ليس
ثمة
أدنى شك أن
المثقف
الحقيقي إنما
هو الملتزم
بسلطة الكلمة
كتابة وموقفا,
لا يداهن بها
أحدا, بل
يتغيأ عبرها
تغيير واقع
حال, يتراءى
له معوجا, أو
غير سليم, أو
انتشرت بصلبه شتى ضروب
التخلف
والتسلط, أو
بعضا منها على
الأقل.
ولئن
تسنى لنا
الجزم هنا,
بقلة عدد
المثقفين
العرب من هذه
الفصيلة,
فلأنهم لم
يستطيعوا إلا
نادرا
المساهمة في رفع
بعض من نقط
التباس هذا
الزمن الرديء,
سيما مجموعة
منها تتراءى
لنا
إشكالياتها
أكثر إلحاحا
بالوقت
الحاضر:
+ أولى
هذه القضايا
الإشكالية,
إشكالية
الديموقراطية, وما
يترتب عنها من
تداعيات على
مستوى الفرد
والجماعة, على
مستوى
الاقتصاد
والمجتمع
والعمران.
لا
نلمح بهذه
النقطة
تحديدا إلى
القول بأن المثقف
العربي قد كان
أو لا يزال
مقصرا في
التأكيد على
مركزية
المسألة
الديموقراطية
(تنظيرا على
الأقل), بل
التلميح هنا
إنما يروم
بالأساس عدم
تمكنه من
موطنتها في
الذهنيات القائمة,
وجعلها سلوكا
جماعيا, دونها
ودونه التسلط
والقمع
والاستبداد.
ليس
من المبالغة
في شيء إذن لو
قلنا إن
الأنظمة
السياسية
التي حكمت
الوطن العربي
طيلة الثلاثين
سنة الماضية,
قد استنبتت من
"المثقفين"
الموالين لها
(مثقفي
السلطان) أكثر
ما أفرزت من
المثقفين المهووسين
بالهم العام,
والشأن
المشترك...المثقفين
العضويين,
يقول البعض.
ولهذا
السبب, ولغيره
دونما أدنى
شك, رأينا ولا
نزال نرى "مثقفين"
يبررون
للسلطان
سلوكياته,
ويدافعون عن
ممارساته, ولا
يتوانوا في
النطق باسمه,
عوض أن يكونوا
ناطقين باسم
الذين هم عرضة
بطشه وظلمه
وجبروته.
ولما
كانوا كذلك
(وأكثر يقول
البعض) فإنهم
سرعان ما
يبهتون أو
ينسحبوا جملة
وتفصيلا, عندما
يغيب الموت
السلطان
(سلطانهم
أقصد) فيبدأوا
في نسج
الحبائل من
جديد, بغرض
التقرب من
صاحب الأمر
الجديد.
والسر
في الحالتين
معا إنما
الرابط
العضوي الذي
يجعل من
"المثقف"
جزءا من بلاط
السلطان, لا
مكانة أو قيمة
اعتبارية له
خارجه.
يسهل
الاستنتاج,
بالمحصلة
الأولية على
الأقل, أن
تغييب
الديموقراطية
بمعظم الدول
العربية إنما
جاء من تغييب
المثقف لها,
أو اختزالها
من لدنه في "ديموقراطية"
السلطان, أو
تأويل ما هو
قائم من
المظاهر
الديموقراطية,
ولكأنها حقا
وحقيقة
"الديموقراطية-الحق",
أو عدم القبول
بالديموقراطية
(القائمة بالغرب)
شكلا ومضمونا
من لدن بعض
المثقفين.
بالتالي,
ستبقى
المسألة
الديموقراطية,
فيما نتصور,
تحديا حقيقيا
للمثقف العربي,
طيلة هذا
القرن لربما,
طالما لم
يقتنع (المثقف
أعني) بضرورة
موطنتها
ثقافيا أولا,
قبل العمل على
موسطتها
سياسيا
ومؤسساتيا فيما
بعد.
ليس
كل المثقفين
من هذه الطينة,
ولا جلهم من
الذين يهوون
التقرب
للسلطان لهذا
الغرض أو ذاك,
لكن الغالبية
العظمى, بداية
هذا القرن,
إنما هي من
الطينة إياها,
وما عداهم (أي
الملتزمين) قد
أصابهم
الإحباط
والتذمر,
فانعزلوا
جملة وتفصيلا,
أو رحلوا إلى
فضاءات أخرى,
أو هادنوا
السلطان
بصمتهم, مخافة
بطشه, وهو على
أية حال في
الموقع القوي.
