟

 

إن القول بما سبق هو من القول بأن مسلة الاستقلالية إنما هي مسألة نسبية للغاية, على الأقل من زاوية أن لكل منبر أو محطة غاية وهدف وقبل كل هذا وذاك رسالة, المفروض في الدافع بها أن يتبنى هذه الجهة أو تلك. قد تكون السلطة, وقد تكون الجماعة, وقد تكون الرأي العام, وقد تكون عالم المال والأعمال وقد تكون غيرها. كل مستوى من هذه المستويات يدفع بطروحاته وأفكاره ويدافع عن مصالحه أو عن تطلعاته أو عن مطالبه. أين الاستقلالية في كل هذه الحالات؟

 

بالمقابل, تدعي بعض المنابر المغربية الغير حزبية, أنها مستقلة وصاحبة قرار ولا سلطان لأحد على خطها التحريري. قد نسلم بذلك تجاوزا بوجه السلطة وبالنسبة لبعض المنابر المكتوبة, لكننا لا نستطيع أن نسلم بذات الاستقلالية عندما نعلم من أين يأتي دعم هذه المنابر, وكيف تتحصل على الإعلانات, وكيف تجاري هذه الجهة أو تماري تلك.

 

ثم إن التحامل على السلطة, أو التعرض لممارسات مكوناتها ليس عربون استقلالية, بقدر ما قد يكون مزايدة صرفة على خلفية من الاعتقاد بأن ذلك من شأنه زيادة المبيعات واستقطاب الإعلانات أو الترويج "للسلعة الإعلامية" المعروضة. الاستقلالية هنا تتحول بحكم الأمر الواقع إلى أصل تجاري صرف, وتخرج عن كونها أداة بناء مجال إعلامي المفروض فيه أن يتحول إلى إذا لم نقل إلى سلطة رابعة, فعلى الأقل إلى سلطة مضادة بوجه سلوكات فاعلي الدولة.

 

من جهة أخرى, وبتتبع عام لأداء المنابر التي تدعي الاستقلالية, فإننا لسنا متأكدين حقا من أن أصحابها قادرين على رفع رهان هذه الاستقلالية, أي الدفع برأي وتأدية الثمن عليه بهذا الوجه أو ذاك. بالعكس, فقد رأينا في العديد من الحالات, كيف تم اللجوء إلى رسائل الاستعطاف لدى رأس الدولة, وكيف تم تخفيف حدة النبرة تحت هذا التهديد أو ذاك, وكيف باتت العديد من ذات المنابر تدور في فلك السلطة دونما تحفظ, وكيف أن بعضا منها حرم على نفسه الاقتراب من بعض مكامن السلطة, أو من اللوبيات الدائرة في فلكها وهكذا.

 

إن الذين يدفعون بمعيار الاستقلالية يدركون جيدا أنهم ليسوا كذلك ولا هم في مستواها, ولا هم بقادرين على تأدية الفاتورة التي تستوجبها. إنهم يتخذون منها أصلا تجاريا عله يرفع من مبيعاتهم... وهم يعرفون ذلك مثلنا وأكثر.

 

الإعلام والسلطة بالمغرب, كما بغيره من دول العالم, عنصرا معادلة ملؤها التناقض والتنافر والتمنع والممانعة والاحتراب. إذ اكتساب مساحة إضافية لهذا غالبا ما تتم على حساب الآخر. لهذا نجد عنصر التجاذب غالبا ما يتم على خلفية حرية التعبير, بين مستوى يملك السلطة الرمزية والقوة الخشنة, وبين مستوى لا يملك إلا بعضا من عناصر القوة الناعمة يفعلها بين الحين والآخر.

 

السلطة بطبيعتها تجنح للتسلط, والتسلط معناه أن تدغم في صلبها كل الفضاءات سيما المناهضة لها, أو المتطلعة للاستقلال عنها, أو الدوران في فلك غير فلكها. لهذا السبب, ترى الدول الديموقراطية تحاول استرضاء الإعلام بهذه الطريقة أو تلك, وترى النظم الكليانية تحاول أن تستقطب الإعلام "المتمرد" أو الجانح للتمرد, بغرض ترويضه أو تقليم أظافره أو إخضاعه للمنظومة.

 

إننا بالمغرب لا نعيش جوا ديموقراطيا على الشاكلة الغربية, وإعلامنا لا يتمتع بالاستقلالية التي نلحظها بذات الدول...كيف الادعاء بالاستقلالية في هذه الحال, أو التبجح بها أو القول بطرحها, ونحن نعلم أننا أبعد ما نكون عنها بالجملة والتفصيل؟

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 6 دجنبر 2010