الإنترنيت
كملتقى عوالم
شبكة الإنترنيت
ملتقى عوالم
الكلمة
والصوت
والصورة
مجتمعين,
وبامتياز.
بالسابق من
أزمان, كان كل
مجال من هذه
العوالم, عالم
الاتصالات
والمعلوماتية
والسمعي/البصري,
يشتغل
باستقلالية
عن الباقين,
وكانت التقنية
التشابهية
تحول دون
التقارب فيما
بينهم. حتى
المهن
المرتبطة بكل
عالم كانت حصرا
وحكرا عليها,
ولم يكن
بمستطاع
مهندس
الاتصالات أن
يلج عالم
التلفزة مثلا,
أو عالم
المعلوماتية,
ولم يكن
بمقدور تقنيي
التلفزة أن
يشتغلوا
بنجاعة بعالم
الاتصالات أو
المعلوماتية,
وهكذا أيضا
بالنسبة
لمصممي
البرامج المعلوماتية,
أعتدة
وبرمجيات.
ببداية
ثمانينات
القرن الماضي,
مكنت تقنيات الرقمنة
والضغط, من
خلق لغة
مشتركة لكل
هذه العوالم,
عبارة عن
سلسلات
لامتناهية من
الأصفار والآحاد,
تستوظف
ألغوريتمات
جديدة, لضغط وتخزين,
ثم تمرير, ثم
استعادة
المعلومات من
قواعد وبنوك
للمعطيات,
صممت لذات
الغاية لا
لغيرها.
الميزة
الكبرى تتمثل
هنا في ربح
السعة وفي الدقة,
وفي السبل
الجديدة
لتقارب هذه
العوالم, ثم
اندماجها في
المتعدد
الأقطاب, ثم
في الإنترنيت
بأجياله
المختلفة,
فيما بعد
وبالتدريج.
بامتداد
لذلك, برز
اصطلاح مجتمع
المعرفة, هذا
المصطلح الذي
واكب هذه
الطفرة, جاء
استتباعا
لاصطلاحات
أخرى, ذات خلفية
تقنية
وأدواتية
صرفة, من قبيل
المجتمع
الشبكي,
والمجتمع
الافتراضي,
والمجتمع
العنكبوتي,
والمجتمع
الخائلي, وما
سواها. وهي
كلها تعبيرات
مفاهيمية عن
الانتقال
التدريجي من
مجتمعات
المادة الصرفة,
المرتكزة على
الموارد
المادية
الخالصة, إلى
مجتمعات عصبها
الأساس, إنتاج
وإعادة إنتاج
واستغلال وتخزين
واسترجاع
واستهلاك
المعلومات
والبيانات
والمعطيات
وما سواها.
إنه اصطلاح
أريد منه
اختزال
التحولات
التكنولوجية
والمؤسساتية,
التي طاولت
قطاعات الإعلام
والمعلومات
والاتصال,
وطاولت من
خلالها أو
عبرها, بنى
الإنتاج والاستهلاك,
ومظاهر إنتاج
وترويج
المعرفة على
نطاق واسع,
بعدما كانت
الأخيرة حكرا
على من له
القدرة على
اقتناء هذا
الإناء
المعرفي (النخبوي
بطبيعته) أو
ذاك.
الاصطلاح
إذن يعبر عن
واقع جديد,
مفاده أن الذي
يجر وتيرة النمو
والتنمية
الاقتصادية
لم يعد
الموارد الأولية
ولا العضلات
البشرية, بل
مدى القدرة
على إنتاج
المعلومات
وتداولها,
ومدى
القابلية في
الرهان على
الكفاءات
والبحث
العلمي والإبداع
التكنولوجي
والعمل
الشبكي
والتنظيم الهرمي
وهكذا. ويعبر
أيضا, وبالآن
ذاته, عن
أشكال في العلاقة
والتنظيم غدت
أفقية المسلك,
بعدما أدمنت
في العمودية
في الفترات
السابقة,
فترات الإنتاج
الصناعي أو
الخدماتي أو
ما بعد الخدماتي
أو ما سواها.
ليس المقصود
بالمعرفة, في
هذا الاصطلاح,
بعدها
السوسيولوجي
أو
الأنتروبولوجي
الصرف, الموغل
في التراث
والتاريخ, ولا
المقصود به
المعرفة في
إطلاقيتها,
باعتبارها
غاية في حد
ذاتها, كما
يذهب إلى ذلك
العديد من
الباحثين
العرب (سيما
بالتقارير
العربية التي
ثوت خلفها منظمة
الأمم
المتحدة,
ببداية هذا
القرن).
المقصود بها إنما
جانب المعرفة
كمدخل من
مداخل
العملية
الإنتاجية
والتنافسية,
بواقع اقتصاد
سوق الغلبة
فيه لمن
يتموقع بالتخصص
الأفضل,
والناجع,
والضامن لسبل
الصمود
والاستمرار,
واستقراء
التحولات
واستباقها
بالفعل والمبادرة.
