"المثقف العربي
على المحك"
يحدد
حسن حنفي
المثقف, في
كونه الشخص "الواعي
بالثقافة,
والثقافة هي
الوعي بالعالم...الثقافة
ليست مجرد
معرفة نظرية
بالعالم, ولا
مجرد التزام
عملي بقضاياه,
لكنها هي الوعي
النظري
بالواقع
العملي, هي
الرباط بين
النظر والعمل,
والجمع بين
هموم الفكر
وهموم الوطن".
لا
يبدو, على
الأقل في ذهن
حسن حنفي, أن
ذات المثقف هو
بالضرورة
مفكرا, تماما
كما أن المفكر
ليس حتميا
مثقفا. فثمة " فرق
بين المفكر
والمثقف.
المفكر هو
الذي يقوم بالتحليل
النظري لما
يعرض له من
موضوعات, كي
يقدم المعرفة
النظرية
الأولى به.
مهمته
المعرفة. فإذا
ما التزم بها
وعمل على
تحقيقها
وناضل في
سبيلها, فهو
المثقف.
والمثقف أكثر
التزاما
بالواقع من
المفكر. وقد
يبقى المثقف
على مستوى
الخطاب, خطاب
المثقفين
المغلق على
ذاته, والذي
لا ينتج عن
ممارسة عملية
فيما يسمى بأزمة
المثقفين. وقد
يخرج الفكر عن
نطاق الفهم
والتحليل إلى
الالتزام بتحديات
العصر".
بالتالي,
"فالمثقف هو
بالضرورة
المثقف
العضوي, الذي
يجعل الثقافة
لديه نظرا
وعملا, فهما
للعالم
وتغييرا له,
معرفة وسلوكا.
هو المثقف
الملتزم
بأدبيات
العصر, والذي
يعرف قوانين
التاريخ
وطبيعة
الواقع".
من
جهة أخرى, فمن الثابت,
بالحضارة
العربية/الإسلامية
(كما بغيرها
من حضارات دون
شك) أن
مواقف المثقف
من السلطة (أو
موقف هذه الأخيرة
منه) إنما
أفرزت أشكالا
عدة من
المثقفين, لعل أبرزها
إطلاقا ثلاثة
كبرى:
+
أولا, مثقف
السلطة أو
مثقف السلطان,
المتواطئ معه,
الذي يزين للحاكم
سلوكه,
"يشرعن" له
الممارسة,
ويبرر له
القرارات, بل
ويسوغها
تسويغا بما
يتماشى
وأهواء
الحاكم.
+
ثانيا, المثقف
المتموقع على
النقيض من
فضاء السلطة,
يعتبرها
غريمه الأول
والأخير, يلصق
بها التهم
والنعوت, ولا
يثق في طبيعة
سلوكها وسلوك
مثقفيها.
+
ثالثا, المثقف
الذي لا يرى
فائدة كبرى في
معاداة
السلطة, فيذهب
لحد فتح
الجسور معها, والعمل
على تصحيح
سلوكها,
بالنقد تارة,
وبالتأييد
تارة أخرى, إن
بدا له ذات
السلوك سليما,
يستحق
التنويه, أو
متماشيا مع ما
يبدو لذات
المثقف مصلحة
عامة.
قد
لا يجازف
المرء كثيرا
لو زعم أن المثقف
العربي
(بأشكاله
الثلاثة) إنما
أضحى, ومنذ
زمن غير قصير,
في محك كبير
وحقيقي بإزاء
العديد من
القضايا
الكبرى, التي
حكمت وتحكم
مكونات
الحاضر, رهنت
وترهن عناصر
مستقبل ذات
الحاضر, أو
الجزء الأكبر
من هذا
المستقبل على
الأقل.
وحال
المحك الملمح
إليه في هذا
المقام, إنما
يتراءى لنا في
بعدين إثنين
لا ثالث لهما:
+ أما
الأول فيكمن,
فيما نتصور,
في حالة
الانفصام
المتزايدة
(لدرجة
التنافر ربما) التي
تطال العلاقة
بين المثقف
ومحيطه.
