الإنترنيت وعصرنة الإدارة بالمغرب

 

 

نقرأ بكل الأدبيات والمشاريع الداعية, أو المتمحورة حول إشكالية الإصلاح الإداري بالمغرب, أن الغاية القصوى من هذا الأخير, إنما إدراك الأهداف الأساس التالية, باعتبارها أداة وغاية في الآن معا:

 

°- لامركزية في البنى الإدارية, مع إعادة تحديد وظائف الإدارة بوجه عام.

°- تقوية أخلاقيات المرفق العام, وتخليق السلوكات المرتبطة به.

°- تحسين العلاقات بين الإدارة والمواطنين, عبر تبسيط المساطر, واستخدام تكنولوجيا الإعلام والاتصال لإدراك ذلك.

°- وإدخال طرق جديدة لتدبير الموارد البشرية, مع اعتماد نظام جديد للتحفيز بالوظيفة العمومية.

 

وإذا كان المغرب قد قطع شوطا لا بأس به فيما يتعلق باللامركزية والجهوية, فإن جانب تخليق المرفق العمومي لا يزال يراود مكانه, بسبب استبعاد مسألة نشر الوثائق العمومية, وكذلك عمليات التدقيق التي تطاول هذا المرفق أو ذاك, بين الفينة والأخرى.

 

وهو ما يلاحظ أيضا على مستوى علاقة الإدارات العمومية مع المواطنين, حيث "غياب مقاربة شمولية لاستقبال وإعلام المواطنين, وضعف قدرة هذه الإدارات على تقديم معلومات دقيقة وشافية حول الخدمات المقدمة, وتدني الاعتبار فيما يخص المعلومات المطلوبة من لدن المواطنين", وعدم أخذ هذا الجانب مأخذ الجد, فيما يخص مجهودات إصلاح وتطوير الإدارة العمومية, ناهيك عن كثرة وتعقد المساطر, و"ضعف الوسائل التي من شأنها تمكين المواطن من دفع الإدارة إلى الشفافية, والوضوح واحترام القانون".

 

كل هذه المعوقات تحول دون تواصل حقيقي بين المواطنين و بين مرافق الدولة الكبرى, وتحد من مجالات الفعل التي قد يدفع بها هذا المرفق, ولا يتجاوب معها آخر وهكذا.

 

يبقى السؤال: هل مشروع "الحكومة الألكترونية" الذي تتطلع إليه الحكومة, من شأنه أن يضمن تجاوز هذه المعوقات, ويفتح في المجال لتواصل عمومي, تكون ركيزته توفر الجانبين على المعطيات والبيانات, التي تمكن ذات التواصل من التجسد في الزمن والمكان؟

 

قد يحتاج المرء بهذه النقطة, إلى رصد وتقييم المواقع الألكترونية التي أقامتها العديد  من المرافق العمومية, الوزارية منها على وجه التحديد. وقد يحتاج إلى الوقوف عند مضامينها, لتحديد ما تقدمه للمواطنين, من معلومات أو بيانات أو "تسهيلات", كل فيما يخص ميدان عمله. وقد يحتاج فوق كل هذا وذاك, إلى معاينة ميدانية للوقوف عند رأي المتلقي, ومدى استفادته من المواقع إياها في معاملاته.

 

ليس المقام هنا مساعدا للتعرض لكل ذلك, لكن تصفح العديد من المواقع العمومية على شبكة الإنترنيت, يثير الحقائق الأساس التالية:

 

+ الأولى, أن تصميم هذه المواقع لا يغري قطعا بجمالية ما في المظهر, أو بفنية في الصياغة تذكر, بقدر ما تبدو في شكلها على الأقل, دون ما تمكنه التقنيات المتوفرة, على مستوى الفنية والجمالية وحبكة الصناعة. بالتالي, فهي تبدو كما لو أنها صيغت على عجل, وقام عليها موظفون, لا يفقهون كثيرا في تصميم المواقع, أو تمت صياغتها من باب الموضة, أو المباهاة أو الادعاء بانفتاح هذا المرفق العام أو ذاك..

 

من هنا, فقد يتم للمرء تصفحها من باب الاستطلاع, أو بغرض الإفادة أو المصلحة, لكنه قد لا يجد الحافز للمعاودة, على اعتبار قارية الشكل, ورتابة المضمون, وضعف الخدمة, وعدم توفر الحد الأدنى من التفاعلية, وهكذا.

 

+ الحقيقة الثانية, أنه على الرغم من المعيارية التي وضعتها لجنة "الحكومة الألكترونية", فإن هذه المواقع لم تأخذ ذلك بعين الاعتبار ولا تقيدت به, لضمان الحد الأدنى من التناسقية بين مؤسسات تشرف عليها وزارة أولى, المفروض أن تعمد لمراقبة مصالحها, وإلزامهم بالانضباط لتصوراتها في الشكل والمضمون.

 

معنى هذا, أن كل موقع مصمم بطريقته, وليس ثمة التزام بتوفير حد أدنى ما من المعلومات, تفيد المتصفح, أو تجعله مرتادا اعتياديا عليها. أي أنه ليس ثمة مرجعية ثابتة, يتم الاحتكام إليها, والتقيد بتوجيهاتها.

 

+ أما الحقيقة الثالثة, فمفادها أن هذه المواقع إنما تحمل خاصية الفقر في المضامين, وطول المدة بين تحيين وآخر...ولا تحمل في العديد منها, إلا أخبار هذا المرفق العمومي, أو "إنجازات" ذاك, دونما مجهود لتضمين المواقع معطيات تفيده المتصفح أو تسهم في خدمة مصالحه, لا بل إن حتى التظلمات التي تفردها بعض المواقع للمواطنين, عبر بريدها الألكتروني (في حالة اشتغاله) لا تجد من يرد عليها, ليبقى هذا الجانب بالتحديد, من باب قول الحق المحيل صوبا على الباطل.

 

بالمحصلة إذن, هي مواقع للإشهار وللعلاقات العامة, أكثر ما هي مواقع تتغيأ توظيف الشبكة لتبسيط المساطر, أو توفير المعلومات, أو استقبال التظلمات, أو الانفتاح على المتظلمين... دع عنك القول بأنها أنشئت "لتقريب الإدارة من المواطنين".  

يحيى اليحياوي

الرباط, 9 نونبر 2009