إذا
لم يكن الأمر
كذلك, فما
السر في
استهتار السلطان
بهم, واستقطاب
معظمهم,
وتحويلهم إلى
اعتباره مصدر
الديموقراطية
جهرا وعلانية,
حتى وإن ضمروا
في أنفسهم
العكس من ذلك
كله, أو سروا
به لبعضهم
البعض؟
+
أما القضية
الإشكالية
الثانية, التي
لم تفتأ تضع
المثقف
العربي في
المحك, فتتمثل
في علاقة
الدولة
بالدين, أو
علاقة الدين
بالدولة, وما
يثيره ذلك من
حساسيات
وحسابات, قد
تفجر الأمم
والهويات, إن
هي لم تحدد
طبيعة العقد
الذي من
الواجب أن يحكم
المعادلة
إياها.
ليس
الإشكال
قائما هنا فقط
حول طبيعة
الدولة,
والمرجعية
المطالب
باعتمادها في
تحديد الطبيعة
إياها, ولكن
المساءل أيضا
إنما هوية
الدولة
العربية,
المخترقة
تاريخيا من
لدن العديد من
الطوائف
والاعتقادات
واللغات واللهجات
وما سوى ذلك. بالتالي,
فالبادي علنا
أن المسألة
ليست بأي حال
من الأحوال
مسألة انتماء
(والتي تحيل
حتما على
الهوية), بقدر
ما هي مسألة
موسطة وتدبير,
وأجرأة
وتصريف وما سواها.
هي
قضية إشكالية
كبرى, لن تزيد
مع مرور الزمن
إلا تأججا
وتعمقا وتمظهرا
وتجليا
بالفضاء
العام, سيما
في ضوء ظواهر
العولمة
وهيمنة
الليبيرالية
الجديدة,
اللتان هما
بشكل من
الأشكال,
تفجير
للهويات من
الداخل,
وتمزيق
لمختلف صيغ
التعايش
الديني
واللغوي والإثني
والطائفي
وغيرها.
إن المقصود
بهذه النقطة,
إنما القول
بأنه على
الرغم من
تراكم
الكتابات
النظرية حول
هذه المسألة,
وطيلة العقود
الخمسة
الماضية, فإن
ذات التراكم
لم يفلح في
حسم إشكالية,
كان من
المفروض أن
تحسم قبل
دخولنا القرن
الجديد بزمن
بعيد.
قد
لا يكون
المطلوب راهنا
استعجال حسم
هذه المسألة,
لفائدة هذه
الزاوية من
الرؤية أو تلك,
فالمسألة
أعقد من أن
تنجز
بالاستعجال,
لكن المطلوب
(والمرغوب فيه
أيضا) بداية
هذا القرن,
إنما استنبات
ظروف من
التوافق حول
مرجعية الدولة
وهويتها, تفسح
في المجال
للعمل
المشترك,
دونما سبيل
لافتعال
"حروب
ثقافية"
وقودها
الطائفة أو
اللهجة أو
العقيدة أو ما
سواها.
بالتالي,
فالمطلوب من
المثقف (وهو
الذي لم يفلح
إلا نادرا في
سبر أغوار هذه
الإشكالية)
ليس فقط زيادة
التراكم في
هذا الجانب,
بل وأساسا العمل
على إيجاد
آليات لتصريف
خطابه على أرض
الواقع. وهو
ما يتطلب منه
ملاصقة
الفئات التي
من المفروض أن
تكون مادة
كتاباته,
وأداة
التغيير التي
لا سبيل
لتجاوزها.
ومعنى
هذا أنه لو
سلم المرء
بتوافق
المثقفين العرب
(الملتزمين
منهم على
الأقل) حول
مسببات واقع
الحال
ومعاينة
مكامن العلة
بصلبه, فإن الذي
لم يتم
التوافق حوله
إنما الحلول
وسبل العلاج...
إذ هذه كما
تلك, تختلف
باختلاف
زاوية الرؤية
وطريقة
التفكير فيها.
ومعناه أيضا
أنه لو تسنى
للمثقفين
إياهم الإجابة
على السؤال
أين نحن؟
وماذا نريد؟ فإن
جانب
الاختلاف
يطال الكيفية
والمسالك,
وطرق التصريف
والترجمة على
أرض الواقع.
+
القضية
الإشكالية
الثالثة التي
لم ينجح
المثقف العربي
في استجلاء كل
عناصرها
وتتعلق
بطبيعة العلاقة
مع الغرب: هل
الغرب صديق
لنا أم غريم أم
شريك؟ ما هي
حدود التقارب
معه؟ ما هي
مكامن التنافر
والممانعة
بيننا وبينه؟
هل العبرة في
تحديد أطراف
ذات العلاقة
بممارسات
الماضي الاستعمارية,
أم سياق
المصالح هو
الذي من
الواجب
اعتماده في
ذلك؟
أزعم
أن التساؤل في
هذه القضية,
إنما هو من
التساؤل
بداية في
طبيعة مواقف
الغرب من
قضايانا
القومية
الكبرى, ومن
مطالبتنا بالحق
في الاختلاف
معه والدفع
بمصالحنا عند
النقاش معه.
