"انكسارات الواقع وتداعيات الحاضر"

 

أحمد الحسين, منشورات اتحاد الكتاب العرب, دمشق, 2005, 132 ص.

 

1- بمدخل الدراسة, يقول الكاتب: لقد "شهد الواقع العربي خلال السنتين الماضيتين انكسارات مريرة، بلغت ذروة تداعياتها التراجيدية في عملية الاحتلال الأمريكي ـ البريطاني للعراق، الذي وضع المنطقة برمتها أمام مرحلة قاسية، تمخضت عنها نتائج في غاية الخطورة، من حيث إنها فرضت معطى جديدا، يفتح السبيل لاحتمالات صعبة ومخاطر قادمة، باتت تستهدف الوجود العربي بمكوناته المادية ومقوماته السياسية والثقافية".

 

في إطار هذا المعطى, يتابع الكاتب, صارت البلدان العربية كافة أهدافا محتملة على أجندة المخططات الأمريكية، "ولم تعد فلسطين هي ذلك الجرح النازف في الجسد العربي فحسب، فثمة جراحات أخرى تنزف في العراق, وفي العديد من البلدان العربية المرشحة للاستهداف في مرحلة آتية، وصار الوطن العربي عرضة لحملات التشويه, ومخاطر التفتيت والتهميش، ومحاولات الإلغاء أو الإلحاق بفضاءات الهيمنة الأمريكية".

 

وفي ظل هذه المعطيات تعيش إسرائيل زمنها المثالي، "إذ وجدت الفرصة سانحة لها لتحقيق مشروعاتها التوراتية, وأحلامها الإمبراطورية التوسعية... بتأكيدها نهج الاغتيالات وممارسة التصفيات الجسدية، وهدم المنازل وتجريف الأراضي، وإقامة المعازل والجدران الفاصلة، ونسف عملية السلام, والتراجع عن الالتزام بمتطلباتها واستحقاقاتها، وفرض خطة الانسحاب من طرف واحد, وبدعم أمريكي مطلق، على حساب حقوق الشعب الفلسطيني في العودة، وإزالة بؤر الاستيطان، وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف".

 

2- إن الشعوب, يؤكد المؤلف, بدأت تتحسس وتدرك أن اللعبة الأمريكية والهوس الأمريكي باستعراض مظاهر القوة، وتصدير الحروب والأزمات، ستجعل القرن الحادي والعشرين قرن الحروب والمتاعب. ولعل "الحقائق الدامغة على ذلك الهوس بالتفرد، والإصرار على أمركة الكرة الأرضية هو ما أخذت تكشف عنه السياسة الأمريكية في تبرمها الشديد من هيئات الأمم المتحدة، وتجاهلها مؤسسات الشرعية الدولية، وعدم اكتراثها بالرأي العام العالمي، وتكريسها سطوة القوة العسكرية والاقتصادية والتقنية، والعودة بالعالم إلى شريعة الغاب, التي تأخذ في المنطق الأمريكي الجديد, صفة العدالة المطلقة, والواجب الإلهي، والالتزام الأخلاقي".

 

 بالتالي, يقر المؤلف, بات وقوف دول العالم وتضامنها في وجه الاستكبار الأمريكي, بات ضرورة تاريخية وحضارية، وعلى العالم أن يثبت لأمريكا "أن وهم الاعتقاد بالتفوق العسكري، والاقتصادي والتقني، لا يجوز أن يكون سببا كافيا لتدشين حروب باتت مرفوضة أخلاقيا وإنسانيا".

 

إن تداعيات حرب العراق ومخاطرها المحتملة، ستخلق, يتابع الكاتب, بين العرب أنفسهم بؤرا من التوتر والتناقضات، وستجلب لهم المزيد من المتاعب والويلات، وتفجر أزماتهم وتناقضاتهم الكامنة، مما يوفر الغطاء الواسع لمزيد من الهيمنة الأمريكية، والسيطرة الإسرائيلية على شؤون المنطقة, ومقدراتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

 

ولا شك, يزعم المؤلف, أن معرفة الذهنية التي تسيطر على صناعة القرار الأمريكي، والطريقة التي سارت عليها الإدارة الأمريكية، والتي تنوي أن تسير عليها، سيدفع بها إلى الإصرار على نوع من التفرد, في إدارة مسائل العالم,  واحتكار أوراقها, بعيدا عن أية مشاركة حقيقية للأمم المتحدة.