بالتالي,
فمجتمع
المعرفة
المتحدث عنه
من بين ظهراني
الغرب تحديدا,
سيما بمرحلة
الشبكات
وطفرات
التكنولوجيا, إنما
هو ذاك
المجتمع
المكون من
طابقين
متكاملين,
لدرجة
التماهي فيما
بينهما: شبكات
ألكترونية
عالية السعة,
تفاعلية, آنية
في التجاوب,
مرنة, قادرة
على التأقلم
والتكيف مع
المحيط
القائم من
جهة, ومن جهة
أخرى, مضامينا
معتبرة, تمتطي
هذه الشبكات,
لضمان سريان
فعال, من شأنه الرفع
من قدرات
المؤسسات
وتنافسية
المقاولات,
ناهيك عن
التواصل
التقليدي
العادي, كما
الحال
بالبريد
الألكتروني
وغيره, أو
التفاعل
بالشبكة
بجيلها
الثاني, جيل
الويب 2.
بهذه
الجزئية,
أعتقد أن
اصطلاح مجتمع
المعرفة إنما يلتقي
مع اصطلاح
مجتمع
المعلومات أو
المجتمع المعلوماتي,
في أكثر من
نقطة وأكثر من
مجال, لكنه
يتعداه
ويتجاوزه, على
اعتبار أن
الأول (مجتمع
المعرفة)
يطاول
المجتمع
والثقافة,
عندما يختمر
ويتم تملكه من
لدن الأفراد
والجماعات,
ولا يبقى
منحصرا في
البعد
التداولي
العابر للمعلومات
والمعطيات
والبيانات.
إنه يختزل الثقافة
والمجتمع,
ينسج ويبني
لتحولاتهما
في الشكل كما
في المضمون.
المفارقة,
بالوطن
العربي, أننا
لم نلج بعد
المجتمع
الصناعي, فما
بالك
بالحداثي, ومع
ذلك فهناك من
بين ظهرانينا,
من يتحدث عن
مجتمع
المعلومات
والمعرفة,
ناهيك عمن
يتحدث عن
الحداثة وما
بعد الحداثة.
إن هؤلاء لا
يضعون الأمور
في سياقها, بل
يعمدوا إلى
بترها على
أساس من هذا
الاعتبار أو
ذاك. وهذا لا
يعبر بحد ذاته
عن عدم دقة في
التمثل, بل وأيضا
عن استيلاب
سيميائي أعمى,
يجعل المغلوب
ذا قابلية على
امتطاء
مصطلحات وتمثلات
الغالب, لا
لشيء إلا لأنه
غالب, أو له الغلبة
في هذا المجال
أو ذاك.
حضور العالم
العربي في
الفضاء
الرقمي, حضور
متدني للغاية
بالاعتماد
على العديد من
المؤشرات
المتداولة
عالميا, من
قبيل عدد
المرتبطين
بشبكة
الإنترنيت,
وعدد مزودي
الخدمات, وعدد
الخدومات
المستعملة,
ونسب تواجد
اللغة العربية
على الويب, وما
سواها.
المعطيات
متوفرة
ورائجة, ولا
تقبل كثير
تأويل أو
اجتهاد اللهم
إلا من لدن
مكابر عنيد أو
متجاوز على
الحقائق,
متنكر
لمضمونها.
قد لا يعدم
المرء
الأسباب
لتفسير ذلك,
إذ حالة
الشبكات
الألكترونية
بالعديد من
الدول العربية
متواضعة
للغاية, ونسبة
الأمية منتشرة
بكثافة,
وسيادة
الشفوي لا
تزال قائمة,
والتعامل مع
المستجدات
التكنولوجية
لا يزال يثير
بعضا من
الريبة
والحذر, ناهيك
عن تدني مستويات
البحث العلمي,
وغياب
التنسيق عبر
الشبكات فيما
بين الباحثين,
وتبرم الدولة
عن دعم المبادرات
الهادفة,
لترويج
استخدام هذه
الشبكات, أو
السمو بها إلى
ما هو معمول
به بالدول
المتقدمة.
بجهة العمل
المؤسساتي,
يبدو لي
بالمعطيات الإحصائية,
أن العرب
"الرسميون"
لا يولون كبير
اهتمام
للشبكة, بدليل
عدم اكتراثهم
بالمطالبات
من أجل ترقين
ورقمنة
العديد من
أمهات الكتب,
وإتاحتها
بالشبكة
مجانا, أو
مقابل رسوم
رمزية, أو
بأدنى
الحالات ضمان
رواجها بين
المكتبات,
وتوفيرها
للطلبة
الباحثين بالجامعات
ومراكز
البحوث
المتوفرة وما
سواها.
قد يكون
الإشكال هنا
إشكالا قوميا,
أي على مستوى
الوطن الواحد,
الذي قد يتذرع
بضعف الإمكانات
وقلة الموارد,
وهذا قد
يتفهمه المرء,
لكن الإشكال
الكبير هو
إشكال تنسيق
فيما بين الدول
العربية, أي
بين تلك التي
تمتلك
الموارد ولا
كفاءات بشرية
لديها (كما
الحال
بالخليج), وبين
من لديها
الموارد
البشرية
(كالمغرب ومصر
وتونس) ولا
موارد مادية
لها كبيرة
بهذا الجانب.
الإنترنيت,
بحال العرب,
ليس ملتقى عوالم
للبحث
والإبداع
والابتكار,
إنه عنوان
إهمالهم
للعلم
والتكنولوجيا
والمعرفة. إنه
ملتقى شد وجذب
بين عوالم لا
تزال تتحوط من
المستقبل,
وترتكن
للخلاص منه,
في عوالم الخرافة
والاتكالية
والانبهار
السلبي.
يحيى
اليحياوي
الرباط, 5
أكتوبر 2009