والتساؤل
في هذه القضية
هو أيضا من
التساؤل,
نهاية المطاف,
في نظرة الغرب
لنا أفرادا
وجماعات,
قبائل وعشائر
وأقوام.
قد
نسلم جدلا بحق
المرء (سيما
لو كان مثقفا
من بين
ظهرانينا) في
تمثله للغرب
الذي يريد,
وبالمواصفات
الذي يريد,
لكن ليس
بمستطاع المرء
أن يسلم
بحقيقة
استصغار
الغرب لنا,
واستئثاره
بمواردنا,
ودعم
الحاكمين من
ضمننا, لقمعنا
ولاحتقارنا.
وقد
نسلم جدلا بأن
فضائل
التواصل مع
الغرب هي أوفر
من عدم
التواصل معه
إطلاقا, لكن
الحاصل منذ
مدة, أن ذات
الغرب لا
يجتهد في فهم
الآخر, ولا
تسنى له بعد
احترام هذا
الآخر, في
ذاته وهويته
وعقيدته, وحقه
في الحل
والترحال.
بهذه
النقطة أيضا
أستطيع القول
بأن المثقف العربي
(الملتزم أقصد
هنا) لم يوفق
كثيرا في تفكيك
أطراف
العلاقة مع
الغرب, ولا
تشريحها بغرض
البناء عليها.
فمعظم الكتابات
الرائجة لا
تتعدى سوى
كونها توصيفا
لواقع الحال, عوض
أن تكون بناء
استشرافيا
لما نريد أن
تكون عليه
العلاقة مع
الغرب.
فالكل
اليوم يتحدث
عن "حوار"
حضارات, أو
"حوار"
ثقافات, أو
"حوار" أديان, في
الوقت الذي
نلاحظ أن واقع
الصراع
والحروب الحضارية
والثقافية
والدينية هي
السائدة, بل هي
التي على
أساسها تبنى
السياسات والاستراتيدجيات
الكبرى.
لقائل
يقول: هل من
المستحب
تحميل المثقف
العربي كل هذا
الثقل, وهو
الذي لا قدرة
له كبرى على
التأثير في
صاحب القرار, ولا
سلطة سياسية
له لترجمة ما
يتصور, ولا
قاعدة
جماهيرية
تدعم
اختياراته, في
مجتمع تسوده
الأمية
والجهل
واحتقار الثقافة؟
أو ليس
من التجني
الإشارة إلى
مثقف عرضة
للحصار, أو
للإقصاء أو
للتكفير أو
للقتل, كلما
تجاوز الخطوط
المرسومة, أو
شكك في قرار
السلطان, أو
زايد عليه, أو
أشار عليه
بالأصبع حتى؟
هي
استفهامات
وجيهة
وموضوعية إلى
حد بعيد, لكنها
تضمر ضمنها
عناصر الجواب,
إذ المثقف
العربي غالبا
ما استسهل حالة
الدفاع, وفضل
مسالمة النظم
القائمة, عوض
معاداتها أو
مناهضة
سلوكها, حتى في
إدراكه
لتجاوزاتها,
وطغيان الظلم
والقمع من بين
ظهرانيها. إنه غض
الطرف عن
العديد من
سلوكياتها, درءا
لأداها, أوما قد
يترتب على
مصارحتها
بذلك.
وهو
استحلى ما
تغدقه عليه من
عطايا وامتيازات
ومركز رمزي.
وهو تنكر
لرسالته,
واندغم في "
رسالة"
السلطة قلبا
وقالبا, حتى إذا
غضبت عليه
ارتكن إلى
زاوية في
التاريخ تحكى.
وهو تنكر
لدوره كسلطة
مضادة
بطبيعتها, إذا
لم تكن
بالفضاء
العام المتاح,
فبالفضاء
الفكري
الممكن... وهكذا.
بالتالي
فسيبقى
المثقف
العربي من هنا
مسلوب
الإرادة
والذات, ليس فقط
بإزاء صاحب
السلطة
والمال
والجاه, بل
وكذلك بإزاء
قاعدته
الرمزية
الأصلية, التي
تضمن له
البقاء
والاستمرارية
وتفتح له مسالك
الخلود.
قد لا
يكون المطلوب
من المثقف,
على الأقل
الملتزم ضمنه,
وضع الحلول
والقيام على
صياغة أطرافها
(فذاك أمر
الحاكم), لكن
المطلوب منه
على الأقل
إيجاد
البدائل
والسيناريوهات, التي
على هذا
الأخير
(الحاكم
المتنور أعني)
أن يأخذ بها, أو
ينير بها
طبيعة
قراراته.
سيكون عامل
تجسير الفجوة
دون شك, لكنه
على الأقل
سيكون قد قال
ما يتوجب عليه
قوله...
يحيى
اليحياوي
15
فبراير 2010