المثقف العربي في محك بعض من القضايا الجوهرية الكبرى

 يحيى اليحياوي

 

-1-

 

قد لا يجازف المرء كثيرا لو زعم أن المثقف العربي أضحى، منذ زمن غير قصير، في محك كبير وحقيقي بإزاء العديد من القضايا الكبرى التي حكمت (وتحكم) مكونات الحاضر، رهنت (وترهن) عناصر مستقبل ذات الحاضر أو الجزء الأكبر من هذا المستقبل على الأقل.

وحال المحك الملمح إليه في هذا المقام إنما يتراءى لنا في بعدين اثنين لا ثالث لهما:

 

+ أما الأول فيكمن، فيما نتصور، في حالة الانفصام المتزايدة (لدرجة التنافر  ربما) التي تطال العلاقة بين المثقف ومحيطه.

 فالمثقف لم ينفر من محيطه فقط كونه لم يعد قادرا على تمثل تشعباته الكبرى ومفاصله الحقيقية،  بل وأيضا على اعتبار عدم توفر القدرة لديه على تجديد الأدوات الكفيلة بالإمساك بذات المحيط وتفكيك ذات المفاصل والتشعبات.

 

+ البعد الثاني ويكمن في اكتفاء ذات المثقف (قسرا أو طواعية أو ما بينهما) بموقف رد الفعل لا دور الفعل الذي من المفروض أن يكون دوره بداية ونهاية المطاف، أي أن المثقف العربي لم يعد، كما كان الحال في عهود سابقة خلت، حامل مشروع بقدر ما أضحى مدافعا عن مشروع قائم أو متخذا لنفسه موقفا من المشاريع الواردة، لكنه نادرا ما يكون (أو كان) صاحب مشروع يضمن له التجاوب مع محيطه ...يفسح له في مجال الممارسة والفعل.

 

يبدو الأمر إذن، على الأقل بناء على هذين البعدين، ولكأن المثقف العربي لا يدري أن للكلمة نفوذا إذا لم يكن في تحويل مجريات الأحداث، فبالتأكيد في التأثير على توجهاتها شكلا وفي المضمون.

ويبدو كذلك (أو هكذا يخال لنا الأمر) أن اشتغاله على ذات الكلمة ولكأنما جاء ابتلاء ظرفيا ليس إلا أو لمجرد مرضاة جهة من الجهات، ولم يأت بأي حال من الأحوال كتعبير عن سلطة رمزية لا يقل مفعولها عن مفعول السلطة المباشر أو مفعول المحتكم إلى عناصر القوة أو ما سوى ذلك.

 

-2-

 

لن نتغيأ الحديث هنا في وظيفة المثقف أو في طبيعة دوره ولا في تداخل ذات الوظيفة والدور مع مستويات أخرى (المستوى السياسي أساسا) بقدر ما سنسعى للوقوف عند بعض القضايا الكبرى التي لربما لم يستطع المثقف العربي التأسيس لها أو التأصيل أو الموطنة:

 

+ أولى هذه القضايا الإشكالية، القضية الديموقراطية  وما يترتب عنها من تداعيات على مستوى الفرد والجماعة، على مستوى الاقتصاد والمجتمع والعمران.

لا نلمح بهذه النقطة تحديدا إلى القول بأن المثقف العربي قد كان أو لا يزال مقصرا في التأكيد على مركزية المسألة الديموقراطية (تنظيرا على الأقل) بل التلميح يطال بالأساس عدم تمكنه من موطنتها في الذهنيات القائمة وجعلها سلوكا جماعيا دونها ودونه التسلط والقمع والاستبداد.

 

ليس من المبالغة في شيء إذن لو قلنا إن الأنظمة السياسية التي حكمت الوطن العربي طيلة الثلاثين سنة الماضية قد استنبتت من "المثقفين" الموالين لها (مثقفو السلطان) أكثر ما أفرزت من المثقفين المهووسين بالهم العام والشأن الجماعي...المثقفين العضويين يقول البعض.

 

لهذا السبب ولغيره دونما أدنى شك، رأينا ولا نزال "مثقفين" يبررون للسلطان سلوكياته ويدافعون عن ممارساته ولا يتوانوا في النطق باسمه عوض أن يكونوا ناطقين باسم الذين هم عرضة بطشه وظلمه وجبروته.