فالمثقف لم
ينفر من محيطه
فقط كونه لم
يعد قادرا على
تمثل تشعباته
الكبرى
ومفاصله
الحقيقية, بل
وأيضا على
اعتبار عدم
توفر القدرة لديه
على تجديد
الأدوات
الكفيلة
بالإمساك بذات
المحيط,
وتفكيك ذات
المفاصل
والتشعبات.
والواقع
أن هذه
الفصيلة لم
يقتصر الأمر
لديها على
إعادة إنتاج
"الثقافة"
بأدوات
تقليدية
(لدرجة توقف
التراكم
لديها), بل
وتعدى الأمر ذلك
إلى توقفها
على الاضطلاع
على ما استجد
من مناهج وعلوم
وطرق تفكير,
لدرجة قد يذهب
المرء إلى
وصفهم ب
"المثقفين
الأميين"...حيث
بات من المتعذر
اليوم, سيما
بظل "الثورة
المعرفية" المتصاعدة,
قراءة الواقع
القائم,
بالاعتماد
على أدوات أو
مناهج أو نمط
تفكير تقادم,
أو لم يعد
يقدم
الإشكالات
المطروحة في
شيء.
+
البعد الثاني
ويكمن في
اكتفاء ذات
المثقف (قسرا
أو طواعية أو
ما بينهما)
بموقف رد
الفعل لا دور
الفعل, الذي
من المفروض أن
يكون دوره
بداية ونهاية
المطاف. أي أن
المثقف
العربي لم
يعد, كما كان
الحال في عهود
سابقة خلت,
حامل مشروع
بقدر ما أضحى
مدافعا عن
مشروع قائم,
أو متخذا
لنفسه موقفا
من المشاريع
الواردة, لكنه
نادرا ما يكون
صاحب مشروع,
يضمن له
التجاوب مع
محيطه ...يفسح
له في مجال الممارسة
والفعل.
فسقوط
الشيوعية
مثلا, كما
تراجع المد
القومي, كما
"انتصار
الليبيرالية"
بمختلف تلويناتها
كما غيرها, لم
يدفع المثقف
العربي إلى
التبرم عنها
شكلا ومضمونا,
بل ذهبت به
الأمور لحد اقتصاره
على مجارات
الخطابات
الرائجة,
اعتقادا من
لدنه ب"
ضرورة"
مسايرة العصر
ومنطق العصر.
لا
ينحصر الأمر
في هذا, بل
يتعداه من
المثقف إياه
إلى العمل على
اقتحام
مواضيع وتيمات
ليست بأي حال
من الأحوال من
"اختصاصه",
ولا لديه
الأدوات
القمينة
للخوض فيها, كخوض
العديد منهم
في إشكالات
العولمة أو
الشبكات
الألكترونية
أو ما سواها,
ناهيك عن حالة
الباحث في
الفلسفة
ويكتب
الرواية
والشعر
بالموازاة مع
ذلك, وهكذا.
صحيح أن المثقف العربي إنسان ذو رأي قد يكون أكاديميا أو مفكرا أو خبيرا أو ما سواه, لكنه لا يمكن أن يكون كل ذلك مجتمعا, سيما في زمن أضحى التخصص فيه أداة للتراكم المعرفي لا العكس.
يبدو
الأمر إذن,
على الأقل
بناء على هذين
البعدين,
ولكأن المثقف
العربي لا
يدري أن
للكلمة نفوذا
إذا لم يكن في
تحويل مجريات
الأحداث,
فبالتأكيد في
التأثير على
توجهاتها
شكلا وفي
المضمون...ويبدو
ولكأن بين
الواقع وبين
المثقف
العضوي بون
شاسع.
ويبدو
أيضا (أو هكذا
يخال لنا
الأمر) أن
اشتغاله على
ذات الكلمة
ولكأنما جاء
ابتلاء ظرفيا ليس
إلا, أو لمجرد إرضاء جهة
من الجهات,
ولم يأت بأي
حال من
الأحوال,
كتعبير عن
وعي بسلطة
رمزية, لا يقل
مفعولها عن
مفعول السلطة
المباشر, أو
مفعول
المحتكم إلى
عناصر القوة, أو ما
سوى ذلك.
يحيى
اليحياوي
الرباط, 8
فبراير 2010