 

3- إن إحدى السمات الخفية للنظام العالمي الجديد, يقول الكاتب, إنما تتمثل في النزوع إلى إحكام سيطرة المؤسسات الخفية على العالم، وبسط نفوذها عليه، وإحكام رقابتها على نشاط ملايين بني البشر, عبر تعميمها ما يسمى وسائل الإعلام الحرة، والمجالس والهيئات الدولية, التي يراد لها أن تكون بديلا عن الهيئات الوطنية والإقليمية في دول العالم وبلدانه المختلفة. هذا الجموح المطلق هو تعبير عن هوس تلك المؤسسات القابعة وراء واجهات, "تتحكم في توجيه سياساتها وتدير نشاطاتها المنظمات الصهيونية, والجمعيات اليهودية والمحافل الماسونية العالمية، التي تسعى عبر أساليبها السرية, الممولة بدعم كبار المصرفيين الدوليين اليهود، إلى التدخل من وراء الستار في شؤون العالم, والعبث بمصائر شعوبه، والعمل على تغيير نظمه السياسية، وأنماطه الثقافية والاقتصادية".

 

إن تلك المؤسسات, يتابع المؤلف, بحكم تكوينها وإمكاناتها الكبيرة غير المحدودة، وأساليبها في تدبير المكائد والمؤامرات، واستخدامها كل الوسائل غير الأخلاقية، "تمكنت في مراحل وعهود مختلفة, من تحقيق بعض أهدافها وغاياتها من خلال إثارة الفتن، وإشعال الحروب، وتأجيج العداوات، وتخريب المجتمعات، وتدمير نظمها الأخلاقية، وقيمها الدينية، وإفسادها الحكومات، وتحويل بعضها إلى أداة مطواعة, وشرائها عن طريق الرشاوى، والتبرعات الانتخابية، والمكافآت الكبيرة".

 

بسياق ذلك, وفي ظل نظام تجاري اقتصادي شمولي، ركيزته الشركات متعددة الجنسيات, ستكون هنالك تأثيرات عميقة في بنية المجتمعات، "هدفها تخريب العلاقات الاجتماعية، وتدمير الأسس الأخلاقية والقيمية للأفراد، وتكوين طبقة اجتماعية لا منتمية, محرومة من مشاعر الوطن والأرض والعقيدة، طبقة لا تهتم سوى بالاستهلاك والمتعة, التي تغذيها ثقافة التلفزيون والفيديو، وسيصبح أفرادها مجرد أشياء وأدوات تنفذ ما يطلب منها".

 

وقد تضخمت هذه اللغة الأنوية, وتورمت معها عقدة التفوق والتفرد في مرحلة لاحقة عبرت عنها بشكل قاطع، لا لبس فيه، ولا غموض مادلين أولبرايت, وزيرة الخارجية السابقة بالقول: "إن أمر قيادة العالم بلا منازع هو من نصيب الولايات المتحدة، وعلى جميع الدول أن تدرك أننا لو أردنا إحداث أي تغيير فلابد أن نفعله، فالعالم لنا، العالم للأمريكان".

 

إن مشروع القرن الأمريكي إنما ينطلق من هدف تغيير الأوضاع العالمية، واستجماع القوى لتكريس زعامة أمريكا للعالم, التي تبرز كقوة عالمية متفوقة، عليها أن تستثمر انتصارها في الحرب الباردة, وتستكمل إنجازاتها الماضية، في تشكيل قرن جديد, وفق القواعد والمبادئ والمصالح الأمريكية. ولهذه السبب تبدو الولايات المتحدة "أكثر غطرسة وميلا لاستخدام القوة، والانعزال, والتصرف إزاء القضايا الدولية بطريقة فردية، تخرج عن إطار الشرعية الدولية، ودون الحاجة إلى تحالفات دولية, أو عمل دولي مشترك، والعمل على تقويض دور المؤسسات والهيئات الدولية".