 

ولما كانوا كذلك (وأكثر يقول البعض) فإنهم سرعان ما يبهتون أو ينسحبوا جملة وتفصيلا عندما يغيب الموت السلطان (سلطانهم أقصد) فيبدأوا في نسج الحبائل من جديد بغرض التقرب من صاحب الأمر الجديد.

والسر في الحالتين معا إنما الرابط العضوي الذي يجعل من "المثقف" جزءا من بلاط السلطان لا مكانة أو قيمة اعتبارية له خارجه.

 

يسهل الاستنتاج إذن بالمحصلة الأولية أن تغييب الديموقراطية بمعظم الدول العربية إنما جاء من تغييب المثقف لها أو اختزالها من لدنه في "ديموقراطية" السلطان أو تأويل ما هو قائم من المظاهر الديموقراطية ولكأنها حقا وحقيقة "الديموقراطية-الحق".

 

ستبقى المسألة الديموقراطية، فيما نتصور، تحديا حقيقيا للمثقف العربي طيلة هذا القرن طالما لم يقتنع (المثقف أعني) بضرورة موطنتها ثقافيا أولا قبل العمل على موسطتها سياسيا ومؤسساتيا.

 

+ أما القضية الإشكالية الثانية التي لم تفتأ تضع المثقف العربي في المحك فتتمثل في علاقة الدولة بالدين أو علاقة الدين بالدولة وما يثيره ذلك من حساسيات وحسابات قد تفجر الأمم والهويات إن هي لم تحدد طبيعة العقد الذي من الواجب أن يحكم المعادلة إياها.

 

ليس الإشكال قائما هنا فقط حول طبيعة الدولة والمرجعية المطالب باعتمادها في تحديد الطبيعة إياها ولكن المساءل أيضا إنما هوية الدولة العربية المخترقة تاريخيا بالعديد من الطوائف والاعتقادات واللغات واللهجات وما سوى ذلك.

بالتالي، فالبادي علنا أن المسألة ليست بأي حال من الأحوال مسألة انتماء (التي تحيل حتما على الهوية) بقدر ما هي مسألة موسطة وتدبير وأجرأة وتصريف.

 

هي قضية إشكالية كبرى لن تزيد مع مرور الزمن إلا تأججا وتعمقا وتمظهرا وتجليا بالفضاء العام سيما في ضوء ظواهر العولمة وهيمنة الليبيرالية الجديدة اللذان هما بشكل من الأشكال تفجير للهويات من الداخل وتمزيق لمختلف صيغ التعايش الديني أو اللغوي أو الإثني أو الطائفي أو غيرهما.

 

والمقصود بهذه النقطة إنما القول بأنه على الرغم من تراكم الكتابات النظرية حول هذه المسألة وطيلة العقود الخمسة الماضية فإن ذات التراكم لم يفلح في حسم إشكالية كان من المفروض أن تحسم قبل دخولنا القرن الجديد.

 

قد لا يكون المطلوب راهنا استعجال حسم هذه المسألة لفائدة هذه الزاوية من الرؤية أو تلك فالمسألة أعقد من أن تنجز بالاستعجال، لكن المطلوب والمرغوب فيه أيضا بداية هذا القرن إنما استنبات ظروف من التوافق حول مرجعية الدولة وهويتها تفسح في المجال للعمل المشترك دونما سبيل لافتعال "حروب ثقافية" وقودها الطائفة أو اللهجة أو العقيدة أو ما سواها.

 

+ القضية الإشكالية الثالثة التي لم ينجح المثقف العربي في استجلاء كل عناصرها وتتعلق بطبيعة العلاقة مع الغرب: هل الغرب صديق لنا أم غريم أم شريك؟ ما هي حدود التقارب معه؟ ما هي مكامن التنافر والممانعة بيننا وبينه؟ هل العبرة في تحديد أطراف ذات العلاقة بممارسات الماضي الاستعمارية أم سياق المصالح هو الذي من الواجب اعتماده في ذلك؟

 

أزعم أن التساؤل في هذه القضية إنما هو بداية من التساؤل في طبيعة مواقف الغرب من قضايانا القومية الكبرى ومن مطالبتا بالحق في الاختلاف.