 

بالتالي, يؤكد المؤلف, تصبح التوجهات الأمريكية في ظل ما يسمى سياسة القرن الأمريكي الجديد, "علامة فارقة في علاقات دول العالم وقواها الكونية، علاقة لا تقوم على مبادئ توازن المصالح، واحترام سيادة الدول، وتفاعل الثقافات والحضارات، بل تقوم على مركز جديد مفتون بذاته, هو أمريكا وأطراف مهمشة تدور من حوله، هي دول العالم الأخرى".

 

إن أمريكا قد أصيبت بداء العظمة، فلم تعد تصغي إلى الآخرين، أو تسمع أفكارهم. وعلى هذا الأساس يتم التلاعب بالوقائع, وتزييف المفاهيم بطريقة عجيبة. فالإرهاب الذي تتحدث عنه الولايات المتحدة, تم تفسيره بطريقة لا تنسجم مع تاريخ الشعوب وثقافاتها، وما تبلور في تاريخها من فرز واضح, بين إرهاب مجموعات وبين نضال شعوب. والدليل, يلاحظ الكاتب, أن البنتاغون يملك أو يستأجر ما يصل إلى 720 قاعدة عسكرية, منتشرة في حوالي 130 دولة، بالإضافة إلى 6000 قاعدة في الولايات المتحدة. إلا أن هذه القواعد التي تضم مئات الألوف من الجنود والمسؤولين المدنيين والمرتزقة الأجانب والعتاد العسكري, تحتاج إلى مئات مليارات الدولارات لتمويلها, والإنفاق عليها واستبدال بعضها، وتجهيز بعضها الآخر, سيما في الشمال الإفريقي، "وداخل ما يطلق عليه قوس القلاقل، أو ما يسمى بعائلة جديدة من القواعد, حسب تعبير وزارة الخارجية الأمريكية، تشمل إلى جانب دول أوروبا الشرقية ودول آسيا الوسطى, كلا من أفغانستان والهند وباكستان، وأستراليا وسنغافورة وماليزيا والفليبين والسنغال وغانا ومالي وسيراليون، والعديد من الدول العربية الإفريقية والآسيوية".

 

وإذا كان نشر هذا العدد الكبير من القواعد, لا يتناسب وإعلان الحرب على الإرهاب، فإن الهدف الأساسي الكامن وراء كل ما يجري، هو بالتأكيد "فرض الهيمنة والوصاية على العالم, والاستحواذ على مصادر ثرواته وخيراته، وإحكام القبضة الأمريكية على مصادر النفط والثروة المعدنية في الشرق الأوسط وبحر قزوين, من خلال إحكام القبضة العسكرية على تلك المناطق، والاعتماد عليها دون غيرها من الوسائل والأساليب في إدارة الأزمات وتسوية المنازعات التي يمكن أن تنشأ، وممارسة أكبر قدر من الضغط المستقبلي على دول أوروبا وروسيا والصين واليابان، والهند والنمور الآسيوية, لتظل تحت رحمة القرار الأمريكي, وما تفرضه المصالح الأمريكية".

 

إن أشد أعداء أمريكا, يقول المؤلف, هو السياسة الأمريكية ذاتها, التي عمقت دائرة خلافاتها وتناقضاتها مع دول العالم قاطبة. ووفق ذلك ستجد الولايات المتحدة الأمريكية نفسها منغمسة خلال الفترة القادمة، في صراعات ومنازعات ستوحد العالم ضدها، وستجد نفسها دولة وحيدة، معزولة تعاني من التفكك والمشكلات الداخلية، والتناقضات العرقية والثقافية والاجتماعية، والركود الاقتصادي, الذي يجعل تلك القوة الاقتصادية الجبارة مرشحة للتراجع أمام اقتصاديات الصين، وأوروبا المتحدة، وبعض الدول الآسيوية".

 

إن دور الولايات المتحدة سيتراجع، وسيضعف نفوذها خلال مدة قد لا تزيد على نصف قرن، يزعم الكاتب, وذلك بالاستناد إلى المعطيات والاعتبارات القائمة حاليا، وستصبح عندئذ كتلك الإمبراطوريات الكبيرة, التي قامت ثم زالت, وأصبحت منزوية, تقتات بذكريات الماضي وأمجاده الغابرة.

 

في ظل كل ذلك, تظل إسرائيل خارج قوسين, لأنها في كل تصرفاتها وأعمالها العدوانية, "تحظى بالدعم الأمريكي الذي يوفر لها غطاء من الحماية، ويزودها بأحدث أصناف العتاد العسكري، بما في ذلك تزويدها بالخبرة الفنية والتقنية, على صعيد إنتاج أسلحة الدمار الشامل، إذ أن هنالك على أقل تقدير ثلاثة مفاعلات نووية (ريشون ليزيون، ناحال سوريك، النبي روبين) من بين مفاعلاتها الأربعة من إنتاج وتصميم شركات أمريكية خاصة أو حكومية". وهو ما يجعل إسرائيل تمتلك ما يتراوح بين 100-200 رأس نووي، عدا أسلحتها البيولوجية والكيميائية التي تنتج منها, غازات الأعصاب والغازات الكاوية، والخانقة والنفسية، ومواد شل القدرة، والجمرة الخبيثة، والطاعون والكوليرا، والجدري والحمى الصفراء.

 

إن إسرائيل, يؤكد المؤلف, ما كانت لتتمادى في ارتكاب جرائمها, "لولا اطمئنانها للحماية الأمريكية، والدعم الأمريكي لها ماديا ومعنويا، والدفاع المستميت عنها في كل المحافل والهيئات الدولية، واستخدامها حق النقض, الفيتو, لعدم إدانتها عما ترتكبه من جرائم وانتهاكات".

 

4- هل يرتقي العرب إلى مستوى التحديات, في ظل كل ما ورد؟

 

إن الواقع العربي, يؤكد المؤلف, يثير, في لحظته الراهنة الكثير من الشجون والآلام, "بسبب ما آلت إليه أحوال الأمة، وانتهت إليه من عجز، وتفكك إلى حد عجيب. ولكن هذا الواقع بكل تداعياته وانكساراته المريرة, لا ينبغي أن يدفع إلى شعور من اليأس والإحباط، ذلك أن القراءة الواعية التي تستند إلى استبصار دروس التاريخ, والأزمات التي مرت بها هذه الأمة في تاريخها البعيد أو القريب, لا بد أن تمنح القارئ أو المتأمل جرعة من الثقة بأن هذه الأمة بتراثها وتكوينها وقدرتها على التجدد والانبعاث, قادرة على تجاوز أزماتها وتلمس طريق خلاصها من جديد".

 

والمفارقة التي تبرز في هذا المجال, أن الأمة العربية واجهت أزمات ومرت بصعوبات كثيرة بدءا من نكبة 48، وعدوان 67 واجتياح 1982، وما تلاها من أزمات إقليمية ونزاعات عربية/عربية وحروب إقليمية، لكنها كانت تواجه تلك الأخطار والتحديات, بالمقاومة والقدرة على المبادرة وإحباط المخططات التي تستهدف وجودها.

 

صحيح, يقر المؤلف, أن حجم التحديات كبير, وأن المشهد العربي قاتم إلى درجة الاختناق والضياع، ولكن "ما يجب أن نؤمن به, أن ذلك يشكل بحد ذاته فعلا تحريضيا، يحيي في النفوس بذرة المقاومة وإرادة الصمود وعزيمة التحدي والبقاء، واستنفار طاقات أبناء الأمة, لإثبات وجودها واستعادة مكانتها ودورها الريادي والحضاري".

 

يحيى اليحياوي

الرباط, 24 شتنبر 2009.