 

ليس من الموضوعي في شيء مثلا أن يحدد المرء (العربي أو المسلم) علاقته بغرب يتبنى إسرائيل في قتلها للفلسطينيين وينعتهم بالإرهابيين ويبرر للروس قصفهم للمجاهدين الشيشان ويدافع عن احتلال العراق...بل ولا يخجل من الاستمتاع باقتسام "الغنيمة" دونما رادع أخلاقي يذكر.

 

والتساؤل في هذه القضية هو أيضا من التساؤل نهاية المطاف في نظرة الغرب لنا أفرادا وجماعات، قبائل وعشائر وأقوام.

قد نسلم جدلا بحق المرء في تمثله للغرب الذي يريد وبالمواصفات التي يريد، لكن ليس بمستطاع المرء أن يسلم باستصغار الغرب لنا واستئثاره بمواردنا ودعم الحاكمين من ضمننا لقمعنا واحتقارنا.

 

وقد نسلم جدلا بأن فضائل التواصل مع الغرب هي أوفر من عدم التواصل، لكن الحاصل منذ مدة أن ذات الغرب لا يجتهد في فهم الآخر ولا تسنى له بعد احترام هذا الآخر في ذاته وهويته وعقيدته وحقه في الحل والترحال.

 

بهذه النقطة أيضا أستطيع القول بأن المثقف العربي (الملتزم أقصد هنا) تفكيك أطراف العلاقة مع الغرب ولا تشريحها بغرض البناء عليها. فمعظم الكتابات الرائجة لا تتعدى كونها توصيفا لواقع الحال عوض أن تكون بناء استشرافيا لما نريد أن تكون عليه العلاقة مع الغرب.

 

-3-

 

من الثابت إذن، على الأقل فيما نزعم ونتصور، أن المثقف العربي لم يستطع الدفع بالعديد من القضايا الكبرى التي كان من المفروض أن تحسم قبل أن ننخرط في سياق القرن الجديد، بل ولم يساعد على طرحها الطرح الذي من شأنه تقديم الحسم بشأنها.

 

لقائل يقول: هل من المستحب تحميل المثقف العربي كل هذا الحمل وهو الذي لا قدرة له كبرى على التأثير في صاحب القرار ولا سلطة سياسية له لترجمة ما يتصور ولا قاعدة جماهيرية تدعم اختياراته في مجتمع تسوده الأمية والجهل واحتقار الثقافة؟

أو ليس من التجني الإشارة على مثقف عرضة للحصار أو للإقصاء أو للتكفير أو للقتل كلما تجاوز الخطوط المرسومة أو شكك في قرار السلطان أو زايد عليه أو أشار عليه بالأصبع حتى؟

 

هي استفهامات وجيهة وموضوعية إلى حد بعيد، لكنها تضمر ضمنها عناصر الجواب: فالمثقف العربي غالبا ما استسهل حالة الدفاع عوض الهجوم كما يقال.

وهو فضل مسالمة النظم القائمة عوض معاداتها حتى في إدراكه لتجاوزاتها وطغيان الظلم والقمع من بين ظهرانيها. وهو غض الطرف عن العديد من سلوكياتها درءا لأداها وما قد يترتب على مصارحتها. وهو استحلى ما تغدقه عليه من عطايا وامتيازات ومركز رمزي. وهو تنكر لرسالته واندغم في "رسالة" السلطة قلبا وقالبا حتى إذا غضبت عليه ارتكن إلى زاوية في التاريخ تحكى. وهو تنكر لدوره كسلطة مضادة بطبيعتها إذا لم تكن بالفضاء العام المتاح فبالفضاء الفكري الممكن...وهكذا.

 

بالتالي فسيبقى المثقف العربي من هنا مسلوب الإرادة والذات ليس فقط بإزاء صاحب السلطة والمال والجاه بل وكذلك بإزاء قاعدته الرمزية الأصلية التي تضمن له البقاء والاستمرارية وتفتح له مسالك الخلود.

 

جريدة الخليج، الملحق الثقافي، أبو ظبي،8 شتنبر 2003